يقف التاريخ في بعض الأوقات لكي يسجل أحداثا تاريخية تصنعها الشعوب في ثوراتها لكي تحدث تغييرا سياسيا أو تغييرا في قيمها و شروط حياتها. و لكن أن يقف التاريخ مندهشا أحتراما و إجلالا لشعب مرتين في يومين متتالين، لكي يسجل بنفسه أروع لوحات البطولات و الثبات، و قيم النضال الفاضلة التي قادها شباب السودان رجالا و نساء في خط مستقيم واحد، كل يقدم ما عنده من لوحات الجمال و البطولات، هذا لا يحدث إلا في السودان و شعبه العظيم معلم الثورات، الذي قد حطم قوانين الفعل السياسي الشمولي التي حاول العهد السابق أن يجذرها في المجتمع، في أروع ملحمة يقدم فيها صورا للنضال السياسي السلمي، لذلك وجد الأحترام و التقدير من كل شعوب العالم. 

تتوالى الأحداث و تتغير بسرعة، و الثابت الوحيد فيها هي المبادئ الثورية التي رسمت صورها علي وجوه المناضلين الذين جلجلت حناجرهم و هزت قواعد الطغيان المتهالكة، و يضعوا السودان علي طريق السلام و النهضة. هذه الثورة هي تجربة شعب يستمد قيم بطولاته من تاريخ ممالكه التاريخية مرورا بكل العصور، و في كل مرة يكتب بحروف من نور علي صفحة التاريخ، أن إرادت الشعوب لا تقهر "الطلقة ما بتقتل و لكن بيقتل السكات علي الظلم" لذلك خرجت الجموع و صدورها مفتوحة للرصاص في أروع ملحمة تاريخية للنضال السلمي ضد نظام أشتهر بالاغتيالات و أنتهاك الحرمات، و تحدي جبروته و قواته القمعية بثبات و عزيمة لا تلين، تحطمت أمامها كل أدوات القهر و القتل، و لم يبق غير صوت الجماهير تشق الفضاء لكي ترسم صورها التي تنادي لها الجميع.
أن التغيير بالفعل قد حدث لأن الشعب هو الذي يفرض شروط اللعبة السياسية الآن، و انسحاب عوض أبنعوف من قيادة المجلس العسكري و كمال عبد المعروف يؤكد أن القرار الآن عند الشارع الذي رفض مباشرة بيان أبنعوف باعتباره أحد رموز النظام السابق، هذا الرفض قد بناه الثوار وفقا لشروط الثورة و شعاراتها، و أن الحرية و التغيير الديمقراطي لا يمكن أن يحدث إلا بالآدوات التي تحقق قيم الديمقراطية و ممارساتها اليومية، و قبول الآخر و التحاور معه باعتباره يكمل النصف الآخر للحقيقة. فالتحول الديمقراطي لا يمكن أن يتم بالعقليات الشمولية و التي كانت قد مارست الإقصاء بكل صوره في مسيرة النظام السابق، و الذين لا يعرفون من مفردات السياسة غير الطاعة و الإذعان، يجب أن يعرف الكل أن هناك أختلاف كبير بين النظام الديمقراطي و النظام الشمولي القائم علي تركيز السلطات في يد شخص واحد، و لكن النظام الديمقراطي يتيح الفرص للجميع محكوما بالدستور و القوانين التي يتوافق عليها الجميع، ألان بدأت رياح التغيير تشق كل الحوائط الصماء.
أن التغيير الذي أحدثته الثورة، و هي تقدم شعارا من أعظم الشعارات التي تدل علي القيم الفاضلة " حرية سلام و عدالة و الثورة خيار الشعب" يدل علي الوعي و استيعاب الواقع و معرفة الهدف، الذي يعبد طريق السلام الاجتماعي. أن التغيير كان صنيعة شعب بكل فئاته العمرية، و إن كان للشباب فيه القدر المعلا، حيث أكد السودانيون من خلال الثورة أن حرية المرأة ليست شعارات و محاصصة ليس لها قيمة، أنما هي حرية تجسدت في دورها البطولي، و هي بنفسها تضع شروط مشاركتها، و تعرف كيف تصنع مستقبل بلدها، إنها القيم التي خلقتها الثورة في مسيرة أربع شهور، أكدت علي صلابة العود و قوة الجمع.
ألثورة أكدت أن وحدة الشعب و قوة صبره أداة قوية من أجل تحقيق أهداف الحرية و الديمقراطية، و حدة هذا الشعب من أجل القضايا الوطنية بالفعل تفجر الطاقات الكامنة عند الشباب، لذلك التغيير ليس هو تغييرا في الوجوه و الشعارات، أنما التغيير تصنعه الأفكار العظيمة و حوار هذه الأفكار، و صناعة المواعين التي يتم فيها هذا الحوار و أنتشارها تبدأ من التعليم و تغيير المناهج التي يجب أن تتلاءم مع الهدف بعيدا عن تأثيرات الأيديولوجية، و حرية الصحافة و الإعلام، و حرية الدراسات و البحوث، لكي تكتمل الصورة تماما بالتغيير في الثقافة لكي تتلاءم مع التحولات المنشودة.
هنيئا لشعب السودان بثورته و بشبابه الذين أكدوا أنه بالفعل الذين سيصنعون سودان المستقبل، و التحولات الجديدة في كيف يكون النضال، و في التسامي في سلمية النضال، لكي يشيدو صرح الحرية في البلاد. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////

///////////////