عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المقال الأخير قارب تباين النظام والمعارضة تجاه الحكومة الجديدة في سياق جدلية التطور والمحافظة. خلال الأسبوع الماضي صدرت سلسلة تصريحات عن أقطاب في النظام تكتسب أهمية ليست فقط من مصادرها بل كذلك من وجهتها.
الرئيس قال السودان ليس ملكاً للمؤتمر الوطني موضحاً بذلك الرغبة في إشراك أحزاب المعارضة في التشكيل الوزاري. البشير أكد على تلك الرغبة بالذهاب إلى مشاورة الحزب الشيوعي باعتباره الطرف الأقصى.
نائب الرئيس قال في القاهرة لكل نظام أجل مكتوب كما للإنسان. مستشار الرئيس إبراهيم أحمد عمر طالب المؤتمر الوطني بإعادة النظر في آليات اتخاذ القرار وآليات الحوار مع أحزاب المعارضة وأطلق على ما دار بين الجانبين في شأن التشكيل الوزاري (حوار طرشان).
وزير المالية انتقد داخل البرلمان خطة الانقاذ الحكومي ودعا من جانبه إلى إنهاء الصرف البذخي ضمن رسم موازنة جديدة تعالج مظاهر الأزمة المعيشية.
أمين حسن عمر خفف عن المؤتمر الوطني عبء المشروع الحضاري فوزع أحماله على التيارات الحاكمة في البلاد الإسلامية.
والي الخرطوم أكد الثقة في درء أخطار المجاعة عن ولايته.
التصريحات صدرت على مستويات متباينة في أماكن ومناسبات متباعدة غير أنها في حيز زماني ضيق لا يتجاوز الأسبوع. هذا التوقيت يضيف إلى أهمية مصادرها أبعاداً أعمق.
مع قناعة لا يشوبها شك على صدور تلك الأحاديث في سياق الحرص على إبقاء المؤتمر الوطني حاكماً بلا منازع فإننا نقرأها كذلك في ضوء جدلية التطور والمحافظة. أي قراءة متعمقة في الأحاديث تلك تكشف إحساساً عالياً داخل المؤتمر الوطني بأزمة تحاصر الحزب إن لم تفصح عن شعور بضائقة على الشعب والوطن.
ما من قيادي عقلاني في المؤتمر يمكنه إنكار عبور الشعب والوطن ظرفاً استثنائياً ضاغطاً. تحت هذا الضغط يتخلى المؤتمر عن تعاليه المعهود على الواقع والمعارضة وتبخيسه المتعمد لقياداتها وقواعدها فيبدي رحابة لإفساح مقاعد لها في السلطة التنفيذية.
تحت الإحساس بالأزمة يعترف رأس الدولة بحق مشروع لأحزاب المعارضة في الوطن ومن ثم بحقها في إدارة شؤونه. كما يبدي الرئيس رحابة في محاولات استدراج المعارضة بما في ذلك الأطراف المتصادمة مع المؤتمر نظرياً.
تحت الشعور نفسه يأتي حديث نائب الرئيس بأن لكل نظام أجلا محتوما. تصريح طه صدر عنه في القاهرة تعقيباً على رياح الربيع العربي حيث أطاحت بأنظمة توغلت في الاستبداد وكأنها تعيش أبداً. إذا لم تكن هناك مماهاة منطقية بين مصير تلك الأنظمة وأزمة نظام المؤتمر فثمة قرائن زمانية بين تلك النهايات وتصريح نائب الرئيس.
وزير المالية لا يكتفي فقط بالاعتراف بالتحديات الجسام أمام المؤتمر بل يمارس نقداً ذاتياً باسم المؤتمر علنياً. داخل البرلمان انتقد وزير المالية الانفاق الحكومي البذخي باعتباره ممارسة لا تطابق حال الشعب والوطن. الانفاق البذخي وتر عزفت المعارضة عليه كثيراً محذرة ـ زمن الطفرة النفطية ـ من تداعياته الماحقة على الشعب والوطن.
