المشهد الراهن مؤلم على نحو يفوق الإحتمال.الوجع ليس ناجماً فقط عن العنف الهمجي الممارس بل أكثر منه صورالتوحش المسرف في الإذلال. سيناريو مخيف إرتد بالإنسان السوداني قرابة قرنين من الزمان. ما يزيد الحزن حزنين هو سيناريو شارك الجميع في نسجه، إذ ظل يدور في خاطر الجميع لكن لم يفعل شركاء الثورة ما يكفي لدرء إخراجه أو تنفيذه. ربما غلبت عليهم "سودانيتهم " فنبذوا تغليب رؤيته واقعاً بشعاً رهاناً زائفاً على وازع أخلاقي قد يكبح اللصوص القتلة السفلة عن إرتكاب جريمته. 

ذلك لم يكن الوهم االوحيد في صناعة السيناريو المخيف. الخطيئة الكبرى في إحسان الظن بمن لا يستحق تتجسد في التفريط في زمام المبادرة فأسرفنا في التفاؤل بتوهم المجلس العسكري شريكاً في صناعة الثورة! ربما كان المشهد ملتبساً لكن ما كان يحق بلوغنا وقتئذِ حد الإرباك على نحو يفقدنا البوصلة. هذا – يا للكارثة – ماحدث. من هناك إنزلقنا لجهة وحل المساومات والتشرزم.
نحن لم نفقد فقط القدرة على إستبطان الحاضر دعك عن إستبصار المستقبل، بل أخفقنا في إستلهام الماضي. لذلك لم نستوعب المجلس إمتداداً لنظام لم تختف غير طبقته العليا. كما لم نستعد تجربة سوار الدهب. المجلس العسكري في التجربتين لم ينحز إلى الثورة بل قطع عليها الطريق. أكثر من ذلك إستغراقاً في الخطايا لم ننظر إلى المجلس كتلة واحدة بل إندفع البعض في عملية فرز بلهاء بلغت بهم درجة إسباغ البطولة على من لا يستأهلها البتة من زبانية البلطجة المرتزقة عابري الحدود. عندئذِ استعدت منصور خالد وهو يسرد حكمة جعفر بخيت في النميري إذ قال ذلك صنم صنعناه بأيدينا ولن يزيله إلا رب العباد! هل نستغرق في الدعاء علّ ربنا يزيح عنا أصناماً صنعناها نحن بغفلتنا حتى تفرعنت على إنسانيتنا، كرامتنا بما أذاقتنا من الويل والثبور بما تفعل من فرط الجهل الفاضح والطيش الكاسح.
لمّا هوى رأس النظام إبان إندفاعنا الفتي أغفلنا جوهر بنى النظام القائم على تحالف العسكر، رجال الدين وطبقة طفيلية من الإنتهازيين. هو حلف لا يزال باقِ. في المقابل لم ندرك ملياً حقيقة تركيبة قوى الثورة؛ قوامها شباب شغوف بالتغيير، شرائح عريضة من المهمشين العاطلين، ومثلهم من المحرومين من الإمتيازات داخل منظومة الإنتاج الصدئة. هم قوى مضادة للنظام الغارق في الفساد والإستبداد يمتلكون الوعي الكافي والقدرة اللازمة لإحداث التغيير لكنهم يفتقرون إلى رؤية ثورية موحدة. أدهى من ذلك يفتقدون قيادة جماعية مقتدرة مالكة الوعي باللحظة التاريخية وزمام المستقبل.
لذلك كان يبدو الجسم الثوري عند كل منعطف ثوري حاد أو هش لكأنما تم تجميعه على عجل من فرط الترهل والتباين. الإفتقار إلى الصلابة في المواقف أغرى الطرف الآخر من بنى النظام للتربص بالثورة في مهدها. الإنقضاض الشرس على الإعتصام السلمي أبان جلياً هيمنة أصحاب المصالح على أقدار الدولة وخناقها بما في ذلك المؤسسة العسكرية مثلما أكدت أحداث الثورة حقيقة ان ما يسمى بالمؤتمر الوطني الحاكم ليس بحاكم بل هو إختلاق سياسي وهمي عبثي.
