عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عندما نتحدث عن فوز النهضة التونسي بــ 40% من الأصوات علينا التذكر بوقوف 60% ضدها. هذه الأغلبية لا تبارح مخيلة النهضويين وهم يتحدثون عن المرحلة الانتقالية. اذا كانوا يقنعون أنفسهم بأنهم «الحزب الإسلامي الأكثر تقدمية» حسب تعبير سميه الغنوشي فلأنهم ينتمون إلى أكثر قطر عربي يتميز بتقاليد علمانية. تونس تتمتع بمجتمع مدني صلب وروح إسلامية متحررة من التزمت أكثر من أي وطن على خارطتي الإسلام والعرب. التونسيات أكثر نساء العرب ممارسة لحقوقهن، مكاسب المرأة التونسية تفوق ما لدى أي امرأة في العالم الإسلامي.
قادة النهضة لا يستطيعون حالياً الحفر في مجتمع علماني اخترق مؤسسه الحبيب بورقيبة خطوطا حمراء عدة في الموروث الديني. الممارسة التونسية راكمت تجارب في الوسط الشعبي والنخبوي بحيث تناطح التقاليد العقيدة في أكثر من مشهد.
عندما يعبر الغنوشي وبعض إخوانه عن افتنانهم بنهج اردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا فلانهم يدركون أن بورقيبة انشأ قاعدة حداثية تشابه ما أنجزه كمال أتاتورك في بلاد الترك.
النهضويون لا يستطيعون الانغلاق داخل مجتمع مستنير تتدنى نسبة الامية فيه عن 10%. قادة الحزب الإسلامي يدركون أنهم خاضوا معركة انتخابية في أعقاب ثورة شعبية استثنائية أطاحت نظاماً استبدادياً. الثورة أنجزت ذلك على الرغم من افتقادها رؤية ايديولوجية، برنامجاً سياسياً أو قيادة كرازماتية. الوقوف أمام شارع تسكنه مثل هذه الروح يشكل حماقة تفضي بصاحبها إلى المجهول. النهضة أحرزت تقدماً عبر صناديق الاقتراع في غياب حراك سياسي حقيقي. المزاج التونسي أفرز رد فعل يفرض البحث عن بديل يحتمل الرهان ولو انتفى اختباره من قبل.
النهضة فرس رهان محتمل لأنه الحزب الأكثر تنظيماً، الأطول باعاً في الوصول إلى القاعدة الشعبية والأكثر بريقاً بوجوهه الخارجة من السجن والعائدة من المنفى. قادة النهضة يعرفون حدود فوزهم في المعركة الانتخابية. مهام المرحلة الانتقالية أكبر من طاقاتهم. هم لا يستطيعون انجازها منفردين. الحاجة إلى حلفاء يتقاسمون معهم كعكة السلطة ضرورة حتمية. محاولة القفز فوق توافق المرحلة الانتقالية ضرب من الانتحار السياسي.
من أبرز مهام المرحلة الانتقالية الملحة إعادة كتابة الدستور، تحديد موعد الانتخابات الرئاسية، معالجة اقتصاد متدن. قطاع السياحة الذي يشكل رئة حيوية للاقتصاد يعاني انسداداً. البطالة تشكل عبئا ثقيلاً على الحكومة الانتقالية. الفاقة في أوساط الشباب أشعلت فتيل الثورة التونسية. الأرقام الرسمية تتحدث عن 19% لكن الواقع يشير إلى رقم أعلى من ذلك بكثير. 40% من الخريجات يتسكعن خارج خطوط الإنتاج. هذه نسبة بالغة الأهمية عندما يأتي الحديث عن المرأة في الخطاب الحزبي.
