2500 سنة مرت على كتابة "فن الحرب" لكنه لم يفقد قيمته المرجعية لدى المؤسسات العسكرية والإستراتيجية. بل تجاوز الإهتمام به جنرالالت الجيوش إلى قيادات أجهزة الأمن والإستخبارات. المفكر الصيني سون تزو قصد من مؤلفه رسم الطريق غير المكلف أمام الإستيلاء على بلد ما. خلاصة الكتاب تتمثل في القبض على أي بلد سالما دون تدميره. إذا كان االنصر يتطلب بالضرورة مهارات فإن ذروة المهارة عند الحكيم الصيني هي إخضاع العدو دون قتال. أما قاعدة الحكمة الذهبية عند تزو تتبلور في إعتماد العقل لا القوة سلاحاً على درب النصر.

هذه القاعدة وذروتها يشكلان الإغراء المفتاحي لقيادات أجهزة الأمن في الأنظمة غير الديمقراطية بغية الإنكباب على مؤلف تزو لاستخلاص "كاتلوغ " من أجل ترويض الشعوب، إخضاعها والهيمنة عليها. في العديد من الأنظمة الشمولية يبدو وكأن هذا الكاتلوغ يمثل إنجيل تعامل السلطة مع الشعب. في الغالب لم تطلع قيادات إجهزة الأمن على كتاب الفيلسوف الصيني لكنها تقتبس منهجها من تجارب مشابهة سابقة أو مزامنة.

الشعوب المغلوبة على أمرها تحت الأنظمة القمعية أو ظل الإحتلال تتعرض لسياسات ممنهجة تستهدف تجريدها من وهج الروح الوطنية "الثورية". مقابل تشديد تزو على عدم اللجوء إلى تدمير البنى التحتية للبلد فإن الأنظمة القمعية تعمل ما وسعت على تدمير قيم المجتمع الموروثة. بل تذهب إلى تدمير مكتسباته القيمة. التركيز في هذا المضمار يستهدف تشويه القيم النبيلة مباشرة أو عبر التخليط حيث يصبح االصواب خطاً والعيب مقبولاً.

إذا بدا ثمة تباين في المنهج فهو يذوب إبان مراحل التطبيق حد التماهي. كلاهما سلطات الإحتلال والقمع يركزان وفق الفيلسوف الصيني على التغييرالممنهج داخل مستطيل يتضمن قطاعات محددة يفضي العمل فيها إلى الهيمنة على إرادة الشعب. تلك القطاعات تتمثل في الدين، الحياة الإجتماعية، الإدارة، القوانين، أجهزة العدل والأمن. الهدف البعيد يتجسد في إعادة بناء المجتمع عبر إعادة هيكلة السلطة. كاتلوغ تزو يركز في هذا السياق على نقل المرجعية من المنظومة الإجتماعية إلى هيكل البروقراطية. هنا يصبح التدرج في المجتمع مبني على المرتبة الوظيفية ليس الوضع الإجتماعي. هكذا تتحول مقاليد المسؤولية من المجتمع أفراداً ومنظمات إلى سلطة الدولة الجديدة.

وفق هذه الرؤى يجري وضع أناس بمواصفات محددة ليس بينها الكفاءة أو التفويض الشعبي في المواقع المفصلية في الهياكل المستحدثة يحتكرون صلاحيات إتخاذ القرارات بنفوذ واسع. غالباً ما يتم إستقطاب أشخاص جهلاء،غير سويين وإنتهازيين لهذه المواقع. هؤلاء مكلفون كما يكلفون من يروا أمثالهم لتنفيذ ما يمكن تصنيفه بالعمليات القذرة ضمن منهج تجريف المجتمع من الداخل فلا يصبح ثمة مجال أمام أصحاب المبادرات الخلاقة. عوضاً عن نزع فتيل الأزمات عبر تسويات مجتمعية للحالات الطارئة أو المصنعة في ظل الوضع الجديد يعمل المكلفون بالعمليات القذرة من أجل زكاء النزاعات وروح العصبية.

الغاية من تلك المهام المساهمة في خلخلة البنى الإجتماعية بغية زعزعة اسستقرار المجتمع وسلامته. من المفترض بل من الطبيعي إشتعال بعض بؤر النزاعات في صيغ أزمات. عندما تستفحل تلك الأزمات تبدأ سلطة المجتمع المتجزرة في الإنهيار.

في الوقت نفسه تنصب عمليات التجريف داخل حقل الدين على تبديلات في العقيدة الموروثة، بغض النظر عن حداثتها أو تخلفها. الأهم من ذلك مدى فعالية توظيفها بغية جذب قطاع أوسع من الشعب. يجري تنفيذ ذلك كله عبر لجان ومؤسسات مصطنعة تحل مكان الركائز الدينية الجوهرية الراسخة في المجتمع ووجدانه.

في قطاع التعليم تركز المخططات على تغيير المناهج التقليدية البناءة بمناهج تغلب عليها السطحية أو التهميش.على الصعيد الإجتماعي يجري العمل حسيساً على تكسير المنظمات الحيوية الفاعلة ذات التأثير على الجماهير.

هذه المخططات يمكن تنفيذها بالتزامن أو عبر مراحل متعاقبة وففقا للظروف الماثلة. ربما تحرق مرحلة مهام مراحل أحياناً. الغاية المبتغاة هي دائماً إعادة بناء مجتمع مختل الرؤى لا يعود يرى في النظام الجديد عدواً حتى إذا بدت سياساته ليست مقنعة فهي على الأقل صارت مرئية ذات خطوط حمراء. أي محاولة لتجاوزالخطوط تعني مجابهة الخطر. إنجاز هذه المهام يتطلب العمل الدءوب داخل دائرة تخليق الرأي العام. من ثم لا بد إلى جانب حقل التعليم من السيطرة على وسائط الإعلام بغية تكريسها لخدمة المخططات. بما أن كوادرالإعلام ذات نفوذ بالغ في تشكيل الرأي العام بحكم إمتيازاتها المهنية فمن اليسيراستبدال العناصر غير المتجاوبة. كذلك يعمل على استحداث وسائط أو منظمات للتغلغل داخل المجتمع للتأير على الرأي العام. من بين أساليبها تقديم تسهيلات ومنح للأفراد أو الجماعات.

بقاء النظام صامدا على مدى فترة زمانية تتراوح من خمسة عشر عاما إلى عشرين سنة يتيح له إنجاز هذه المخططات بنجاح. ذلك متسع يكفي لتنشئة جيل ذي شخصية مغايرة إلى جانب الجهود المكرسة بغية إعادة تشكيل عقلية الأحيال السابقة. ليس بالضرورة عبر إملاء ايدولوجيا بل المهم صناعة برادايم يعاد قولبة المجتمع في منظوره. هيقولبة يمكن ان تذهب حد ماذا تلبس، متى تنام وتستيقظ.

أيما نظرة ثاقبة في سياسات وممارسات الأنطمة القمعية الشمولية تؤكد حتماً عبقرية المفكر الصيني سون تزو. إذ لايزال الإسهام الفكري لرجل عاش في القرن الخامس قبل الميلاد يمثل مرجعا "كاتلوغ " في القرن الحادي والعشرين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.