كل العنف البربري في فض الإعتصام النبيل والإذلال الهمجي ضد الشعب الأعزل لا يعني إخماد لهب الثورة. القناعة في حتمية تصفية نظام الإنقاذ بكل مكوناته أضحت أكثر تجذراً في الأوساط الشعبية إيماناً بالتوق إلى تأسيس دولة عامرة بالخير والسلام .ممارسات العنف الإستبدادي الأعمى أشعلت غضب الشعب الأعزل. لكن الحديث عن إعادة اصطفاف قوى الثورة ينبغي إنجازه في ضوء إستيعاب دروس التجربة الثورية الأخيرة.
ليس بعيداً عن التفكير الثوري الأرثوزوكسي ولكن ليس داخل صندوقه يجب المناداة بإعادة اصطفاف كل قوى الثورة في سياق تطوير الوعي الجماهيري على نحو يجعل من ذلك الوعي وقوداً للحراك الجماهيري على اتساع رقعة الوطن جبهة موحدة. هذا دور لا ينبغي حصر التصدي لإنجازه على الساسة المحترفين أو أى فصيل سياسي دون غيره. فأحد مفاصل هبوط التجربة الأخيرة – ربما أخطرها – نزوع أؤلئك وهؤلاء إلى استثمار رغبة الشباب ووعيهم بغية تحويل مكاسب الثورة إلى غنائم شخصية أو حزبية. هذه مهمة تبدو شاقة في غياب عنفوان الطبقة الوسطى وضمور حركة المثقفين جراء تعرضهما للتجريف، للترهيب والقمع طوال عقود الإظلام. لكنها في الوقت نفسه ليست مهمة عصية على نحو يجعلها مستحيلة.ِ
في محاولة الخروج من مأزقه المتأزم سيسعى المجلس العسكري البائس إلى ممارسات أكثر ثقلاً على المثقفين بصفة خاصة. الأرجح سعيه الهروب إلى الخلف عبر تبنيه مشروع قوى الثورة والتغيير نفسه بغية عبور ما أسماها زوراً المرحلة الإنتقالية. مع بقائه رأساً للدولة سيطرح مجلساً إستشارياً بالإضافة الى مجلس وزراء مع التوغل في العنف البربري. هو سيسعى إلى إستدراج ما أمكنه من المثقفين للمشاركة في المجلسين، عن طريق الترغيب عبر ثنائية االإغداق والإغراق تارة والترهيب عبر ثنائية المنع والحظر تارة أخرى مستهدفاً قوى سياسية بعينها كانت إنزلقت إلى مستنقعه أو طرازاً معيناً من المثقفين والساسة نهّازي الفرص.
لكنما تلكما المهمة لن تكون سلسة أمام الأطراف المعنية إذ يبدو الأفق لا يعين على التورط في ذلك المستنقع طالما ظلت جذوة الحراك الثوري متّقدة تحت مظلة التعاطف الدولي المتنامي إذ يفضل حتى العديد من المستهدفين الكمون الآني عوضاً عن الإندفاع لمحاولة ركوب الموجات القصار. الملاذ الأخير أمام المجلس يظل الركون إلى الوجوه الكالحة من فلول الإنقاذ. هذه ورقة متاحة لكنها تفقده الكثير من رصيده الإقليمي. هكذ يلج الطرفان معركة البقاء إذ تكون الغلبة فيها للأقوى مع تباين عتاد كل منهما. هي معركة مفتوحة على كلفة كل الإحتمالات الباهظة على الجانبين وقد أضاعا مفاتيح أبواب الغد من عند المنحنى الزماني الحالى الحاد المثقل بالحزن، الحسرة والإرتباك.نجاح العصيان العام يشكل المعركة المصيرية كسر عظم اللصوص القتلة السفلة الوالغين في الشرور.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.