تونس بلد صغير على خارطة العالم العربي وعدد سكانه متواضع لكنه يعاني في الوقت نفسه من أمراض الوطن العربي المزمنة. هناك صراع مناطقي محموم على السلطة والثروة. الحبيب بورقيبة قضى على العصبية القبلية. تونس خالية من احتقانات العروش – وهي ظاهرة مغاربية – لكن تونس تشهد صراعاً مناطقيا محتدماً. هناك شعور متعاظم عبر السنين لدى أهل الجنوب بالتهميش. ذلك احساس راسخ لدى أهل الشريط الجنوبي الغربي بصفة خاصة. انطلاق الثورة من سيدي أبو زيد لم يكن صدفه تاريخية. البوعزيزي أضرم النار في جسده احتجاجاً على التهميش الإقليمي. الجنوب يملك موارد طبيعية مثل الفوسفات والنفط والثروة الزراعية بقطاعي الحبوب والحيوان غير أنه يعاني اهمالاً. أهل الساحل ينعمون بالفاكهة وزبدة الثروة والسلطة.
نظام الرجل الاستبدادي الواحد القابض على تونس نصف قرن من الزمان ظل يستعين بإرستقراطية ساحلية تتطلع دوماً إلى الشمال. كل رجال الرئيس في عهدي بورقيبة وبن علي ينتمون – إلا ماندر – إلى الساحل.
جميعهم يشتركون ثقافة فرنسية وقلوب طموحاتهم مشدودة إلى باريس. بين هؤلاء من ينتمي إلى شريحة ذات أصول غير تونسية إذ ينحدرون من عائلات تركية أو أندلسية. التونسيون يطلقون على هذه الشريحة «البلديين». اسماء هذه العائلات تدلك على أصولها مثل المبذع، السبسي، المستيري، بن جعفر وبن عاشور.
العلاقة الحميمة بين تونس في عهدي بورقيبة وبن علي من جهة وباريس على الطرف الآخر فرضت على المعارضين وبينهم قادة النهضة اتخاذ ملاذات خارج فرنسا. هذه الحالة أفرزت تباعدا بين النهضة وباريس وحميمية بين الحزب الإسلامي وعواصم غربية أخرى بينها لندن وواشنطن. هذه قضية سياسية حيوية إذ سنلحظ توافقاً حزبياً على اختيار رئيس الجمهورية من وسط أصحاب الانتماءات الفرنسية غالباً.
هذا هو المناخ السياسي حيث تتشكل المرحلة الانتقالية في تونس. هي أجواء تفرض على النهضة طابعاً براغماتيا لا يمكن الانفكاك عنه بغية تشكيل التحالفات والتصدي لمهام المرحلة الانتقالية. ربما نحمد للغنونشي استيعابه تعقيدات الظرف السياسي الضاغط. الرجل بادر إلى طمأنه الداخل والخارج في شأن توجهاته المستقبلية. زعيم الحزب الاسلامي يؤكد عدم المساس بمكتسبات المرأة بما في ذلك تحريم تعدد الزوجات وتقييد حقوق الرجل في ممارسة الطلاق. أكثر من ذلك يعترف زعيم النهضة بحق المرأة في الظهور بلباس البحر على الشاطئ. حتى عندما يتحدث الغنوشي عن النموذج التقدمي في مخيلته السياسية فانه لا يقف عند تركيا بل يذهب شمالاً إلى السويد مثالاً لدولة الرعاية الاجتماعية.
براغماتية الغنوشي الذكية لا تنفي طبيعة النهضة باعتباره حزبا يمثل حاضنة لأجندة مناقضة تماماً لهذا التوجه الاستثنائي استناداً إلى طبيعية المرحلة الانتقالية. مع التقدم في انجاز مهام المرحلة ينزع النهضة أقنعته البراغماتية وتتكشف عوراته شيئاً فشيئاً.
هذه حقيقة تتبدي عندما يتحدث الغنوشي عن وطن «تصان فيه حقوق الله وحقوق المرأة». عند عتبة المرحلة الانتقالية يعلو الكلام عن استحقاقات الأمن والشفافية وحقوق العمل والمساواة على حقوق عديدة. كلنا نعرف حقوق المرأة المرتبطة بحقوق الله.
رئاسة الحكومة الانتقالية حق تؤمنه الأغلبية البرلمانية للنهضة غير أن إصرار النهضة على التمسك في بدايات المشاورات الحزبية لتشكيل الحكومة بوزارة العدل ينم عن حرصه على الإمساك ببؤرة التشريع والتقنين. من هنا تصدر الفتيا.