1
يُصادف يوم 10 ديسمبر 2018 الذكرى السبعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ففي ذلك اليوم من عام 1948 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار 217، ذلك الإعلان خلال اجتماعها السنوي في باريس.
وكان العمل في صياغة الإعلان قد بدأ عام 1946، بعد أشهر قليلة من إنشاء الأمم المتحدة والتوقيع على ميثاقها في يونيو عام 1945. فقد تمّ تكوين مفوضية حقوق الإنسان في شهر فبراير عام 1946 بموجب القرار رقم 5 (1) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. وقع الاختيار على السيدة اليانور روزفلت – زوجة رئيس جمهورية الولايات المتحدة السيد فرانكلين روزفلت – رئيسةً للمفوضية، فأعطت، بقوة شخصيتها وثقافتها وإيمانها بحقوق الإنسان وحماسها، مصداقيةً ودفعاً قوياً للمفوضية.


2
كانت المهام التي أُنِيطتْ بالمفوضية هي صياغة وثيقةٍ تعكس وتتوسّع في حقوق الأنسان والحريات الأساسية التي شملها ميثاق الأمم المتحدة. بعد عامين من العمل المتواصل والحثيث أكملت المفوضية صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - الوثيقة التي أجازتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948.
كان عدد أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة وقتها 58 عضواَ. وقد صوّت 48 منهم لصالح الإعلان، وامتنع ثمانية أعضاء عن التصويت كان معظمهم من الدول الشيوعية (الاتحاد السوفيتي، بولندا، أوكرانيا، روسيا البيضاء، يوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا)، بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية ودولة جنوب أفريقيا. وتغيّبتْ عن الاجتماع دولتان هما اليمن وهندوراس. ولم تصوّت أية دولة ضد الإعلان.


3
لا بُدَّ من التوضيح بدايةً أن الوثيقة التي أجازتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948 كانت إعلاناً، وليست اتفاقيةً دوليةً تُوقِّع وتُصادِق عليها الدول وتأتي إلزاميتها على الدول الأعضاء من ذلك التوقيع والتصديق. لكن على الرغم من هذا الوضع للإعلان فقد تمَّ قبوله والإشادة به على كافة المستويات – الحكومية، والأكاديمية، والمؤسسات الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، وشعوب العالم. وقد تمّت ترجمةُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى أكثرِ من 500 لغة ولهجة، وأصبح بذلك أكثرَ وثيقةٍ في العالم تتمُّ ترجمتها إلى ذلك العدد من اللغات واللهجات.


4
كما لا بُدَّ من إضافة أن هناك اتفاقاً بين الأكاديمين على مستوى العالم أن الوثيقة، رغم أنها أعلان وليست اتفاقية دولية، إلا أن هذا الإعلان ملزمٌ لكل دول العالم، ويُمثّل المعيارَ المشترك، والحدَّ الأدنى الذي يجب أن تستهدفه وتلتزم به هذه الدول.
وتأتي إلزامية الإعلان – حسب كتابات الأكاديميين – من أن الإعلان يعكس الحقوق الطبيعية للبشر أينما كانوا ووقتما وُجِدوا، وأن هذه الحقوق ليست منحةً من الحكومات. كما أن هذه الحقوق الطبيعية تطغى على كل الدساتير والقوانين الوضعية - أي التي تضعها وتجيزها الحكومات.
كما يجادل الأكاديميون أن مبادئ حقوق الإنسان والحريات التي شملها الإعلات العالمي لحقوق الإنسان هي مبادئ نبعت من القانون الدولي العرفي، وأن كلَّ ما فعلته مفوضية حقوق الإنسان هو صياغة هذه المبادئ وتضمينها في وثيقةٍ واحدة هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


5
وقد أكّدتْ المحاكم الدولية والوطنية إلزامية المبادئ التي تضمّنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولم يحدثْ منذ إجازة الإعلان خلال السبعين عام الماضية انتقادُ أيٍّ من المبادئ التي شملها الإعلان. بل إن كل تلك المحاكم الدولية والوطنية – دون استثناء – أكّدتْ وأشادتْ بتلك المبادئ. من الجانب الآخر، لم تجد حكومات ومحاكمُ الدول التي تجاهلتْ مبادئ الإعلان الشجاعةَ أو المقدرة على رفض الإعلان أو التعرّض له بالنقد.
وقد ساهم هذا الوضع في ترسيخ وتأكيد مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كوثيقةٍ ملزمةٍ لكل دول العالم على الرغم من أنها إعلان وليست اتفاقيةً دولية.


