1

نشر الأستاذ خالد موسى دفع الله مقالاً مُطوّلاً في 16 مايو عام 2017 (أي قبل أكثر من عام) على عددٍ من الصحف الالكترونية والورقيّة بعنوان "الإسلاميون وانفصال جنوب السودان." وقد ابتدر الأستاذ خالد مقاله بالقول:
"يترقب الوسط السياسي قريبا صدور كتاب جامع مانع عن اتفاقية السلام الشامل من افواه صانعيها بعد ان اكتملت فصوله وتحقيقه وتدقيق اللمسات الاخيرة ليضيف للمكتبة السودانية سفرا نوعيا يسد فراغا هاما في التوثيق والادب السياسي المعاصر. والكتاب رغم أهميته من حيث رصده الدقيق لفصول وتفاصيل المفاوضات والمواقف والخيارات التي وافقت عليها حكومة السودان الا انه تأخر كثيرا عن وقته لإستعصام صناع تاريخ اتفاقية السلام الشامل بالصمت النبيل وغير النبيل، وقد راجت من جراء هذا الفراغ روايات وكتب اصدرتها أطراف ثالثة لم تكن جزءً من التفاوض المباشر بين الطرفين."
انتهى الاقتباس من مقال الأستاذ خالد موسى. ويمكن الرجوع للمقال بكامله على الربط:
http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=490&msg=1494917500&rn=1


2
وقد ظللنا في انتظار الكتاب الموعود منذ منتصف شهر مايو عام 2017 وحتى اليوم، أي لأكثر من عام، بفارغ الصبر للتعليق على ما سيشمله والردّ عليه، خصوصاً في مسألتين في غاية من الخطورة والأهميّة، وهما:
أولاً: ذكر الأستاذ خالد قي مقاله "من المتوقع ان يحدث هذا الكتاب ضجة في الأوساط السياسية والإعلامية لكشفه للمواقف والأسرار لأول مرة. اذ انه استنطق صناع الحدث الرئيسيين مثل النائب الاول السابق لرئيس الجمهورية الاستاذ علي عثمان محمد طه وأكثر من خمسين شخصية اخري من المشاركين وشهود المفاوضات."
وقد رفع الأستاذ خالد في مقاله ذاك قبل أكثر من عام سقف التوقّعات عن الكتاب الموعود ومضمونه، ووضع لنا الكتاب في موضع الكلمة الأخيرة والفاصلة عن اتفاقية نيفاشا وانفصال جنوب السودان. ثم أوضح لنا الأستاذ خالد الأشخاص الذين يقومون بكتابة الكتاب حين ذكر: "ويشرف علي مشروع الكتاب نخبة من أميز الأكاديميين و الباحثين وتم تحريره بأسلوب أكاديمي رصين ومحايد مكتفيا بإيراد الحقائق وفق السياق الموضوعي للأحداث دون تدخل او تزيد بالتحليل او اقحام وجهات نظر دعائية او شخصية." غير أن الأستاذ خالد لم يوضّح للقارئ من الناشر ومن المموّل والمشرف على هذا الكتاب الخطير.
سنوضّح في ردِّنا على مقولة الأستاذ خالد هذه أنه من المُتّفقِ عليه بين الباحثين عالمياً أن أسوأ كتب التاريخ هي تلك التي يقوم بكتابتها، أو تحديد مضمونها، أو توجيهها من حيث التمويل والإشراف، من صنعوا أو ساهموا في صنع الأحداث التي هي موضوع الكتاب، وأن مثل هذه الكتابات لا يُعتدّ بها ولا يُعتمد عليها. ومن المُتّفقِ عليه أيضاً أن فائدة هذه الكتابات لا تزيد عن أنها تعطي الباحث الجاد طرف الخيط لبحث ما ورد في ذلك المقال أو الكتاب من مصادر أصليّة موثوقٍ من صحتها ومصداقيتها وحياديتها.


