1

رفعتْ ثورةُ ديسمبر المجيدة شعاراتٍ وتبنّت مبادئ ومواقف سامية (حرية، سلام وعدالة)، قدّم شباب وشابات السودان أرواحهم بجسارةٍ من أجل تحقيقها. بعد سبعة أشهرٍ من النضال تم التوقيع في صباح 17 يوليو 2019 على "الاتفاق السياسي لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير."
ولكن قبل أن يجفَّ مدادُ الاتفاق قامت بعض التنظيماتٍ برفض الاتفاق، أو التحفّظ عليه، بحجّة أن الاتفاق لم يقمْ بتلبية تلك الشعارات والمبادئ السامية التي طالب بها الثوار. غير أن قوى أخرى رأت أن الاتفاق هو كل ما كان ممكناً التوصّل إليه في ظل الظروف الداخلية المعقّدة التي أحاطت وتحيط بالثورة والسودان، وعلى ضوء التدخّلات والضغوط والوساطات الإقليمية والدولية.
سوف نثير في هذا المقال عدّة تساؤلاتٍ حول الاتفاق على أمل أن تساهم هذه التساؤلات في الجدل الدائر، وفي تصحيح ما يمكن تصحيحه في المرسوم الدستوري، أو بواسطة مجلس الوزراء القادم.


2
كانت مجزرة 3 يونيو عام 2019 وحشيةً بمعنى الكلمة، أدانتها كل منظمات حقوق الإنسان - الإقليمية والدولية - والعديدُ من الدول. وقد رفع عددٌ من القانونيين مذكرةً إلى محكمة الجنايات الدولية مطالبين المحكمة بممارسة اختصاصاتها بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم 1593 الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة. جادل هؤلاء القانونيون أن الوضع في دارفور وما حدث في الخرطوم في 3 يونيو مرتبطان ببعضهما البعض تمام الارتباط. ويتوقّع الكثيرون أن تصدر من مجلس حقوق الإنسان تقارير وقرارات بشأن تلك المجزرة أيضاً.
ماذا نصّ الاتفاق عن المجزرة؟ سمّت المادة 15 من الاتفاق تلك المجزرة "أحداث العنف في الثالث من يونيو 2019" وشكّلت لجنة تحقيق وطنية مستقلة شملت مرجعيتها "أحداث العنف" تلك بالإضافة إلى "غيرها من الأحداث والوقائع التي تمت فيها خروقات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين كانوا."
وهكذا تم دمج مجزرة الثالث من يونيو مع "الأحداث الأخرى" التي وقعت في السبعة أشهرٍ الماضية، شاملةً أحداث العنف التي تمّت فيها خروقات للمدنيين والعسكريين على قدم المساواة، وتم الاتفاق على لجنةٍ واحدة للتحقيق في كل أحداث العنف التي وقعت منذ قيام الثورة.
وعلينا ألّا نندهش إن جادل القانونيون الإسلاميون أن مرجعية اللجنة تشمل التحقيق في إرجاع القنابل المسيلة للدموع، والتي لم تنفجر، إلى الجنود بواسطة فتيات الثورة (ومحاسبة الفتيات الثائرات على ذلك الفعل!) وأن المرجعية تشمل كذلك القتلى من الجيش في حوادث تصادم سيارات الجيش، بعضها ببعض، أثناء مطاردتها للمتظاهرين، ومحاسبة المتظاهرين الذين تسببوا في تلك الحوادث.


3
كان يجب أن تكون لجنة التحقيق مختصةً فقط بمجزرة الثالث من يونيو، وأن تشمل أطرافاً دولية، وأن يكون واضحاً أنه لا حصانة لأحدٍ من إجراءات ونتائج التحقيق (بمعنى آخر: لا حصانة إجرائية ولا حصانة موضوعية).
وكان يجب أن يشمل الاتفاق لجنةً أو لجان غير هذه للتحقيق في حوادث القتل والاختفاء القسري والتعذيب الأخرى منذ اندلاع الثورة وحتى يوم التوقيع على الاتفاق.


