معظم السودانيين ينتقدون العشوائية، وكلهم يمارسونها في علاقاتهم الرسمية أو الخاصة، مع الخلصاء والمعارف أو مع من يقابلونهم لأول مرة، لا فرق! .. بين كل مائة مسافر سوداني - يجوبون صالات المغادرة والوصول بمطارات العالم - أكثر من ثلث هذا العدد على الأقل، يحملون بكل بساطة أمتعة لا تخصهم، تسلموها من أشخاص قابلوهم لأول مرة، ووافقوا على قبول إيصالها – مكرهين - إلى آخرين لا يعرفونهم .. خجلاً من الامتناع عن تقديم المساعدة .. أو احتساباً عند الله وتحرياً لأجر المناولة ..!

وهو كما ترى سلوك عشوائي سائد جداً، على الرغم من كونه يعرض مرتكبيه للمسائلة والعقاب في حال مخالفة ما يحملونه لقوانين حمل الأمتعة، والتي تقول ببساطة أن محتواها على مسئولية الراكب الذي ارتضى أن يضع اسمه على أي برطمان ملوحة .. أو كيس ويكة .. أو كرتونة طلح .. كانت في طريقها من مرسل مجهول، إلى مستلم مجهول، عبر مسافر عشوائي ..!

في السجون السعودية سودانيون محكومون بالإعدام ظلماً في قضايا تهريب مخدرات داخل أمتعة لا تخصهم، تسلموها من باب خدمة أصحابها لوجه الله وانتهت رحلتهم معها إلى غياهب السجون .. ومن هؤلاء قضية المغتربين السودانيين الذين القي القبض عليهما بتهمة تهريب مواد مخدرة ضبطتها السلطات السعودية داخل "أمانات" وافقا على إيصالها من مجهولين إلى مجهولين - في مطار جدة - على الطريقة السودانية ..!

لكن لطف الله قدر أن تتدخل الحكومة السودانية - هذه المرة! – وأن تطلب من السلطات السعودية وقف تنفيذ حكم الإعدام فيهما، بعد ظهور مستجدات واضحة في القضية، وبعد جهود مقدرة من شرطة مكافحة المخدرات، أثبتت التحريات أن الرجلين وقعا ضحية عصابة تهريب مخدرات يمتد نشاطها بين السودان والسعودية، وأن الذي قام بتسليم المتهمين أكياس البضاعة المهربة هو أحد أفرادها ..!

والآن صحح لي إذا أخطأت .. على الحكومة السودانية أن تقدم تنويراً للجهات المختصة في السعودية بشأن هذه العشوائية السودانية – وكونها السبب الرئيس في مثل هذه السوابق – وأن تطالبها بأخذ طبيعة هذا الشعب بعين الاعتبار حين التحقيق والتحري بعد وقوع حوادث مماثلة ..!

لماذا لا تسن ولاية الخرطوم – التي تتحدث هذا الأيام عن توسعة مظلة قانون النظام العام – سنة حسنة، لحماية للمسافرين، عبر مطارها الدولي، من أخطار العشوائية، بأن تمنع هذا السلوك رسمياً .. وكل من يثبت أنه يحمل أمتعة لا تخصه، أو يحاول أن يحمل غيره على ذلك، يعاقب بغرامة رادعة ؟! .. المهم أن يحاصر النظام العام مظاهر العشوائية .. ولا تثريب على المسافر – بعدها – إذا رفض أن يحمل أي أمانة، حتى وإن كانت مجرد سلام ..!



منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.