إن التغييرات التي تحدث في المنطقة الإقليمية الأفريقية و خاصة في القرن الأفريقي والمنطقة العربية تلقي بظلالها علي النظام القائم في السودان، و هناك دول رغم علاقتها بالسودان ولكنها تريد أن تجعل من نظام الإنقاذ عبرة لكل دولة يصل فيها تنظيم الإسلام السياسي للسلطة، و الحرب من أجل المصالح تتغير فيها التحالفات نتيجة لتغيير المصالح و كيفية تحقيقها، و نظام الإنقاذ الذي تديره عقلية الإسلام السياسي و العقلية العسكرية، وضع البلاد في موقف لا تحسد عليه، من خلال تحالفات لا تراع مصالح البلاد بل تدار الدولة لمصلحة فئة قليلة، ليس لها علاقة بالوطن أو المواطن، و هى لا تتردد في الدخول في تحالفات تضر بمصالح البلاد مادامت توفر لهؤلاء بعض من المكاسب، و لذلك تجدهم يتخبطون في سياساتهم، و يقدمون التنازلات حتى السيادية لكي يحصلوا علي بعض المساعدات البسيطة، في حالة من الإنكسار و الإنهزامية. وهناك رؤية لبعض دول الإقليمية أن تحافظ علي النظام الضعيف لكي يلبي لهم كل مطالبها دون أن تقدم مقابلا لذلك، سوي بعض الإعانات، و رغم إن النظام محسوب علي تنظيم الأخوان يريدون الحفاظ عليه بهذا الضعف، لأنهم يعتقدون أن تغيير النظام في السودان سوف يأتي بنظام مغاير ديمقراطي يسبب لهم الأرق أكثر، و ربما يتخذ قرارا فوريا بسحب القوات السودانية من اليمن التي تسبب لهم انتكاسة كبيرة في حربهم في اليمن.

إن الحرب التي تدور في المنطقة ليست حربا سياسية فقط، إن ما هي حربا اقتصادية بين الأطراف، كل حلف يحاول أن يكسب مزيدا من الحلفاء و جرد الأخر من أي علاقات تجعله في موقف قوة. و عندما قررت عدد من الدول محاصرة قطر " السعودية – الأمارات – مصر – البحرين" كان الهدف واضحا أن يتم تغيير النظام في قطر، أو الانصياع لمطالب هذه الدول، بهدف القضاء علي تنظيم الأخوان المسلمين في المنطقة، و إغلاق أي مصدر داعم لهم، و لكن قطر وجدت مساندة قوية من تركيا و أيضا إيران المناهضتان للنفوذ السعودي الأماراتي في المنطقة، و إن مصر في حالة من الأزمات لا تؤهلها أن تلعب دورا محوريا مؤثرا كما كانت تلعبه من قبل. النظام في السودان حاول أن يمسك العصى من النصف، و يتخذ موقفا محائدا، الأمر الذي أفقده مساعدة الحلفين إلا في حدود ضيقة، و بالتالي عجز أن تخذ قرارا لترك أحد الأحلاف، هذا الموقف هو الذي أدي لتقليل المساعدات، و جعله في حالة ضعف بائن، الضعف سوف يجعله يستجيب للمطالب نظير مساعدات ضعيفة جدا.

و إن كان تفكير كل من تركيا و قطر أن لا يجعلا النظام ينفض يده منهما و يتحول بصورة كاملة للحلف المقابل، لذلك قررا أن يجرا النظام السوداني الذي يعيش أزمته الاقتصادية في صراع أستراتيجي يجعله يغير فكرة موقف الحياد و يدخله في صراع اقتصادي مع الحلف الآخر. كانت زيارة الرئيس التركي الطيب رجب أردغان تعتبر خطوة في جذب السودان للحلف الذي يريد نظام الإنقاذ أن يدير له ظهره، لذلك كان الطلب ترميم ميناء سواكن، و هي فكرة لابد أن تكون قد تم الاتفاق عليها بين أنقرة و الدوحة، و إنها رسالة تقول إن أنقرة سوف تشكل حماية للخطوة القادمة التي سوف تقبل عليها الدوحة، لذلك طلب الرئيس التركي أبان زيارته من الرئيس البشير "تخصيص سواكن لتركيا لوقت معين لإعادة إنشاءها وإعادتها إلى أصلها القديم، لخدمة الأتراك الذين يريدون الذهاب للعمرة، و سيأتون إلى سواكن ومنها يذهبون إلى العمرة في سياحة مبرمجة" ثم بعد ذلك تكاملت فكرة تطوير ميناء سواكن و جعله ميناء لبضائع الترانزيت و خدمات سفن البضائع خاصة أن الميناء قريب من قناة السويس. و بالفعل تقدمت قطر بمشروع لتطوير ميناء سواكن. و وقع السودان شراكة جديدة مع قطر تموّل بموجبها الدوحة مشروعاً ضخماً بقيمة 4 مليارات دولار لإعادة تأهيل ميناء سواكن؛ "لجعله ميناءً رئيسياً لنقل البضائع" وقال في ذلك الوقت وزير النقل والطرق السوداني مكاوي محمد عوض مكاوي إن "قطر والسودان اتفقا حول الشراكة الجديدة بينهما بشكل كامل في إعادة تأهيل وإدارة ميناء سواكن".وأضاف "أن المشروع ضخم، ويتضمن إلى جانب الميناء إنشاء منطقة حرة، موضحا أنه تم تأهيل رصيفين لاستقبال الجيل الخامس من السفن بسعة مئة ألف طن. وأوضح وزير النقل السوداني أن هذه الخطوة ستعيد لميناء سواكن دوره الاقتصادي الحيوي التاريخي، حيث إنه كان معبرا لأفريقيا، ويشكل محطة اقتصادية حيوية لها.

