1

يثيرُ المجلسُ العسكري الحاكم والسياسيون والكُتّابُ الإسلاميون بصورةٍ مكرّرةٍ، وبها الكثير من الاستخفاف بعقول القراء والمستمعين، أن قوى الحرية والتغيير لا تمثّل كلَّ أطياف ومكونات الشعب السوداني، وعليه فلا يحقُّ لها أن تتحدّث باسم الشعب السوداني.
وقد حاول المجلس العسكري قبل فترةٍ جمعَ ما يُسمّى "بأحزاب الفكّة" لكي يبرهن أن هناك قوىً أخرى في الساحة السياسية السودانية. غير أن المسرحية كانت رديئة الإخراج، وارتدت على المجلس العسكري (وعلى الإسلاميين الذين كانوا يديرونها من وراء الكواليس، كما يديرون كل شيئ حتى الآن)، وحتى على أحزاب الفكة نفسها. فقد اشتبك أفرادها في عراكٍ سوقيٍّ بالكراسي مع بعضهم البعض، شاهده وسخر منه كل العالم.

2
سوف نردُّ في هذا المقال على الادعاء العبثي أن قوى الحرية والتغيير لا تُمثّل كلَّ مكونات الشعب السوداني، وأنها إقصاءٌ لقوى سياسيةٍ أخرى، وسنذكّر بالإقصاء الحقيقي الذي مارسه الإسلاميون بوحشيةٍ خلال الثلاثين عاماً الماضية.
وسوف نثير السؤال إن كان المجلس العسكري نفسه، بعد الفصل التعسفي لعشرات الآلاف من الضباط والجنود الوطنيين الذين ثاروا ضد الاستبداد والفساد خلال سنوات حكم الإسلاميين الثلاثين الماضية، يُمثِّل حقّاً الضباط والجنود السودانيين؟
وسوف نجادل أنه من الضروري التمثيل في مجلس السيادة القادم لهؤلاء الضباط والجنود الذين فصلهم الإسلاميون من الجيش وسجنوهم وعذبوهم، تقديراً لمواقفهم الوطنية الشجاعة الرائعة.

3
كانت توقّعات (أو لِنقُلْ أمنيات ودعوات) الإسلاميين التي واصل ترديدها إعلامهم الساذج أن الثورة التي انطلقت في 19 ديسمبر عام 2018 لن تستمر طويلاً لأن من خرج ضد نظام الإنقاذ الإسلامي أفرادٌ لا يمثلون الشعب السوداني. ونقلت وسائل التواصل الاجتماعي الخطب العنترية لقيادات الإسلاميين – السادة البشير وعلي عثمان ونافع وعبد الرحمن الخضر – تحذّر الثوار وتنذرهم بثورة الشعب الحقيقية القادمة، وكتائب الظل والمجاهدين.
غير أن ثورة ديسمبر الشعبية المجيدة واصلت مسيرتها في إصرارٍ وعزم رغم الرصاص والقتل والخطف والاغتصاب والسجون، بل وازدادت وتزداد قوةً وعزيمةً مع كلٍ يومٍ يمر، ومع كل وطنيٍ يقدم حياته فداءً للسودان.

4
ثم جاءت دولة الاعتصام والتي كانت دولةً عصريةً بمعنى الكلمة، أشاد بها العالم، ووصفتها عددٌ من الصحف الغربية بأنها أولُ دولةٍ ديمقراطيةٍ اشتراكيةٍ في العالم العربي والإسلامي. وكان من الصعب على الإسلاميين في السودان وخارجه، وعلى دول الجوار، قبول تلك الحقيقية الصادمة لهم، فكان ذلك التعامل البربري الهمجي مع شبابها وصانعيها وقادتها.
ثم جاءت مواكب 30 يونيو 2019 بملايينها، رغم الاعتقالات والتعتيم وإغلاق وسائل التواصل والاتصال، تهتف مطالبةً بالحرية والسلام والعدالة، ولتؤكّد للإسلاميين ليس فقط تمثيلها لكل أطياف الشعب السوداني، بل وتبنيها للمطالب والمبادئ الثلاثة التي نادت وتنادي بها الثورات منذ فجر التاريخ، وبسلميتها التي أدهشتْ كلَّ العالم.

5
غير أن الإسلاميين يواصلون محاولاتهم وادعاءاتهم، مستفيدين من جو حرية الكلمة الذي أعادته ثورة ديسمبر للصحافة والحياة السياسية والاجتماعية والأكاديمية في السودان. لم تكمّم الثورة أفواه الإسلاميين وتحرمهم من هذه الحرية، وتزجُّ بهم في غياهب السجون مثلما فعلوا هم بكل كاتبٍ حرٍ أمين. وكرّر هؤلاء الإسلاميون، في مكابرةٍ وصلف، ادعاءهم أن قوى الحرية والتغيير لا تمثّل الشعب السوداني، وواصلوا لعِبَ هذه الأسطوانة المشروخة، وهدّدوا ويهددون أنهم لن يسمحوا بالإقصاء.