3
ثانياً: ذكر الأستاذ خالد أن الكتاب سوف يوضّح أن أعلان فرانكفورت الذي وقّعه الدكتور علي الحاج مُمثلاً لحكومة الإنقاذ مع الدكتور لام أكول الذي قاد الفصيل المنشق عن الحركة الشعبية لم يمنح شعب الجنوب حق تقرير المصير. وذهب أبعد من هذا عندما قرر أن معنى كلمة Plebiscite التي وردت في إعلان فرانكفورت هو "استخدام حق التصويت دون اي الزام قانوني بنتائجه" أو "المشاورت غير الملزمة." و لا ندري من أين أتى الأستاذ خالد بهذا التفسير الخاطئ للكلمة، فهي كلمة إنجليزية ومعناها موجودٌ في كل القواميس، ولا مكان للاجتهاد إطلاقاً هنا.
وسوف نوضّح في المقالات القادمة أن الكلمة، حسب كل القواميس الإنجليزية والعربية، تعني الاستفتاء، لا أكثر ولا أقل. وهي كلمة مرادفة لكلمة referendum التي تعني أيضاً استفتاء.
وسنوضّح أيضاً ونؤكّد ما فصّلنا في كتابنا "انفصال جنوب السودان" أن إعلان فرانكفورت لعام 1992 هو أولُ وثيقةٍ توقّعها حكومةٌ في الخرطوم مع إحدى الحركات المسلّحة في جنوب السودان تعترف فيها حكومة الخرطوم بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وليستْ مقررات أسمرا التي أصدرها التجمع الوطني الديمقراطي عام 1995، كما ادعى الأستاذ خالد خطأً في مقاله ليبرئ الإنقاذ من من حق تقرير المصير .


4
رغم أن انفصال جنوب السودان عام 2011 هو أكبرُ زلزالٍ يهزُّ البلاد منذ توحيدها تحت الحكم التركي المصري عام 1820، إلا أنه لم يصدر حتى الآن (وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على الانفصال) كتابٌ من داخل السودان عن هذا الأمر الجلل.
وقد صدرت حتى الآن ستّة كتبٍ عن موضوع الانفصال، كتبتْ الأستاذة هيلدا جونسون كتابين منها، وكتب الجنرال الكيني لازارو سومبييو (يُكتب إسمه أحيانا لازارس سيمبيو) واحداً منها. وكتب الباحث الكندي جون يونق كتاباً يمكن ترجمة عنوانه "مصير السودان: أصول وتداعيات السلام الخاطئ."
وقد صدر كتابٌ آخر من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة بعنوان "انفصال جنوب السودان – المخاطر والفرص" كتبَ فصولَه المختلفة ثلاثةُ عشر كاتباً من عددٍ من الدول العربية بما فيها السودان، ولكن بلا تفصيلٍ لاتفاقية نيفاشا، وبلا تسلسلٍ زمني.
والكتاب السادس هو كتابنا بعنوان "انفصال جنوب السودان – دور ومسئولية القوى السياسية الشمالية." وقد صدر الكتاب عن مركز أبحاث السودان في فيرفاكس في ولاية فرجينيا الأمريكية عام 2015.
كما نُشِرَ مقالٌ مطّول لي باللغة الإنجليزية في دورية كلية القانون بجامعة الباسفيك بولاية كليفورنيا عام 2013 بعنوان "طريق جنوب السودان إلى الاستقلال – الوعود المنقوضة والفرص الضائعة." ويمكن مراجعة هذا المقال على الربط التالي:
http://www.salmanmasalman.org/wp-content/uploads/2013/06/GlobeSouthSudanRoadToIndependencePublished.pdf.
عليه يبدو غريباً أنه رغم مرور أكثر من سبع سنواتٍ على انفصال الجنوب، وثلاثة عشر عاماً على اتفاقية نيفاشا، فلم يصدر حتى الآن كتابٌ عن أيٍ من الحدثين الخطيرين من أيّة جامعة أو من أيٍّ من مراكز البحوث في السودان، على كثرتها، وكثرة المفكرين الأكاديميين، والخبراء الدوليين والإقليميين والوطنيين والاستراتيجيين في سودان الإنقاذ.