6
يتكّون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من ديباجة وثلاثين مادة. تُلقي الديباجةُ الضوءَ على خارطة طريق الإعلان، وتتضمّن ثلاثةَ قواعد أساسية هي:
أولاً: الاعتراف بالكرامة المتأصِّلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، وأن هذا الاعتراف هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم،
ثانياً: إن تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالمٍ يتمتّع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرّر من الفزع والفاقة،
ثالثاً: ضرورة أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرّد على الاستبداد والظلم.


7
وتفتتح المادة الأولى من الإعلان بالتأكيد بأن جميع الناس يُولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وتؤكّد المادة الثانية حقَّ كلِّ إنسان في التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في الإعلان، دونما تمييزٍ من أيِّ نوع.
ثم يبدأ الإعلان في رصدِ هذه الحقوق في المواد 3 - 6، ابتداءً بالحقِّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان، ومنع الاسترقاق والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة، أو اعتقال أيِّ إنسانٍ أو حجزه أو نفيه تعسفاً.


8
كما تشمل الحقوق، بموجب المواد 7 – 11، المساواة أمام القانون وحقَّ اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصَّة للإنصاف الفعلي لكلِّ إنسانٍ من أيَّةِ أعمال تَنتهك الحقوق الأساسيةَ التي يمنحها إيَّاه الدستور أو القانون. ويؤكّد الإعلان أن لكلِّ إنسان الحقَّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا مُنصِفًا وعلنيًّا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أيَّة تهمة جزائية تُوجَّه إليه.
ويؤكّد الإعلان مبدأ أن كلَّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمةٍ علنيةٍ تكون قد وُفِّرتْ له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه. ولا يُدان أيُّ شخص بجريمة بسبب أيِّ عملٍ أو امتناعٍ عن عملٍ لم يكن في حينه يشكِّل جُرمًا بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا تُوقّع عليه أيَّةُ عقوبة أشدَّ من تلك التي كانت ساريةً في الوقت الذي ارتُكب فيه الفعل الجُرمي.


9
ويواصل الإعلانُ رصدَ حقوقِ الإنسان فيؤكّد في المادة 12 أنه لا يجوز تعريضُ أحدٍ لتدخُّلٍ تعسُّفيٍ في حياته الخاصة أو في شئون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملاتٍ تمسُّ شرفه وسمعته. وتؤكّد المواد 13 – 15 أن لكلِّ فردٍ الحقَّ في حرِّية التنقُّل وفي اختيار محلِّ إقامته داخل حدود الدولة، والحق في مغادرة أيِّ بلدٍ، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.
كما تؤكّد المادة 16 من الإعلانُ حقَّ الرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيدٍ بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين، وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله، وأن لا يُعقد الزواجُ إلاَّ برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملاً لا إكراهَ فيه.


10
وتتناول المادة 17 من الإعلان حقَّ كلِّ شخصٍ في التملّك، سواءٌ بمفرده أو بالاشتراك مع غيره. وتمنع هذه المادة تجريد أيِّ شخصٍ من ملكه تعسّفاً. وقد فسّرت المحاكم الدولية والوطنية هذه المادة بأنها تعطي الحكومات سلطة انتزاع الأراضي من الأفراد أو المجموعات، ولكن بثلاثة شروط. الشرط الأول أن يكون النزع للصالح العام، والثاني أن يتمَّ التعويض العادل والفوري، والثالث أن يكون هناك حق الاستئناف لسلطةٍ قضائيةٍ مستقلة.


11
وترصد المواد 18 إلى 21 حقَّ كل إنسان في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
وترصد المواد أيضاً حقَّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبارٍ للحدود، وكذلك حقَّ كلِّ شخص في حرِّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، وعدم جواز إرغام أحدٍ على الانتماء إلى جمعيةٍ ما.
ويؤكّد الإعلان حقَّ كلِّ شخص في المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلده، إمَّا مباشرةً وإمَّا بواسطة ممثِّلين يُختارون في حرِّية، وكذلك حقُّ تقلُّد الوظائف العامَّة في بلده، بالتساوي مع الآخرين. كذلك يؤكد الإعلان أن إرادة الشعب هي مناطُ سلطة الحكم، ويجب أن تتجلىَّ هذه الإرادة من خلال انتخاباتٍ نزيهة تُجرى دوريًّا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السرِّي أو بإجراءٍ مكافئ من حيث ضمان حرِّية التصويت.
وتشير المادة 22 إلى حقَّ كل شخص في الضمان الاجتماعي بوصفه عضوًا في المجتمع، ومن حقِّه أن تُوفَّر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتَّفق مع هيكل كلِّ دولة ومواردها، الحقوقَ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرِّيةٍ.