هذا الاتفاق كان لابد أن يثير القيادة الأماراتية، باعتبار إن الفكرة سوف تشكل منافسة قوية لميناء جبل علي الذي يعتبر أكبر ميناء بحري في منطقة الشرق الأوسط، والمنشأة الرائدة في محفظة موانئ دبي العالمية" وبفضل موقعه الاستراتيجي في دبي وعلى مفترق طرق التجارة العالمية، يؤمّن ميناء جبل علي نفاذاً إلى أسواق أكثر من ملياري شخص. ويلعب الميناء الذي يعتبر مركزاً متكاملاً متعدد وسائط النقل البحري والبري والجوي، مدعّم بمنشآت لوجستية واسعة، دوراً محورياً في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة. إن تطوير ميناء سواكن سوف يؤثر علي خدمات جبل علي في دبي و أيضا علي الخدمات التي تقدمها قناة السويس، و لكنه ذو حيوية للاقتصاد السوداني، و سوف يجعل من السودان منطقة حيوية لبضائع الترانزيت التي تدر عليه مليارات الدولارات، و بالمقابل سوف تنعش الطرق بين السودان و دول الداخل الأفريقي التي لا تملك مواني علي البحر، و أيضا سوف تنعش السياحة و مرور العديد من العابرين و تساعد علي تطوير الصناعة السودانية اليدوية و الفندقية.

هذه الفكرة التي قدمت عليها تركيا و قطر لتطوير ميناء سواكن كان لابد أن تجعل دولة الأمارات العربية المتحدة أن تتحرك في اتجاهات مختلفة لحصار النظام في الخرطوم دون أن تقطع معه العلاقات، أو تناقش معه الفكرة، و لكن الحصار سوف يجعله خاضعا لها إذا كانت تمد له يد العون في مساعدات شحيحة جدا لا تسمن و لا تغني من جوع، حتى يتم إجهاض الفكرة بالكامل. و أهم خطوة أن تعزل السودان من محيطه، و تجعله في حالة من التفكير المستمر في كيفية حماية نفسه، لذلك بادرت كل من السعودية و الأمارات عند زيارة رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد لهما بإطلاق سراح كل الأثيوبيين المحتجزين في السجون، ثم جاءت بسرعة رد الزيارة من قبل ولي العهد الأماراتي محمد بن زايد لاديس أبابا، حيث قدم معونة اقتصادية كبيرة لأثيوبيا، وأفاد أحمد شيد رئيس مكتب شؤون الاتصالات الحكومية في إثيوبيا في تصريح صحف " بأن الإمارات ستُودع مليار دولار في البنك الوطني لإثيوبيا في غضون أيام قليلة لمعالجة نقص العملة الأجنبية. و قال شيد أن الوديعة سيكون لها تأثير كبير في تخفيف نقص العملة الأجنبية في البلاد، مضيفا أن المبلغ سيُستخدم في قطاعات اقتصادية تعطيها الحكومة أولوية. وبين رئيس مكتب شؤون الاتصالات الحكومية أن الإمارات وافقت أيضا على تخصيص ملياري دولار إضافيين لاستثمارات مختلفة. و هذه خطوة لها ما بعدها، تعيد أثيوبيا إلي استخدام ميناء مصوع بدلا من بورتسودان، و أي توتر للسودان مع أثيوبيا سوف تعيد النظام السوداني للحضن المصري و تنفيذ مطالبه.

