نشرت الصحف اليومية خبراً مفاده أن هيئة قوامها (100) من المحامين الوطنيين (بحسب تعبير الصحيفة) الذين ينتمون لمختلف الأحزاب السياسية ونشطاء في مجال الحقوق برئاسة المحامي نبيل أديب قد تشكلت "للتطوع" بالدفاع عن الفريق صلاح قوش رئيس جهاز الأمن السابق بعد إحتجازه بتهمة قيامه بتدبير محاولة إنقلابية، وجاء في الخبر أن الهيئة قد عقدت إجتماعاً للتباحث حول الإتصالات التي ينبغي عليها إجراؤها بالجهات المختلفة في سبيل إطلاق سراح المتهم ووضع خطة للدفاع عنه.

الواقع أن هؤلاء متنطٌعين لا متطوعين، والتنطٌع هنا صفة لا شتيمة، وهو يعني المغالاة والحزلقة والتشدّد في إظهار الوفاء للمبدأ او العقيدة (في هذه الحالة مبادئ العدالة والقانون)، فليس هناك من ينكر حق المتهم "قوش" في الإستعانة بمحامٍ للدفاع عنه، برغم أن مثل هذا الحق الدستوري والقانوني لم تصادره جهة في تاريخ العدالة بالسودان سوى محاكم "الخيم" التي أقامها هذا النظام الذي ظل المتهم ينتمي كواحد من كبار رموزه طوال عمر الإنقاذ.

الأصل أن يقوم المتهم بإختيار محاميه بنفسه من بين الذين يثق في مقدراته المهنية ويؤمن بعدالة موقفه في القضية التي يواجه فيها الإتهام، وليس هناك سبب (لتطفل) محام للدفاع عن شخص لم يختاره المتهم الاّ عند توافر ظروف معينة سوف نقوم بمعالجتها في سياق المقال، وهناك المئات - بل آلاف - من المحامين الإنقاذيين الذين يقفون مع "قوش" في خندق واحد وتتوفر فيهم هذه المعايير ليختار "قوش" من بينهم من يشاء، من بينهم محامين كبار مثل غازي سليمان وعبدالباسط سبدرات.. الخ، ويشهد على عددهم هيمنة الإنقاذيون - بالتصويت وفق زعم النظام - على (جميع) مقاعد نقابة المحامين في دوراتها المتعاقبة منذ مجيئ الإنقاذ، دون أن يتركوا مقعد واحد لغيرهم.

كما أن "قوش" بسم الله ما شاء الله، لا تنقصه المقدرة المالية لتكليف أي محام بأي حجم، فبعد أن طُرِد من منصبه بالأمن، فتحت له السماء أبوابها في دنيا المال والأعمال، فأنشأ شركة تجارية كبرى في دبي، حققت له من الثروة ما فاض عن حاجته وثلاثة أجيال من ذريته، حتى أصبح من فعلة الخير، ينفق على زملائه والمعسرين والفقراء، فقد كشف الصحفي عبدالباقي الظافر في مقاله "قوش الذي عرفت" أن من مآثر الجنرال المتقاعد أنه إشترى "ثلاجة" لصحفي مُعسِر وأنه يقوم بتوظيف رفقاء السلاح المفصولين في شركاته.


ما يخضع له "قوش" الآن هو مجرد إعتقال، و "قوش" ليس وحده الذي يشرّف معتقلات الأمن، ففي داخل حراسات الأمن اليوم مئات المعتقلين الذين تُنشر أسمائهم بالمواقع المختلفة، وعدد الذين تعاقبوا على بيوت الأشباح والمعتقلات من أبناء وبنات هذا الوطن منذ مجيئ الإنقاذ يقاس عددهم بعشرات الآلاف لا بالمئات، منهم من قضى نحبه بداخلها، ومنهم من بُترت أطرافه، ومنهم من أنتهك عرضه، ومن خرج من مخابئ الأمن سالماً تدمرت حياته ومستقبله، وهو يهيم على وجهه في الطرقات بلا عمل ولا تجارة ولا مال، فأين كانت تقبع النخوة عند هؤلاء المائة العِظام طوال هذه السنوات قبل إعتقال قوش؟

ومن كان أحق بالوقوف معه "قوش" أم "القوشي"؟ هل تعرف هذه الهيئة كم أمضى "القوشي" بالمعتقل بتهمة التحدث في وجه نافع وقال له كلاماً لم يعجبه !! هل يعرف هؤلاء المحامون ممن تشكّلت الهيئة التي تشبه تنظيمهم للسعي للإفراج عن المتهم البوشي !! نحن نجيب على هذا السؤال: تشكّلت هيئة الدفاع عن "البوشي" من دموع غزيرة ذرفتها الست الحاجة والدته الطاعنة في السن، والتي طردت النوم من عيون شرفاء هذا الشعب الذين شاهدوها على شريط "اليوتيوب" وهي تناشد ذوي القلوب الرحيمة أن يفرجوا عن فلذة كبدها، ولم يظهر أيِّ من هؤلاء المحامين المتنطعين للدفاع عنه.

نعم، هذا تنطع ومغالاة من هؤلاء المحامين، فالحرية لا يستحقها من يحرم غيره منها، فليس من اللائق أن يمسح "المجلود" العرق من جبين الجلاد، فليفعل ذلك جلاد مثله، وما حدث بتشكيل هذه الهيئة ليس سوى "بروفة" مبكرة توضح الفشل الذي ينتظر الشعب من أبناء المهنة الذين يُعقد عليهم الأمل في أن يُعيدوا للشعب حقوقهم في اليوم المنتظر، وصفعة في وجه الشعب تشير إلى ما سينتهي إليه مصير المحاسبات التي يحلم الناس بتحقيقها.