6
يتحدّثُ عن الإقصاء، وبصوتٍ عالٍ، الذين سرقوا السلطة في ليلٍ حالك السواد ومزقوا الدستور والشرعية وأذاقوا الشعب السوداني الهوان على مدى ثلاثين عاماً انبنت بناءً تاماً على سياسة القمع والإقصاء لكل الآخرين.
يتحدّثُ عن الإقصاء الذين حلّوا كلَّ الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وجمعياته واتحاداته ونقاباته، وسرقوا ممتلكاتها لصالح حزبهم، وزجّوا بأعضائها في غياهب السجون.
يتحدّثُ عن الإقصاء الذين مارسوا الإقصاء في أبشع صوره - سفك دماء المدنيين والعسكريين الثائرين على الإقصاء والظلم والإذلال في الوسط وفي الجنوب والغرب والشرق والشمال.
يتحدّثُ عن الإقصاء الذين أضافوا للقاموس العربي مصطلح "بيوت الأشباح" التي مارسوا فيها القتل والتعذيب والاغتصاب.

7
يتحدّثُ عن الإقصاء الذين فصلوا من الخدمة المدنية والجامعات والخارجية والقضاء والجيش والشرطة أكثر من مائة ألف سوداني، وحرموهم من العيش الكريم في السودان، ومن خدمة وطنهم، وحرموا السودان من علمهم وخبرتهم ووطنيتهم، وشتّتوهم في كل أرجاء العالم بحثاً عن الحياة الكريمة وعن لقمة العيش.
يتحدّثُ عن الإقصاء، وبصوتٍ عالٍ، من أقصى جلَّ الشعب السوداني وجرّده من أبسطِ حقوقه – حق سحب واستخدام ماله الذي جناه من عرق جبينه، وليس من الفساد، ومن أموال النفط التي تعدت الستين مليار دولار، والتي لا أحد خارج دائرة الإسلاميين يعرف أين ذهب دولارٌ واحدٌ منها.

8
من الواضح أن المقصود بالحديث عن الإقصاء هو عدم محاسبة الإسلاميين على ما ارتكبوه من جرائم بحقِّ الشعب السوداني خلال الثلاثين عاماً الماضية، من أجل قبولهم والسماح لهم بالعمل السياسي بعد أن بنوا حزباً سرق ويملك جلَّ ثروة البلاد.
بل ويهدّد المجلس العسكري والإسلاميون بإجراء انتخاباتٍ عاجلة – كما يقول بعضهم – في ظرف تسعة أشهر حتى ننتقل للحكم المدني بأسرع فرصة عن طريق صندوق الاقتراع!!
يقولون هذا لأنهم يعرفون جيداً أنهم قد قاموا بتسجيل أسماء وهمية ملايين المرات. وقاموا بتسجيل كل شخصٍ من عضويتهم – رجالاً ونساءً وأطفالاً– في عشرات الدوائر في كل ولاية للمشاركة فيما أسموه "الانتخابات" عام 2010 ثم عام 2015، وظلّوا يتباهون أنهم فازوا في تلك الانتخابات.

9
ذكر المرحوم المناضل علي محمد حسنين في واحدةٍ من آخر مقابلاته أنه بعد محاكمات إلإسلاميين على جرائم الانقلاب والقتل والتعذيب والاغتصاب وسرقة المال العام، وبعد الزجَّ بهم في السجون، فلن يتبقّى إسلاميٌ واحد ليشارك في الانتخابات القادمة.

10
نعود ونختتم مقالنا بتكرار ادعاء المجلس العسكري والإسلاميين أن قوى الحرية والتغيير لا تمثّل كل مكونات الشعب السوداني، ونثير مجموعةً من الأسئلة حول إن كان المجلس العسكري نفسه يمثل حقّاً كل الضباط والجنود والسودانيين؟
أولاً: هل بعد ثلاثين عاماً من احتكار وظائف الضباط والجنود لأعضاء الحركة الإسلامية وحدهم، وإقصاء الآخرين إقصاءً تاماً من الالتحاق بالخدمة العسكرية، يمكن اعتبار الجيش السوداني جيشاً وطنياً يمثّل كل مكونات الشعب السوداني؟
ثانياً: هل بعد فصل أكثر من عشرين ألف ضابطٍ وجنديٍ وطنيٍ لوقوفهم ضد استبداد وفساد وظلم وإقصاء الإسلاميين يستطيع المجلس العسكري والإسلاميون الادعاء أن ما تبقّى من الجيش يمثّل الضباط والجنود السودانيين؟
ثالثاً: أليس حقَّاً وواجباً قومياً تمثيل الضباط والجنود الوطنيين الذين تم فصلهم تعسفياً بواسطة الإسلاميين حتى يكون مجلسُ السيادة القادم مُمثِلاً لكل مكونات الجيش السوداني؟
رابعاً: أليس هذا المطلب متناسقٌ مع مطالب المجلس العسكري، والإسلاميين أنفسهم، بأن تكون قوى الحرية والتغيير ممثلةً لكلِّ مكونات الشعب السوداني لا تقصي أحد؟

11
نعم – المجلس العسكري الانتقالي الحاكم لا يمثّل كلَّ الضباط والجنود السودانيين. ومن الضروري التمثيل في مجلس السيادة القادم للضباط والجنود الذين تمَّ فصلهم من الخدمة فصلاً تعسفياً بواسطة الإسلاميين، تقديراً لدورهم الوطني الرائع والشجاع، ولإرسال رسالةٍ واضحة ضد الإقصاء وضد الظلم.
أليست هذه نفس الرسالة التي يُطالب بها المجلس العسكري والإسلاميون قوى الحرية والتغيير؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org