كان رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد قد دعا أريتريا في خطابه في البرلمان عقب انتخابه رئيسا للوزراء الحكومة الآريترية للجلوس الى مائدة الحوار، وقال أبى أحمد ان ” الشعبين الارتري والاثيوبي لا تجمعهم المصالح المشتركة فقط بل ايضا الدماء المشتركة” وقال ” سوف نقف بجانب أشقائنا الأفارقة بشكل عام وجيراننا على وجه الخصوص في ظروف الشدة وأوقات الرخاء ايضا”. و قد وافقت أريتريا علي الدعوة و أن الرئيس الإرتري، إسياس أفورقي، قال خلال احتفال بلاده بيوم الشهداء، اليوم، إن بلاده سوف ترسل وفدا إلى العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، للتعرف على موقف رئيس وزرائها الجديد أبي أحمد، ورسم خطط مستقبلية، واصفاً مفاتحات السلام الأخيرة من جانب إثيوبيا بأنها «رسائل إيجابية» هذه الموافقة السريعة من قبل أريتريا دون انتظار الخطوة التالية التي سوف يقوم بها رئيس الوزراء الأثيوبي، تؤكد إن دولة الأمارات لها دور كبير، في أقناع الرئيس الأريتري أن يقبل الدعوة بسرعة، و هي خطوة سوف تساعد أبوظبي في مهمتها تجاه مواجهة الدور القطري الاقتصادي في السودان، و أيضا سوف تقوم دولة الأمارات بتأهيل ميناء مصوع في أريتريا لكي تجهض المشروع القطري في سواكن. كما تجعل النظام الذي فقد علاقته الودية مع اسمرا أن يفكر مليئا في كيفية مواجهة التحديات المقبلة، و الحلف الذي أقامه النظام مع أديس أبابا ليس له فاعلية في المستقبل، و يشعر النظام بالحصار المضروب عليه نتيجة لتعاونه مع قطر و تركيا.

الغريب في الأمر: إن السودان نفسه من خلال قواته في اليمن يسعى لاجهاض المشروع القطري التركي في سواكن، من خلال مساعدة القوات السودانية للقوات الأمارتية لكي تسيطر علي ميناء الحديدة و طرد الحوثيين من الميناء، حتى يتم لدولة الأمارات السيطرة الكاملة علي المواني التي تقع في البحر الأحمرو حماية ميناء جبل علي في دبي من أي منافسة مستقبلية، و النظام في السودان ليس له خيارات سوي الاستجابة لطلبات التحالف السعودي الأماراتي في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها، و كما قال وزير المالية الركابي في حديثه للبرلمان إننا فشلنا في الحصول علي دعم مالي من الخارج كلها كانت وعود دون تنفيذ.

يصبح السؤال إذا كانت دول التحالف السعودي الأماراتي لا ترغب في استمرار النظام في الخرطوم، لماذا تبق علي العلاقات معه و لا تساعد علي إسقاطه؟

يعلم التحالف السعودي العربي إن إسقاط النظام القائم أيضا ليس في مصلحتهم، لآن البديل سوف يكون نظاما ديمقراطيا، و النظام الديمقراطي سوف يحي ثورات و انتفاضات الربيع العربي في المنطقة، الأمر الذي يشكل تحدي للنظم السياسية في دول الخليج، كما إن النظام الجديد أول ما يفكر فيه هو سحب القوات السودانية من اليمن، الأمر الذي سوف يعرض الحلف لانتكاسة و يجعل الدولتين " السعودية و الأمارات" أن تدفع بقوات مشاة كبيرة للساحة اليمنية و زيادة عدد القتلي وسط قواتها سوف يكون له انعكاسات سالبة في الدولتين، تدفع بمعارضة للحرب، خاصة إن هذه الدول فيها العديد من الخلايا النائمة. و لكن الدولتان تفضلان أن يكون التغيير عبر أنقلاب عسكري في الخرطوم كما خططت له في مصر من قبل، يعيد إنتاج النظام الشمولي خالي من الإسلاميين و الديمقراطيين، و لكن وجود أعداد من الإسلاميين في قيادة الجيش السوداني تجعل الفكرة فيها مغامرة كبيرة بإعادة الإسلاميين مرة أخرى في صناعة القرارات، الأمر الذي يجعل التحالف السعودي الأماراتي لا يقبل علي الخطوة، إلا بعد ترتيبات تضمن عدم عودة الإسلاميين تحت أي صورة من الصور.

السؤال هل قيادات الحزب الحاكم مستوعبين للذي يجري في منطقة القرن الأفريقي و المنطقة العربية و المخططات التي تريد تنفيذها بعض هذه الدول؟
إن هناك قيادات داخل المؤتمر الوطني مستوعبة لما يجري في المنطقة، و هؤلاء هم الذين يتحدثون حول كيفية إعادة الحوار مع القوي السياسية و التفاكر حول مستقبل البلاد، و هؤلاء هم الذين قابلوا السيد الصادق المهدي في القاهرة، و هم الذين طلبوا الحوار مع الحزب الشيوعي و البعثيين و غيرهم من القوي السياسية إن كانت في نداء السودان أو في قوي الإجماع الوطني، و لكنهم أيضا يجدون معارضة داخل تنظيمهم. و في الجانب الآخر إن جماعة الإسلام السياسي أيضا مستوعبين ما يحدث و همهم الأول أن لا يسقط النظام و يمكن أن يتم ترميمه بما لا يلقي سمته الأساسي. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.