عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
وحده الإحباط سيد المشهد السياسي بعد رفع الستار عن إلحاق ولدي السيدين بقاطرة الإنقاذ. الشعور المر يغص حلق قطاع عريض داخل صالة المؤتمر الحاكم، كما هو الحال بالنسبة للحزبين الحاكمين. الخطوة غير الممنطقة وغير المقنعة في حد ذاتها تأتي بعد خطاب مطوَّل من العداوة بين الجانبين قُرعت بين سطوره طبول الحرب أحياناً وشروط التوافق أحياناً.
على امتداد سني عمره، ظل المؤتمر الحاكم يعتبر «البيتين الكبيرين» كما أسماهما عرَّاب النظام حسن الترابي، معضلة كأداء أمام تقدم الوطن. ها هو النظام يرتد مستغيثاً بالسيدين تحت شعار تجاوز منعطف تاريخي يواجه الشعب.
غير مجدٍّ تلبيس الخطوة الارتدادية مسوغات وطنية بغية تجميلها. ها هو النظام يعود
فيحشر نفسه في جلباب الطائفية ذاته الملعون من قِبله طوال عشرين عاماً. في وهج هذه الحقيقة تبدو كل التكتيكات المكرورة من قيادات المؤتمر هرطقة سياسية باهتة إذ لا تتسق وأدبياته المبثوثة عبر الإعلام المرئي والمقروء والمسموع منذ 30 يونيو 1989.
في ضوء المنظور الفكري هذه ردَّة تستوجب الردع بميزان من يتحدث منطق «المشروع الحضاري». وقف المعايير السياسية فإن ضم ابني السيدين يأتي خصماً على النظام وليس إضافة إليه. المجمع عليه في السلطة والمعارضة فقر رصيد التنظير والأداء لدى ولدي السيدين بما يعزز تجربة الحكم. بدلاً عن التقدم على طريق الاعتراف بدور منظمات المجتمع المدني يرتد النظام إلى عهد القداسة في السياسة.
صحيح لم ينأ المؤتمر بنفسه عن الإسلام التقليدي، بل توغل فيه ونفخ في سجادات صوفية وأجنحة سلفية، لكنه ناصب الطائفتين الكبيرتين العداوة والبغضاء. ها هو يرتد فيفتح الأفق أمام تنصيب سيدين لأجيال جديدة! أي غصَّة يشرق بها به شباب المؤتمر إذاً؟
نعم، الموقف الآني يتطلب حواراً بين القوى السياسية الوطنية كافة. هل أدار المؤتمر الحاكم حواراً وطنياً مع الحزبين المعارضين؟ هل أفضى الحوار إلى خاتمة جوهرية؟ هل الفوز بابني السيدين إنجاز وطني؟
ما جرى بين المؤتمر وحزبي المعارضة هو حوار حول الحوار ولم يكن حواراً وطنياً بين الأحزاب. لذلك جاءت النتيجة على هذا النحو صفقة محبطة ومخيبة للآمال.
إحدى آفات الحوار أنه جرى خارج النسق العقلاني. فقد أُدير الحوار على أكثر من طاولة، وهذه وضعية أبعدته عن توازن القوى. النظام ذو القبضة المهيمنة أراد إملاء الشروط فلم يبق للحوار جدوى باستثناء قيمته الرمزية. لما اقتصرت القضية على الصفقات ارتضى المؤتمر من الغنيمة بابني السيدين.
أحد الولدين لا يقوى على مفارقة ظل أبيه، والآخر يمكن وصمه بالعقوق والمروق. وكلا الأخوين.. ليس له رصيد شعبي للمساندة أو مواهب للمجاهرة أو سندات تأهيل المفاخرة أو قدرات استثنائية في المثابرة.