5
غير إن الأستاذ خالد موسى هاجم هذه الكتب التي صدرت عن اتفاقية نيفاشا، وذهب أكثر من هذا حين وصفها ساخراً بقوله: "وقد كرست هذه الكتب لإعادة ترسيم صورة البطولة والانتصار لضحايا الوهم والحرب والانحيازات التاريخية لمزاعم اضطهاد الجنوب المسيحي الأفريقي من قبل الشمال العربي المسلم." (لاحظ كلمتي "ضحايا الوهم"!).
ثم واصل بعد سخريته تلك وعودَه البراقة بقوله: "لكن بصدور الكتاب المنتظر عن اتفاقية السلام الشامل خلال الأسابيع القليلة القادمة وهو يشتمل علي شهادات اللاعبين الاساسيين وعلي رأسهم الاستاذ علي عثمان محمد طه سيضع النقاط فوق الحروف ويفتح بابا جديدا للجدل السياسي المبني علي المعرفة والعقل والحجاج العقلي لا التخرصات والاوهام وسوء الظنون والاغتيال المعنوي."
هل من المنطق والنزاهة الأكاديمية والعدالة وصف كتابي الأستاذه هيلدا جونسون وكتاب الجنرال سومبييو بانها مبنيّةٌ على التخرصات والأوهام وسوء الظنون والاغتيال المعنوي؟ بالطبع لا يمكن ذلك. فالأستاذة هيلدا جونسون والجنرال سومبييو كانا الوسيطين والشاهدين الرئيسيين لكل ما دار في مفاوضات نيفاشا، ومن هذا الموقع فهما يدريان ما دار في تلك الجولات أكثر بكثير مما يدريه أيُّ عضوٍ من طرفي التفاوض بمن فيهم السيد علي عثمان محمد طه والدكتور غازي العتباني مجتمعين. وقد أشاد كل العالم بدورهما وبكتبهما، ونالا الكثير من التهاني على المستويين الإقليمي والدولي. لهذه الأسباب فلا يمكن بأي حالٍ من الأحوال وصف معلوماتهما وتحليلاتهما بأنها مبنيةٌ على "التخرصات والأوهام وسوء الظنون."
عليه يبقى كتابٌ واحد صدر عن انفصال جنوب السودان واتفاقية نيفاشا، ويبدو أنه الكتاب المقصود بهذه الصفات!


6
لم نقمْ بالردِّ على مقال الأستاذ خالد موسى ونوضّح الأخطاء الجسيمة في ذلك المقال في حينه، وقرّرنا وقتها (في شهر مايو عام 2017) أن يكون ردّنا على الكتاب نفسه حال صدوره، وليس على مقال الترويج للكتاب. لكن الكتاب الموعود لم يصدر حتى هذه اللحظة رغم مرور أكثر من عامٍ على مقال الترويج له والوعد بصدوره خلال أسابيع.
وقد كان توقّعنا أن يكتب الأستاذ خالد موسى ويوضّح لمن قرأوا مقاله لماذا لم يصدر بعد أكثر من عامٍ من مقاله الكتاب الذي وعدنا بصدوره، حسب قوله "خلال الأسابيع القليلة القادمة." لكن ذلك لم يحدث. ويبدو أن الأستاذ خالد قد اقنع نفسه أن وعده قد تسرّب داخل بحر النسيان السوداني الواسع لمن قرأوا مقاله، ولذا فلن يحتاج أن يعود للحديث عن مقاله وعن الكتاب الموعود.


