مقدّمة 

سيطرة الوجوه التقليدية على الساحة السياسية السودانية

ظلّت سيطرةُ نفسِ القيادات الحزبية على الساحة السياسية إحدى أبرز سمات العمل العام في السودان منذ الاستقلال. وقد برزتْ هذه السيطرة في مجالين متداخلين، الأول بقاء نفس الوجوه التقليدية في إدارة دفة الأحزاب السياسية، وثانيهما تولّي نفس هذه الشخصيات للمناصب الوزارية، سواءٌ خلال عهود الحكم المدني الثلاثة، أو عند مصالحة الأحزاب السياسية للأنظمة العسكرية ومشاركتها في السلطة. وأصبحت مغادرة الحياة هي الطريق الوحيد لابتعاد هذه الشخصيات عن العمل العام.
نتج عن هذا الوضع المعيب الغياب التام لتداول السلطة داخل هذه الأحزاب، وبالتالي غياب الوجوه الشابة ضمن قيادات هذه الأحزاب، أو في التشكيلات الوزارية المختلفة، وحرمانهم من المشاركة في العمل العام وبناء الوطن. فكل حزبٍ مكتّظٌ بالقيادات التقليدية كبيرة السن، ولا مكان فيه لوجوهٍ شابةٍ بآراء وأفكار ورؤى وبرامج جديدة. وظلَّ السودان واحداً من الدول القلائل التي لا يوجد فيها أيُّ منهجٍ لتدريب الشباب لمشاركتهم في العمل السياسي أو العمل العام.
وإذا نظرنا إلى آخر حكومات الإنقاذ فسوف نجد أن معظم القيادات كانت قد تجاوزت السيتينيات، وأن رئيس الجمهورية ونوابه كانوا في السبعينيات أو على وشك أن يصلوها. وأن من أتوا على ظهر الدبابات للسلطة في 30 يونيو عام 1989 ظلوا في السلطة حتى لحظة سقوطها في أبريل عام 2019. وينطبق هذا الوصف على قيادات ووزراء حكومات العهد المدني، خصوصاً العهد المدني الثالث، وقبله الثاني، وعلى كل قيادات الأحزاب السياسية السودانية.
وقد قامت حكومات الإنقاذ المختلفة بتطبيق سياسة الإقصاء التي حرمت الشباب غير المنتمين للحركة الإسلامية من الدراسة والتدريب خارج السودان، وبالتالي حرمانهم من التعرّف من خلال هذه الفرص على دور الشباب في العمل العام في المجتمعات الأخرى. وقد كان السودان من أكثر دول العالم ابتعاثاً لطلابه للدراسة والتدريب خارج السودان، حتى جاءت الإنقاذ لينعكس هذا الوضع ويصبح السودان من أقل الدول التي ترسل طلابها للخارج للدراسات العليا والتدريب. وكان المبعوثون القلائل خلال حكم الإنقاذ كلهم من أبناء وبنات الإسلاميين فقط.
وقد كان احتكار العمل السياسي بواسطة مجموعات سياسية معينة محدودة طوال العقود الماضية، وما نتج عنه من غياب التجديد الذي يأتي بأفكار ورؤى وبرامج جديدة في إدارة الدولة، واحداً من الأسباب الرئيسية للفشل المتواصل والتام في إدارة الدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى سقوط نظام الإسلاميين. ونتج عن هذا الفشل التأرجح منذ الاستقلال بين الأنظمة المدنية والأنظمة العسكرية، وكذلك مشاركة الأحزاب في حكومات الأنظمة العسكرية، أو مصالحة الأحزاب لتلك الحكومات العسكرية بعقد الاتفاقيات التي تعترف بها وتتعامل معها.
الشباب السوداني وثورة ديسمبر 2018 ودولة الاعتصام
رغم عدم الإلمام التام والمباشر من خلال الدراسة أو زيارات التدريب والعمل بما يجري في بقية دول العالم بسبب سياسات العزل والإقصاء التي سنتها واتبعتها الحركة الإسلامية الحاكمة في السودان خلال الثلاثين عاماً الماضية، إلا أن شباب السودان بهروا العالم بقيادتهم لثورة ديسمبر عام 2018. صارت الثورةُ محطَ أنظار المراقبين الدوليين في براعة التنظيم والتنفيذ، والمشاركة، والاستخدام المكثف والرائع لوسائل التواصل الاجتماعي لمخاطبة الجماهير الثائرة، وفي المقدرات العالية للتصدّي لكل محاولات الحركة الإسلامية الحاكمة الشرسة لدحر الثورة.
وكانت شعارات ومبادئ الثورة "حرية، سلام وعدالة" تأكيداً لامتداد ثورة السودان وترابطها مع ثورات العالم الأخرى، بدءاً بالثورة الفرنسية، من أجل الديمقراطية والكرامة والعزة والمساواة والسلام. وهزَّ شعار "سلمية" ضمير العالم الذي لم يعرف عن السودان خلال العقود الماضية غير الحرب والقتل والإبادة الجماعية وانشطار البلاد إلى دولتين بسبب ذلك، وغير تواصل العنف والحرب في عدة ولاياتٍ في السودان بعد انفصال الجنوب.