4
لم يشتمل الاتفاق على أيِّ نصٍ يمنع الذين عملوا في مناصب دستورية في نظام الإنقاذ من التعيين في مناصب دستورية في هياكل ومؤسسات الحكم القادمة. بل إن المادة العاشرة من الاتفاق تعطي المكون العسكري بمجلس السيادة حق تعيين وزيري الدفاع والداخلية دون حق الاعتراض أو حتى التشاور مع قوى إعلان الحرية والتغيير أو مع رئيس الوزراء. وليس هناك في الاتفاق ما يمنع المكون العسكري بمجلس السيادة من تعيين وزيري الداخلية والدفاع ممن عملوا في مناصب دستورية في حكومة الإنقاذ، سواء كانوا عسكريين أم مدنيين.


5
بالإضافة إلى هذا، فسوف يجادل القانونيون الإسلاميون أن رئيس الوزراء القادم لن تكون له أية صلاحيات إشرافية على أداء وزيري الدفاع والداخلية. فهذان الوزيران معيينان بواسطة المكون العسكري لمجلس السيادة، وبالتالي فهما مسئولان لذلك المكون العسكري، وليس لرئيس مجلس الوزراء، أو لمجلس الوزراء ككل. بل أتوقع أن يجادل القانونيون الإسلاميون أن هذين الوزيرين مسئولان فقط للمكون العسكري لمجلس السيادة، وليس لمجلس السيادة أو حتى للمجلس التشريعي القادم. كيف إذن سوف يتعامل رئيس الوزراء القادم مع هذا الوضع الذي يجرّده من الإشراف على وزيرين في أهم الوزارات، وأكثرها حساسيةً؟


6
تتضمّن الفقرة الأخيرة من المادة العاشرة من الاتفاق على نصٍ به الكثير من الإبهام، ويقرأ: "ولرئيس مجلس الوزراء أن يرشح استثناءًا شخصية حزبية ذات كفاءة أكيدة لممارسة مهمة وزارية."
ترى هل يحمل هذا النص اتفاقاً مسبقاً على تعيين شخصية حزبية معينة في منصبٍ تم الاتفاق عليه؟ وهل سينطبق على هذه الشخصية ذات الكفاءات الأكيدة مبدأ المنع من الاشتراك في الانتخابات القادمة (كما سنناقش في الفقرة 6 أدناه)، أم سوف يتواصل الاستثناء لهذه الشخصية؟


7
كما ذكرنا أعلاه لم يقمْ الاتفاق بمنع الذين عملوا في مناصب دستورية في نظام الإنقاذ من تعيينهم في مناصب دستورية في هياكل ومؤسسات الحكم القادمة، بل حدث العكس تماماً. فقد نصّت المادة 12 من الاتفاق بمنع من سوف يشغل منصباً في مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو ولاة الولايات أثناء الفترة الانتقالية من الترشح في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية.
لماذ ياترى يقوم الاتفاق بحرمان من وافق على العمل في الفترة الانتقالية، بكل همومها ومشاكلها وتعقيداتها، من المشاركة في الانتخابات القادمة، بينما لا يمنع الاتفاق الذين عملوا في المناصب ذاتها في حكومة الإنقاذ من العمل في مؤسسات الفترة الانتقالية؟ في حقيقة الأمر فإن المنطق السياسي والوطني يتطلبان عكس هذا الوضع الغريب.


8
أعطى الاتفاق رئاسة مجلس السيادة لأحد العسكريين في المجلس لمدة واحد وعشرين شهراً ابتداءً من تاريخ التوقيع على الاتفاق، على أن تؤول الرئاسة لأحد المدنيين في فترة الثمانية عشر شهر المتبقّية للمجلس.
ويعني هذا أن العسكريين سوف يكونون في رئاسة المجلس منذ بداية الفترة الانتقالية، وسوف يستغلون تلك الرئاسة لتوجيه المجلس، بقدر المستطاع، في تطبيق رؤيتهم وبرنامجهم الذي بدأوا في تنفيذه منذ انقلاب 11 أبريل، عند وصول هذا المجلس العسكري للسلطة. لا بُدَّ من إضافة أن الاتفاق لا يمنع أعضاء المجلس العسكري الانتقالي الحالي من البقاء كأعضاء في مجلس السيادة القادم.
لقد كان من الضروري أن يتم تطبيق مطلب "المدنية" على رئاسة المجلس. وفي حالة صعوبة التوافق على ذلك، تكون الرئاسة شهرية (أو كل شهرين أو ثلاثة أشهر) أسوةً بمجلس السيادة المدني في خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي (كما أوضحنا في مقالنا بعنوان "تجربة مجلس السيادة في السودان ورئاسته التناوبية والدائمة: دروسٌ لثورة ديسمبر 2018"). وفي حالة عدم الاتفاق على ذلك أن تكون الرئاسة في الفترة الأولى للمدنيين لضمان تطبيق مبادئ ومطالب الثورة.
ثم لماذا يرأس المجلس العسكريون لمدة واحد وعشرين شهراً (بالإضافة إلى رئاستهم وعضويتهم للمجلس العسكري لأكثر من ثلاثة أشهر قبل ذلك، ليظلوا في الرئاسة لمدة أربعة وعشرين شهراً)، بينما يرأس المدنيون المجلس لمدة ثمانية عشر شهراً فقط؟ إنها في المحصلة النهائية عامين كاملين للعسكريين، مقابل عام ونصف لقوى إعلان الحرية والتغيير.