7
عليه وبسبب مرور أكثر من عامٍ على مقال الأستاذ خالد، وعدم صدور الكتاب حتى الآن، فقد قرّرنا الردَّ على مقال الأستاذ خالد موسى في هذه السلسلة من المقالات. وسوف يتناول ردُّنا المسألتين اللتين أشرنا إليهما أعلاه، وهما:
أولاً: لماذا لا يعتد ويعتمد المؤرخون على كتابات وإفادات الأشخاص الذين ساهموا في صنع الأحداث موضوع الكتاب والمقال؟
ثانياً: وهذا هو الأهم، سوف نناقش بالتفصيل إعلان فرانكفورت ونوضّح أنه في حقيقة الأمر أول وثيقةٍ توقّعها حكومةٌ في الخرطوم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وسنوضح أيضاً الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الأستاذ خالد عندما حاول أن يعطي في مقاله كلمة Plebiscite معنىً غير معناها في اللغة الإنجليزية حتى يستطيع أن يجادل خطاً وبجسارة "ومن خلال الوقائع التاريخية فإن مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية ١٩٩٦ يعد اول اعلان يعترف بحق تقرير المصير لجنوب السودان." (انعقد مؤتمر أسمرا في عام 1995 وليس عام 1996).


8
غير أنه لا بُدَّ، قبل مناقشة هاتين المسألتين، من البدء بالسؤال الآتي، والذي هو عنوان مقالاتنا، ومحاولة الإجابة عليه: لماذا تأخّر صدورُ كتابِ الإسلاميين عن اتفاقية نيفاشا رغم وعد الأستاذ خالد موسى قبل أكثر من عام أن الكتاب سيصدر خلال أسابيع؟
يبدو أن توحيد الحركة الأسلامية تحت مظلّة الحوار الوطني، ثم عودة الخلافات مرّةً ثانية بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، هي من أسباب تأخّر صدور الكتاب حتى هذه اللحظة.
فبعد انفصال جنوب السودان عام 2011 أقبل الإسلاميون يلومون بعضهم بعضاً على ما حدث. بعض قيادات الحركة الإسلامية تحمّل السيد علي عثمان محمد طه (الذي فاوض ووقّع على اتفاقية نيفاشا عام 2005) مسئولية الانفصال. لكن السيد علي عثمان يلوم الدكتور غازي العتباني الذي وقّع على بروتوكول مشاكوس عام 2002 واعترف فيه بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. من الجانب الآخر يقوم الدكتور غازي العتباني بإلقاء اللوم على الدكتور علي الحاج وإعلان فرانكفورت الذي صدر عام 1992 وأعطى شعب جنوب السودان حق تقرير المصير.
ويبدو أن وحدة الحركة الإسلامية بعد الحوار الوطني قد فرضتْ على قادتها وقف الاتهامات والاقتتال فيما بينهم في هذه المسألة. وللخروج من هذا الحرج والمأزق التاريخي فقد قرر الطرفان، العمل معاً على إلقاء المسئولية (كما ذكر الأستاذ خالد) على التجمع الوطني الديمقراطي ومقررات أسمرا التي صدرت في يونيو عام 1995، وتضمّنت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. من هنا جاءت الفكرة بإصدار صك البراءة لإعلان فرانكفورت لعام 1992، من خلال هذا الكتاب الموعود، وإلقاء المسئولية بدلاً عن ذلك على التجمع الوطني الديمقراطي ومقررات أسمرا.
لكن يبدو أن عودة الخلافات مرّة ثانية مؤخراً بين إسلاميي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي قد فرضتْ تأخير صدور الكتاب حتى تتضح الصورة. فلا أحد من المؤتمرين يريد أن يعطي الطرف الآخر صك البراءة، ثم يأتي بعد أشهر ويحاول سحب وإلغاء ذلك الصك.