حديث الرئيس لم يذهب إلى التصريح بإمكانية إحداث تغيير في بنى النظام. الرئيس يدرك أن التغيير لا يحدث بالاستدراج أو الاسترضاء إنما على طريق التوافق بين القوى القابلة للدخول في مشروع التغيير.
صحيح لم يطرح وزير المالية معالجات لاختلالات عديدة في موازنة الحكومة غير أن الأعتراف العلني بالخطأ فضيلة ليست مألوفة في سيرة المؤتمر الوطني. هذا نهج يعززه النقد الصادر كذلك من إبراهيم أحمد عمر ومناداته بالمراجعة لآليات القرار والحوار.
والي الخرطوم يحاول القفز فوق الواقع كذلك إذ يتعهد بدرء الجوع عن الولاية. التعهد يأتي بعد ظهور بثور الظاهرة المؤلمة في بؤر احتجاجات شعبية متناثرة. الجوع كابوس وليس حلماً. استيراد اللحوم من أثيوبيا بعد الأسماك من أوغندا يفضح أنيميا الحكومة الاقتصادية.
التوفيق جانب أمين حسن عمر إذ ضرب مثلاً بالعمارة في تفسيره للمشروع الحضاري باعتباره جهداً فكرياً وليس بناء متعدد الطوابق يمكن تشييده. كما قال صديق فالمشروع المنجز الأكثر جاذبية في عهد الانقاذ يتمثل في البنايات متعددة الطوابق وأصحابها من أهل المشروع الحضاري.
كما يأتي النقد العلني بدون الاستغراق في التفاصيل تأتي هذه المواقف تعبيراً عن رؤى المؤتمر بعد رفض المعارضة المشاركة في الحكومة ذات القاعدة العريضة. تلك مواقف تفصح عن الصراع السياسي المفتوح داخل اطار التناقض في جدلية المحافظة والتطور. هذا الصراع يذهب إلى أحد اتجاهين، الأمام فيصبح تقدماً أو الخلف ويمسي تراجعاً أو تدهوراً.
كما قال نائب الرئيس فإن لكل نظام أجلا ذلك ان الدولة كائن حي تعبر أطواراً كما المخلوقات من الميلاد إلى الموت والفناء.
الدولة ذلك الكائن السياسي عرضة للمرض بتفاعلات اقتصادية واجتماعية. أكثر من ذلك فإن هذا الكائن هو الجسم الذي يمور داخله صراع الإرادات السياسية والاجتماعية. على الرغم من عدم إشارة نائب الرئيس إلى نظام الانقاذ بينما كان يتحدث في القاهرة عن الربيع العربي إلا أن طه يعرف أننا ندرك أنه لا يرى في الدولة السودانية استثناء. السؤال المطروح بإلحاح يرتبط بتشخيص حالة نظام الانقاذ وطوره الحياتي حالياً. الأكثر إلحاحاً معرفة ما إذا في الإمكان إجراء علاجات ناجعة أو جراحات عاجلة بحيث يصبح في قدرة النظام التطور والارتقاء أم مواجهة التراجع والتدهور لا مفر.
مع تخلي المؤتمر عن تعاليه على الأحزاب في هذا المنعطف ربما يجد ممارسو النقد العلني داخل الحزب الحاكم أنفسهم مضطرين للتنازل كذلك عن العصبية الايديولوجية. ذلك ملمح نراه في محاولة أمين حسن عمر تفريق دم المشروع الحضاري على الأنظمة الإسلامية الأخرى.
ربما حان الأوان ليدرك العقلاء داخل النظام ضرورة الفصل بين هيبة الدولة واستبداد النظام. الأولى تقتضي تفعيل أذرع السلطة وآلياتها لتأكيد حضور الدولة ونفوذها. الثاني يعني الغلو في تفعيل أذرع وتغييب أخرى بدون الأخذ في الاعتبار المبادئ والمثل العليا.
إذا كان للدولة أجل موقوت فإن ذلك يأتي في سياق الحركة السياسية وهي بمثابة نهر متدفق في خارطة التاريخ. هذه الحركة ليست رهينة لقوى سياسية بعينها كما أنها ليست صنيعة رجال أو جيل محدد.