أعتقد أن حديث الدكتور مهدي إبراهيم عن الأزمة الاقتصادية والسنوات الثلاث العجاف التي بشر بها، لا يقتضي ردة فعل أكثر من تلك التي تعقب تأخير الخبر في جملة اسمية لا يؤثر تقديمه أو تأخيره في وضوح معناها .. كل ما فعله هو إعادة صياغة وجهة نظر هذا الشعب في نتائج سياسات حكومته التي كانت – وما تزال – تبخس الكوارث الاقتصادية حقها ..!

ولسنا ندري - بالضبط - المقصود بمفهوم "الخطة الإسعافية"، في ظل واقع اقتصادي هو أقرب إلى وضوح مراحل السرطان منه إلى فوضى إصابات العمل! .. المصطلح نفسه يتنافى مع أول مبادئ إدارة الأزمات، ولا يناسب أبداً ذلك الافتراض الاقتصادي الذي كان مرشحاً بامتياز في حال الانفصال، ثم تحول بعد تحققه إلى واقع معلوم سلفاً ببداهة السياسة ومعادلات الاقتصاد ..!

على أية حال، نتوقع أن لا تخرج تلك الخطة الإسعافية عن بضعة إجراءات تعسفية لتوسيع دائرة الجبايات والمكوس والتفنن في اختراع الرسوم الباهظة عن كل شهقة، أو حركة، أو إيماءة، تصدر عن كل مواطن، على أن لا ينتقص ذلك شيئاً من حرص الحكومة على مظاهر البذخ في كل وجوه إنفاقها ..!

خبراء الاقتصاد يقولون إن حوالي ثمانين بالمائة من أداء الحكومات يرتبط بمدى توفر القيم الأخلاقية في مؤسساتها، لكن ذلك يبدو أبعد ما يكون عن سلوك حكومة تعلم أن انخفاض النمو الاقتصادي هو الوجه الآخر لزيادة الإنفاق العسكري، وأن الصرف على جهاز الأمن والمخابرات لا يجب أن يؤثر في زيادة الإنفاق على الزراعة والصحة والتعليم، لكنها – رغم ذلك - تفعل ..!

المشكلة أن حكومة الإسلام السياسي – هذه! - أبعد ما تكون عن مصطلح الرشد الاقتصادي بمفهومه الإسلامي الذي يوجب حسن تعاملها مع الأموال كسباً وأنفاقاً، بتقديرات نسبية وترتيبات تفاضلية، وتلافياً أخلاقياً للنفقات الحكومية الباهظة، وزيادة مخلصة للكفاية الإنتاجية، ومحاولات جادة للاستفادة من الموارد البشرية عوضاً عن تحطيم مقدراتها بمعاول العجز الاقتصادي! .. فأين هي من كل هذا ..؟!

دعك من رواتب ومخصصات الوزراء والمسئولين، إذ لو احتفظ هؤلاء بكل غنائمهم مقابل اجتهادهم في ترشيد أوجه الإنفاق الحكومي على بنود أخرى كثيرة ومتشعبة لكنا بألف خير .. ماذا عن الإسراف في تأثيث المكاتب وتوفير الفارهات، ومبالغات فواتير الصيانة والتجديد ؟! .. ماذا عن الأموال المهدرة على أكاذيب التدريب، وإعادة التأهيل، وتنمية القدرات ؟! .. ماذا عن الميزانيات الهائلة المخصصة لترضيات سياسية تخدم أجندة المؤتمر الوطني بينما الدولة والشعب منها براء ؟! .. ماذا عن الصرف الباذخ على المآدب والحفلات والمؤتمرات وبدلات السفر ؟! .. ماذا عن المبالغ الهائلة المدفوعة كرواتب ومخصصات لمسئولين بأدوار وهمية وآخرين وهميين بلا أدوار من أساسه .. ؟!

استردوا تلك الأموال – وغيرها مما خفي وكان أعظم -  واستثمروها في تمويل مشاريع تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين ذوي الدخل المحدود والمتوسط .. وبعد ذلك حدثونا عن الخطط الإسعافية ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.