عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ثمَّة نظام شرق أوسطي يتخلَّق من رحم الربيع العربي. في طور التبلور يثير النظام الوليد قلقاً على صعيد الإقليم ويربك الكبار في العالم. الخوف هو الشعور السائد تجاه التيار الإسلامي الصاعد إلى أسنمة السلطة في عواصم عربية عدة.مصدر الخوف في أدمغة الساسة الجدد القادمين في عباءات عقائدية بعد عقدين على الهروب الكبير من أسر الأنظمة العقائدية.
مصدر القلق يكمن في ما إذا كان في وسع التيار الإسلامي الخارج من صندوق الانتخابات تكريس التجربة الديمقراطية في ظل المناخ الجديد أو الارتداد بثورات الربيع العربي إلى فصول الاستبداد والظلام.عالمياً مصدر الإرباك ينبع من مدى قدرة الحكام الجدد على إدارة العلاقات مع العواصم الغربية المعنية بموازين المصالح المشتركة أو دفعها إلى حلبة الصراع.الحكام الجدد يواجهون بالفعل تحديات تاريخية حقيقية من شأن كيفية معالجتها تحديد مصير الربيع العربي بمفهومه الجماهيري الديمقراطي الواسع. النجاح على هذا الطريق يحسم المدى الزمني لاحتفاظ الإسلاميين بزمام السلطات. على إيقاع خطوات هؤلاء تتسع أو تضيق فرص صعود إسلاميين في دول أخرى. على إيقاعهم يتحدَّد زمن بقائهم في السلطة. الشعوب العربية لن ترتضى التسليم لأنظمة الأمر الواقع.الحفاظ على نقاء التجربة الديمقراطية يشكِّل أكبر التحديات أمام التيار الإسلامي. على الحكام الجدد الأخذ في الاعتبار دائماً مفهوم الديمقراطية باعتبارها إجراء ينظم الحريات تبدأ من صناديق الاقتراع ولا تنتهي عنده.تنظيم الحريات يتضمن التأكيد على حقوق الإنسان في التفكير.
والتنظيم والتعبير، كما تؤمّن حقوق المرأة بالإضافة إلى تأمين الكرامة والعدالة وحقوق العمل.الديمقراطية لا تعني فقط ترجمة رغبات الأغلبية، بل تتجسَّد في ضمان حقوق الأقليات الطائفية منها أو الاثنية.الإسلاميون استثمروا سحر الدين طوال بقائهم في ساحات الاحتجاج والتحريض. الانتقال إلى أروقة السلطة يتطلب منهم إعادة النظر في مقارباتهم السياسية المتراكمة وهم في موقع الرفض المعارض.الخطاب الثيوقراطي المتخشِّب لن يصلح في مواقع إدارة شؤون البلاد والعباد وبراغماتية إدارة العلاقات مع الآخرين. الخطاب الشعبوي التعبوي الملتهب لا مجال له في منابر رجال الدولة. الندية على المسرح العالمي لا تعني فتح جبهة صراع الحضارات.الربيع العربي لن يحتمل التماهي بين الحزب والدولة، كما لن يسكت طويلاً على الاستثمار في المناصب للإثراء. رياح الثورة أطاحت أنظمة موبوءة بالفساد والاستبداد والاقتصاد الطفيلي والاحتكار. ما من شعب يرغب في استبدال الوجوه بل تغيير الممارسات.صحيح هناك تعاطف شعبي جارف أسهم في حمل الإسلاميين إلى الفوز. هو تعاطف ناجم عن معاناة رموز إسلامية من استبداد الأنظمة التوتاليتارية السابقة. من المهم استيعاب أن هذا التعاطف لا ينطوي على الافتتان بأنظمة تتزيا طابعاً إسلامياً هنا أو هناك. الصعود إلى السلطة جاء بموجب تفويض شعبي وليس برسالة سماوية.شباب الربيع العربي يراهن على نقلة ديمقراطية في العمل السياسي تخرجهم من الأحياء الفقيرة وأرصفة البطالة والتسكُّع على هامش المسرح السياسي الدولي.هؤلاء الشباب ما عادوا يحتملون لجاجة الأسئلة البطريقية القديمة والأيديولوجيا الخانقة. هم يستهدفون الانطلاق على دروب الحرية والكرامة والعدالة والإنجازات الاقتصادية تحت مظلة التعددية السياسية والثقافية.لو استوعب الإسلاميون أعباء المرحلة لأصبحوا هم أكثر خوفاً ووجلاً من الآخرين.