وجاءت دولة الاعتصام التي وصفتها وسائل الإعلام الغربية بأنها أول دولةٍ ديمقراطية اشتراكية في العالم العربي. أتى ذلك الوصف نتيجة الإدارة المرشّدة والعصرية لدولة الاعتصام التي انبنت على المشاركة والتكافل وتحمل المسئوليات وتنفيذ المهام بالصورة المتوقّعة وفي الظرف الزماني المطلوب. وأتى ذلك الوصف نتيجة النجاح الباهر في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية والترفيهية لمئات الآلاف من المعتصمين لقرابة الشهرين، من السادس من أبريل وحتى الثالث من يونيو عام 2019.
وقد أذهلت وأغضبت تلك الإنجازات الإسلاميين الحاكمين في السودان، وحركة الإخوان المسلمين العالمية، ودول الجوار، فجاء ذلك الرد البربري الهمجي بفض الاعتصام بقوة الدبابات والبندقية. لكن ذلك التصرف البربري زاد الثورة والثوار عزيمةً فجاء الرد عليه في مواكب ثلاثين يونيو، وأربعينية المجزرة (13 يوليو عام 2019) الهادرة في كل أنحاء السودان، ليذهل دول الجوار، بل والعالم ككل. وبقدر ما أدهشت هذه التطورات والإنجازات دول العالم والمراقبين، فقد أذهلت الحركة الإسلامية الحاكمة التي كانت قد أقنعت نفسها أنها قد استطاعت "إعادة صياغة الإنسان السوداني." غير أن ثورة اديسمبر كانت قد حرّرت وأطلقت المضامين النبيلة والإمكانيات والمقدرات الضخمة لأولئك الشباب والتي حاول الإسلاميون إجهاضها طوال سنوات حكمهم الثلاثين، وسخرت عملياً من ذلك الشعار الشمولي الاستعلائي المتغطرس.
لم تسقط دولة الإسلاميين في السودان في شهر أبريل عام 2019 بواسطة الأحزاب التقليدية التي سخر بعض قادتها من الثورة عندما انطلقت في ديسمبر الماضي. ولم تسقط تلك الدولة تحت جيوش ودبابات الحركات المسلحة التي تقاتل في دارفور وجنوب كردفان وفي النيل الأزرق، رغم أنها ساعدت كثيراً في إضعاف وإسقاط دولة الإسلاميين. سقطت دولة الإسلاميين في السودان بالعمل المنظم والدؤوب والجاد الذي قاده في بسالةٍ نادرة شبابُ وشاباتُ السودان على مدى ثمانية أشهر، من ديسمبر 2018، وحتى أغسطس 2019.
دور الشباب: من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة
إذا كنا نريد إعادة بناء السودان على أسسٍ علمية جديدة، فلا بُدّ من رؤى وأفكار وبرامج جديدة تحل مكان البرامج التي أدت إلى حالة الفشل المحزنة للسودان التي أوصلنا لها قادة العمل العام بواسطة معظم نفس الوجوه التقليدية منذ ثورة أكتوبر عام 1964، إن لم نقل منذ استقلال السودان عام 1956.
من هنا تأتي ضرورة أن يواصل شباب الثورة المشوار ويقوموا بإدارة الدولة مثلما قاموا بإدارة الثورة بذلك النجاح الباهر على مدى ثمانية أشهر. ولن يتم ذلك بغير حصر العمل التنفيذي والتشريعي في الفترة الانتقالية على الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً ليواصلوا المشوار بنفس الروح والتنظيم والمسئولية والأمانة والجدية التي قادوا بها الثورة ودولة الاعتصام، وبرؤى وبرامج وأفكار وهمّةٍ جديدة.
صحيحٌ كما ذكرنا في مقدمة هذه الورقة فإن معظم هؤلاء الشباب قد تنقصهم الخبرة في العمل العام والمعرفة العميقة لكيفية إدارة الدولة بسبب سياسات عزل السودان عن العالم التي فرضها الإسلاميون خلال الثلاثين عاماً الماضية. غير أن هذه الفجوة في خبرتهم يمكن ملؤها بواسطة مستشارين ممن تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً، وأعطتهم الحياةُ فرصةَ الدراسة والعمل واقتناء الخبرة خارج السودان. وتوجد مجموعاتٌ كبيرة من السودانيين الوطنيين المؤهلين والذين يتوقون لخدمة بلادهم بالقيام بهذا الدور الاستشاري في مرحلة ما بعد الثورة.
عليه فإن هذا المقترح يفتح البابَ واسعاً لمشاركة الشباب في إدارة دفة البلاد لأول مرة في تاريخ السودان. كما يفتح الباب لجيلٍ جديد من الشباب أمامه سنواتٌ عدة لخدمة البلاد، بدلاً من إعادة تدوير نفس الوجوه والشخصيات التي شاخت في أعمارها وفي رؤاها وتفكيرها. وسوف تكون هذه الخطوة هي البداية لتدريب كوادر المستقبل لقيادة العمل العام في السودان.