12
وتتناول المواد 23 إلى 25 حقَّ العمل وبشروط عادلة ومرضية، وفي الحماية من البطالة، والحق في الأجر المتساوي على العمل المتساوي، وكذلك حقَّ إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها. وتتناول هذه المواد الحقَّ في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصًا في تحديدٍ معقول لساعات العمل، وفي إجازاتٍ دوريةٍ مأجورة، وحقَّ كل شخصٍ في مستوى معيشةٍ يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية.
وتؤكّد المواد كذلك الحقَّ في ما يأمن به الإنسات الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته، والتي تفقده أسباب عيشه. وتؤكد هذه المواد أن للأمومة والطفولة حقّاً في رعايةٍ ومساعدةٍ خاصَّتين.


13
تتناول المادة 26 حقَّ كلِّ شخص في التعليم. وتُلزم توفير التعليم مجَّانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميًّا. ويكون التعليمُ الفنِّي والمهني متاحًا للعموم. ويكون التعليم العالي مُتاحًا للجميع تبعًا للكفاءة.
وتوضّح المادة أنه يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزِّز التفاهمَ والتسامحَ والصداقةَ بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِّد الأنشطةَ التي تضطلع بها الأممُ المتحدة لحفظ السلام.
وتشير المادة 27 من الإعلان إلى حقِّ كلِّ شخصٍ في المشاركة الحرَّة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدّم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه، وكذلك حق حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاجٍ علميٍ أو أدبيٍ أو فنِّيٍ من صنعه.
كما تشير المادة 28 إلى حقِّ كلِّ فرد في التمتُّع بنظامٍ اجتماعيٍ ودوليٍ يمكن أن تتحقَّق في ظلِّه الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان تحقُّقًا تاماً.


14
ورغم أن الإعلان يدور حول حقوق الإنسان، إلا أن المادة 29 منه توضح أن هذه الحقوق تأتي ومعها واجبات. وتؤكّد هذه المادة أن على كلِّ فردٍ واجباتٍ إزاء الجماعة، التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل. وهذا التقييد للحقوق الأساسية بهذه الواجبات تمليه ضرورة أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.
وتواصل المادة 29 تأكيد وتقييد هذه الواجبات فتشير إلى أنه لا يُخضع أيُّ فردٍ، في ممارسة حقوقه وحرِّياته، إلّا للقيود التي يقرِّرها القانونُ مستهدفًا منها، حصرًا، ضمانَ الاعتراف الواجب بحقوق وحرِّيات الآخرين واحترامها، والوفاءَ بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمعٍ ديمقراطي.
وتختتم المادة 30 من الإعلان بتأكيد أنه ليس في هذا الإعلان أيُّ نصٍّ يجوز تأويله على نحوٍ يفيد انطواءه على تخويل أيَّة دولةٍ أو جماعةٍ، أو أيِّ فرد، أيَّ حقٍّ في القيام بأيِّ نشاطٍ أو بأيِّ فعلٍ يهدف إلى هدم أيٍّ من الحقوق والحرِّيات المنصوص عليها في الإعلان.


15
مما لا نزاع حوله ولا شكَّ فيه أن قضايا حقوق الإنسان وحريته كانت وما تزال وستظل هي القضايا المحورية لكلِّ المجتمعات الإنسانية، وعلى مدى كل العصور. وتأخذ هذه الحقوق بعداً خاصاً في عالمنا العربي والإسلامي حيث تسود غطرسة واستبداد المعتقدات والنظريات والفلسقات السياسية التي حبستْ شعوبَ هذا العالم في نفقِ الاستبداد والذلِّ والفقرِ والفسادِ والفشلِ.
لقد استطاع النفرُ المتنوّعُ المميّزُ الذي صاغ الإعلانَ العالمي لحقوق الإنسات أن يُضمِّنَ في وثيقةٍ واحدةٍ، وبوضوحٍ متكامل، الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية التي ظلّتْ شعوبَ العالم تتطلّع إليها، وتحلم بها، وتناضل من أجلها.
وقد أصبح الإعلان،ُ منذ يومِ صدورِه، الأمَّ التي خرجتْ من رحمِها كلُّ الاتفاقيات الدولية اللاحقة المتعلّقة بحقوق الإنسان، ابتداءً بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
من هذه المناحي المتعدّدة والهامة تأتي أهميةُ الإعلانِ العالمي لحقوق الإنسان الذي ظلّ على مدى السبعين عام الماضية، وسيظلُّ لعقود طويلة قادمة، المشعلَ الذي يضيئ للشعوب المضطهدة الطريقَ نحو الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحكمِ القانون.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.