9
تشير المادة 13 من الاتفاق إلى حق احتفاظ كل طرفٍ من الاتفاق بموقفه فيما يتعلّق بالنسب في المجلس التشريعي الانتقالي، وعلى إرجاء المناقشات بشأن تشكيل المجلس التشريعي إلى ما بعد تكوين مجلسي السيادة والوزراء، على أن يتم ذلك في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين مجلس السيادة.
لقد تم الاتفاق قبل أسابيع على نسب 67% لقوى إعلان الحرية والتغيير، و33% للقوى الأخرى التي لم تشارك في نظام الإنقاذ. لماذا تمّ التنازل عن هذه النسب؟
يبدو أن المكون العسكري لمجلس السيادة يطالب الآن بالمناصفة في تكوين المجلس التشريعي، وأيضاً بمشاركة حزبي المؤتمر الوطني والشعبي، وأحزاب الفكة التي قام المؤتمر الوطني بإنشائها وتمويلها وإدارتها، في السلطة التشريعية القادمة. لا بُدَّ من التذكير مرة ثانية بغياب نصٍ في الاتفاق يمنع قيادات نظام الإنقاذ من المشاركة في هياكل ومؤسسات السلطة الانتقالية.


10
تنصُّ المادة 14 من الاتفاق على الآتي: "إلى أن يُشكّل المجلس التشريعي الانتقالي، تؤول سلطات المجلس التشريعي في ابتدار وسن مشروعات القوانين إلى مجلس الوزراء وتجاز من قبل مجلس السيادة." غير أن الاتفاق لا يوضح ماذا سوف يحدث للقوانين التي يسنّها مجلس الوزراء لكن يرفض مجلس السيادة إجازتها؟
كان الأجدر تحديد فترة زمنية (15 يوم مثلاً) لإجازة مجلس السيادة لأي قانون. ويصبح ذلك القانون نافذاً في كل الحالات بعد انتهاء تلك الفترة.


11
تنصُّ المادة 16 من الاتفاق على الآتي: "توضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام الشامل في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بالتشاور مع كافة الحركات المسلحة." لم تحدّد المادة من سيضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام بسبب بناء الفعل "تُوضع" للمجهول. وقد كان من الضروري أن يتضمّن الاتفاق نصّاً يوضح أن هذه من مهام مجلس الوزراء القادم العاجلة، على أن يتم التفاوض والاتفاق مع الحركات المسلحة، وليس فقط التشاور معها، خلال ستة أشهر من تاريخ الاتفاق.


12
يثيرُ رفضُ الاتفاق بواسطة بعض أطراف قوى إعلان الحرية والتغيير، وتحفّظات بعض الحركات المسلّحة عليه، سؤالاً هاماً عن كيفية اتخاذ القرارات داخل تنظيم قوى إعلان الحرية والتغيير. هل تمت مناقشة مسودة هذا الاتفاق بواسطة كل الأطراف وتمّ التصويت على المسودة قبل التوقيع على الاتفاق، أم لا؟ وإن تمّ هذا التصويت، فهل الموافقة على الاتفاق بواسطة الأغلبية ملزمةٌ لكل أطراف قوى إعلان الحرية والتغيير الأخرى، أم لا؟
إن رفض بعض الأطراف للاتفاق بعد التوقيع عليه يشير بوضوحٍ إلى فجوةٍ في إجراءات اتخاذ القرارات داخل قوى إعلان الحرية والتغيير.


13
هذه بعض التساؤلات عن الاتفاق والتي نأمل بإثارتها فتح باب النقاش حولها على أمل معالجة أيِّ نواقص من خلال المرسوم الدستوري، أو بواسطة مجلس الوزراء القادم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.