كما أن المقترح يعبّد الطريق للوطنيين السودانيين الذين منحتهم الحياة فرص اقتناء الخبرة خارج السودان ليعودوا ويساهموا كمستشارين في تدريب هؤلاء الشباب وفي بناء سودان ما بعد الثورة.
وبمقتضى هذا المقترح، فيمكن أن يكون لكل وزيرٍ يودُّ ذلك مستشاراً أو مستشارين أثنين، لمساعدة الوزير الشاب بتقديم الرأي في قضايا وبرامج ومشاريع ومشاكل الوزارة. ويجب ترك القرار للوزير نفسه إن كان يود عون بعض المستشارين، وعددهم. وإذا قرر الوزير ذلك، أن يتم اعتماد هؤلاء المستشارين بواسطة لجنة مختصّة في اعمال ومسئوليات تلك الوزارة، وأن تراعي اللجنة عدم وجود أي تضاربٍ بين عمل المستشار في الوزارة وخارج الوزارة.
ولكي لا نفتح باب الصرف البذخي في بند المستشارين الجديد فإن المقترح مبنيٌ على موافقة هؤلاء المستشارين للعمل بدون مخصصات، أو بمخصصات رمزية، خصوصاً وأن معظمهم له عملٌ ودخلٌ آخر، عدا حالات استثنائية تختص بالوضع المالي للشخص الذي تم اختياره للعمل كمستشار، توافق عليها اللجنة المختصة. أنا شخصياً أعرف عدداً من الخبراء السودانيين مستعدين للعمل كمستشارين بلا مخصصات.

خاتمة
يرتكز مقترحُ قيادة شباب ثورة ديسمبر ممن لم تتجاوز أعمارهم الخمسبن عاماً، للعمل التنفيذي والتشريعي في المرحلة الانتقالية القادمة على عدة أسباب ومرتكزات. تتضمّن هذه الأسباب فشل القيادات التقليدية في إدارة دفة الوطن، وجرها البلاد لهذا الوضع الفاشل الحزين الذي ظل يكرر نفسه في الركوض في دائرة الحكم المدني ثم الحكم العسكري ثم الحكم المدني على مدى أكثر من ستين عاماً. ويرتكز هذا المقترح أيضاً على النجاح الرائع الذي حققه الشباب لوحدهم في اقتلاع نظام الإسلاميين المتسلّط ودولتهم العميقة، وإدارة دولة الاعتصام يتلك الروح الديمقراطية الاشتراكية التي أذهلت العالم، مما يؤهلهم لقيادة المرحلة الانتقالية القادمة. وأن تكون هذه الخطوة هي البداية لتدريب كوادر المستقبل لقيادة العمل العام في السودان.
ويمكن أن تتم مساعدة هؤلاء الشياب في دورهم التنفيذي والتشريعي بمستشارٍ واحد، أو مستشارين اثنين، ممن تجاوزوا الخمسين عاماً ولهم الخبرة في مجالٍ معين إن رغب الوزير المعني في ذلك، وبمقتضى قواعد تنظّم مسألة اختيار المستشارين أو اعتمادهم، وكذلك التكلفة المالية، وعدم وجود أي تضاربٍ قي عمل المستشار بالوزارة وخارج الوزارة.
لا نحتاج أن نذهب بعيداً للتعرّف على تجربة قيادة الشباب للعمل العام بنجاح، فجارتنا إثيوبيا التي قادت الوساطة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري هي خير مثالٍ لذلك. فرئيس وزرائها عمره أثنين وأربعين عاماً فقط، ومعظم وزرائه في الثلاثينيات والأربعينيات من عمرهم. ما الذي قاد ويقود إثيوبيا، ومن قبلها دولة رواندا، إلى هذا النجاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي منقطع النظير؟ إنه الرؤى والبرامج والتطبيق لقياداتٍ شابةٍ وطنيةٍ واعيةٍ وأمينة حلت مكان العقول الشائخة والأفكار الجامدة.
لقد أوردت وكالات الأنباء صورة رئيس وزراء إثيوبيا، الدكتور أبي أحمد، وهو يتحدّث مع الدكتور محمد ناجي الأصم، أحد قيادات تجمع المهنيين السودانيين، وذكرتْ أن رئيس وزراء إثيوبيا قال للدكتور الأصم "لو كنتَ إثيوبياً لعينتُك وزيراً للصحة." لماذا يمكن أن يصلح الدكتور الأصم وزيراً في إثيوبيا وليس في السودان؟
من الواضح أن الدكتور أبي أحمد الذي يقود أكثر الحكومات نجاحاً في العالم الثالث يعرف بالفطرة من يصلح أن يكون في قيادة العمل العام. فلماذا لا نصغي لوصيته مثلما قبلنا وساطته الرائعة النبيلة التي أخرجتنا من العنف والموت واحتمالات الحرب الأهلية؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.