ربما يرى البعض داخل المؤتمر في استقطاب ولدي السيدين تكتيكاً سياسياً يربك الخصوم. نعم حدث بالفعل ارتباك في صفوف الحزبين المعارضين، لكن إضعاف المنافسين ليس أكثر من غنيمة عابرة وأنت تتحدث عن منعطف تاريخي الرهان فيه على مكاسب وطنية.
كل الخطاب الاعتذاري التبريري الدفاعي الصادر من بيتي السيدين وحزبيهما يفتقد الحد الأدنى من الجاذبية لإنقاذهما من المنزلق الورطة. على نقيض ذلك في الخطاب أسانيد تكفي للإدانة بما هو أقسى.
من غير المقنع حديث الإمام وابنه عن حقوق الإنسان جسراً للعبور من المعارضة إلى النظام. في ذلك استغباء ساذج للآخرين أكثر من احترام العقول. غير راشد الرحيل من رعاية الأب وبيت العائلة ورحاب الحزب وصحن الطائفة إلى قصر السلطة تحت القناعات الشخصية. أي الموازين المنطقية ترجح رؤى الابن على حكمة الوالد الإمام الزعيم وآراء الأسرة المنافحة بالديمقراطية وأدبيات الحزب وإرث الطائفة؟ لإن غلب الابن كل هؤلاء فأي مهدي يُولد في زماننا!
حتى لو سلَّمنا جدلاً بنفاذ عبقرية الابن، أفلا تحكمه التربية القويمة في كنف إمام يومئ فيُطاع على رقعة عريضة من الوطن بالحفاظ على هيبته؟ أوَليس لأخوات يملأن الإعلام فصاحة معارضة لدى الأخ واجب صون صورهن زاهية غير منكسرات؟ ألا تُعلِّم التربية في بيت الإمام والتنشئة وسط الأنصار والتدرُّج في كوادر الحزب توقير الكبير والاهتمام بالصغير والالتزام برأي الأغلبية؟
كيف يعجز الإمام الزعيم عن إقناع ابنه ويريد إقناع الأنصار وكريماته وقيادات الحزب وكوادره وقاعدته والرأي العام. هذا منطق لا يليق بالإمام وبالرأي العام. مسوغات الإمام تثير مزيداً من الأسئلة الجديدة من دون طرح الأجوبة الشافية على علامات الاستفهام القديمة.
الخطوة ارتدادية في أبعادها الثلاثية. إن كنَّا حمدنا في الإمام اجتهاده من قبل لإخراج الحوار من حيِّز الصفقات إلى آفاق الثوابت الوطنية، فإننا نرى في خطوة ابنه تفريغاً لكل تلك الجهود. من الصعب تبرئة الإمام من رضائه على ذهاب ابنه إلى القصر. ربما يحق للبعض وصمها بالتواطؤ.
في ذاكرتنا الجماعية مشهد الرئيس يستقبل الإمام وابنه فقط. أو هو وابنه وبعض قيادات الحزب أو الطائفة. هذه العلاقة تنم عن توافق بين الأب وابنه ولا تنطوي على تباين في الإطار الرسمي.
مولانا لم يأت بالجديد. هي ليست أكثر من إضافة إلى رصيده الثر في الفرص المهدرة. عِوضاً عن الخروج من الحوار بحزب أكثر صلابة يواجه الاتحاديون مفترق طرق يبدو الحزب عنده تذروه الرياح. حتى الذين استهوتهم الامتيازات الحكومية يرون الصفقة خاسرة والقسمة ضيزى.
مكمن الخطر الحقيقي في الخطوة الارتدادية الثلاثية أنها انكفأت بالأزمة السودانية في نطاق عائلي. بالإضافة إلى ارتداد النظام وهروب السيدين إلى حافة الهاوية، فإن معالجة القضايا الوطنية تجري في معزل عن الظرف الإقليمي الراهن. الاستقطاب الحاد ضيِّق الأفق يكشف أنيميا حقيقية تتمكن من الطبقة السياسية.
////////////////