9
يبدو غريباً أن يحاول الإسلاميون إلقاء المسئولية في مسألة حق تقرير المصير على التجمع الوطني الديمقراطي بالادعاء أن التجمع قد سبق الإنقاذ في منح الجنوب حق تقرير المصير، وأن كل ما فعله الإسلاميون في بروتوكول مشاكوس عام 2002 هو اتباع الخط والسابقة التي خطّها التجمع في مقررات أسمرا عام 1995.
إن هذا المنطق المعوج المبني على اتباع الخط والسابقة التي خطها التجمع يمثّل هزيمةً سياسيةً وأخلاقيةً أخرى كبيرة للإسلاميين. ألم يقُلْ الإسلاميون إنهم قاموا بانقلابهم لحماية السودان وأمنه وحدوده من عبث الأحزاب السياسية، وهزيمة التمرد في جنوب السودان؟ ألم يتضمن البيان الأول لانقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989 هذه الفقرة: "اليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدّوا قسم الجندية الشرفيّة أن لا يفرّطوا في شبرٍ من أرض الوطن، وأن يصونوا عزّته وكرامته، وأن يحافظوا على البلاد وسكانها واستقلالها المجيد."
أين ذهبت مواكب أمان السودان؟ وأين تبخّرت و عود عرس الشهيد وساحات الفداء وشعارات "فلتسِلْ منهم دماء، ولتسِلْ كلُّ الدماء؟"
بل أين ذهبت برامج الإسلاميين ومواقفهم حول قضية الجنوب وتبنيهم الحل العسكري المتكامل، منذ بروزهم في الساحة السياسية عام 1964، ورفضهم في مؤتمر المائدة المستديرة لمطلب الفيدرالية، ثم عملهم المتكامل لإجهاض اتفاقية أديس ابابا، ثم حربهم الشعواء على إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني-قرنق، وإعلان الجهاد على شعب جنوب السودان؟
كيف يمكن للإسلاميين بعد كل هذا التاريخ والحروب والاقتتال والموت والدمار الذي تسبّبوا فيه، ثم قادوه، أن يحاولوا التنصّل والتحلّل من مسئولية حق تقرير المصير التي قادت للانفصال بالقول إنهم لم يفعلوا أكثر مما فعله التجمع الذي انقلبوا عليه ونعتوه بأقبح الألفاظ؟
إن هذا المنطق يمثل كما ذكرنا أعلاه هزيمة سياسية وأخلاقية كبيرة للحركة الإسلامية، ولن يقبله أيُّ قارئٍ أو متابعٍ لقضية جنوب السودان.
لا بدّ من توضيح أننا لا ندافع هنا عن التجمع الوطني الديمقراطي. لقد انتقدنا أداءه نقداً قاسياً في كتابنا "انفصال جنوب السودان." وذهبنا إلى أكثر من هذا عندما أعطينا الفصل الثامن من كتابنا العنوان: "أسمرا – المعارضة الشمالية وتقرير المصير مقابل إسقاط نظام الإنقاذ."


10
ننتقل بعد هذا للسؤال الثاني: لماذا لا يعتد ويعتمد المؤرخون على كتابات الأشخاص الذين ساهموا في صنع الأحداث موضوع الكتاب والمقال؟
من التوجيهات المبدئية والأولية التي يتلقّاها طلّاب دراسة علم التاريخ هي توخّي الحذر والحيطة في كتابات وإفادات الأشخاص الذين هم طرفٌ في صنع الأحداث موضوع المقال أو الكِتاب. فهؤلاء الكُتّاب والأشخاص يرتكبون واحداً أو أكثر من ثلاثة أخطاء هي: أولاً تضخيم دورهم الإيجابي (إن وُجِد)، وثانياً عدم ذكر أيٍ من الأخطاء التي وقعوا فيها، أو التعرّض لها بصورةٍ غير متكاملة، وثالثاً تقديم التبريرات غير السليمة أو الصحيحة للأخطاء، إذا تمّ التعرّض لتلك الأخطاء، في كتاباتهم أو إفاداتهم.
لهذه الأسباب فإن الباحثين الأكاديميين لا يعتدّون ولا يعتمدون على كتابات وإفادات هؤلاء الأشخاص. بل إن كتابات وإفادات هؤلاء الأشخاص يتم تصنيفها على أنها مذكرات وليست كتابةً للتاريخ.
وقد تناول المؤرخ الدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك هذه المسالة وكتب عنها: "ومن زاوية أخرى نلحظ أن الخيط الفاصل بين المذكرات والتدوين المهني للتاريخ خيطٌ رفيعٌ، علماً بأن المذكرات توثِّق لجزءٍ من أحداث الماضي حسب انتقائية الراوي؛ لكن المؤرّخ المهني يحتاج أن يقارن روايات الأحداث التاريخية بنظائرها من الروايات الأخرى؛ ليتحقق من صحة ثبوتها، ثم يعيد تركيبها، ويحللها في إطار الظروف الموضوعية المحيطة وفق منهجٍ بحثي ملتزمٍ بالمهنية الأكاديمية.”
ومن الواضح ان الكلمات الثلاثة "حسب انتقائية الراوي" في مقال الدكتور أبو شوك هي السبب الرئيسي الذي يجعل الباحثين لا يعتدّون بكتابات الأشخاص الذين كانوا طرفاً في صناعة التاريخ. فالانتقاء هو أسلوب كاتب المذكرات وليس أسلوب الباحث الأكاديمي الجاد الأمين.
ونحن هنا أمام كتابٍ موعودٍ يعتمد على رواية أشخاصٍ يحمّلهم الشعب السوداني والعالم بأسره مسئولية انفصال جنوب السودان. فماذا ياترى سوف يكتبون ويجادلون غير محاولات إعفاء أنفسهم من هذه المسئولية الجسيمة وإلقائها على الغير، سواءٌ كانت دول الاستكبار، أو التدخل الأجنبي، أو التجمع الوطني الديمقراطي.


11
وهذا هو في حقيقة الأمر الدور الذي حاول الأستاذ خالد موسى القيام به عندما جادل، مُعِيداً إفادات إخوته الإسلاميين، أن إعلان فرانكفورت لم يمنح الجنوب حق تقرير المصير. وذهب أبعد من هذا وحاول أن يعطي كلمةً باللغة الإنجليزية معنىً مختلفاً تماماً من معناها في تلك اللغة ليعفي إخوة الدرب والدين من مسئولية إخراج مارد تقرير المصير من القمقم. والغرض من هذا التفسير الخاطئ هو الإلقاء بمسئولية منح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان كاملةً على التجمع الوطني الديمقراطي ومقررات أسمرا لعام 1995.


12
ولكن، كما سنناقش في المقالات القادمة، فإن إعلان فرانكفورت الذي وقّعه في يناير عام 1992 الدكتور علي الحاج ممثلاً لحكومة الإنقاذ، مع الدكتور لام أكول الذي قاد الفصيل المنشق عن الحركة الشعبية، هو في حقيقة الأمر أولُ وثيقةٍ تُوقّعها حكومةٌ في الخرطوم تعترف فيها صراحةً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد أصبح ذلك الإعلانُ السابقةَ التي رستْ واعتمدتْ عليها مبادرةُ الإيقاد والوساطات الإقليمية والدولية. وحتى مقررات أسمرا التي صدرت من التجمع قبلتْ، بسبب سابقة ذلك الإعلان، حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بل لقد أصبح إعلان فرانكفورت السابقة التي انبنت عليها اتفاقيات السلام من الداخل، ثم بروتوكول مشاكوس واتفاقية نيفاشا نفسيهما.
وسوف تناقش المقالات القادمة أيضاً، وتوضّح بجلاء، حالة الارتباك والتخبّط التي سادت حكومة الإنقاذ ووفودها تجاه إعلان فرانكفورت خلال مفاوضات أبوجا التي بدأت بعد أشهر قلائل من توقيع إعلان فرانكفورت، ثم خلال مفاوضات الإيقاد التي تلت مفاوضات أبوجا. وستوضّح المقالات أن نقطة الارتكاز الخاطئة للأستاذ خالد موسى والكتاب الموعود عن معنى كلمة Plebiscite المزعوم لم تتم إثارتها إطلاقاً خلال تلك المفاوضات، وأن هذه هي المرّة الأولى (بعد ربع قرنٍ من إعلان فرانكفورت) التي يحاول فيها قادة الإنقاذ اتباع هذا الطريق الخاطئ، بل والممعن في الخطأ، في محاولاتهم المتأخرة تبرئة أنفسهم من مسئولية انفصال جنوب السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org