عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بالامس وقفت نخلة شامخة أحد سواقي بارا في تحد لجرافات احمد هارون. لعلها وستظل تقف في حزن لا يبارى اذ فقدت لاول مرة طوال عمرها الطويل انيسها الأثير من شجر الليمون والبرتقال ونفحات ذاك الأريج الذي يأتيها وقتما تدفق الماء على جداول الفجل والبصل والطماطم والشمار. لأول مرة على مر قرون من الزمان يفقد المكان غطاءه النباتي المروي الذي يتكامل مع المزروع المطرى الذي بهما تميز ذلك الطراز المنقوش في عطائه وجهد إنسانه امتدادا لإقليم صناعة الغذاء على مستوى الحزام السوداني. تلك هي المنطقة التي شهدت عراك السلطنات السودانية القديمة من اجل السيطرة عليها طمعا في ما تميزت به كمخزن للغذاء الذي من فيضه أخذ ذلك الحزام السوداني شخصيته المتميزة وصلاته الانسانية والاجتماعية والدينية. المكان الذي اعطى المهدية الدعم البشري والمنعة المادية التي لولاهما لما تحولت الثورة المهدية الى ثورة قومية ما كفل لها كل عناصر الانتصار. المكان الذي شكل العمود الفقري لاقتصاد الدولة الاستعمارية قبل مشروع الجزيرة. وهو المكان الذي جمع السودانيين على صعيد واحد واعطى كل شخص او جماعة كل حسب حاجته ووفق طاقته. هنا يكمن احد أسرار تماسك ذلك السودان الذي اخرجنا منه جميعا الاسلاموييون ذات يوم ونسعي الان بجهدنا الجماعي لاستعادته. ذلك امر لم ولن يخطر على فكر او ضمير او وجدان احمد هارون وصحبه من الاسلامويين الذين بالنسبة لهم هذا المكان الذي يسمى السودان هو مجرد فرصة تقتنص او كسبا يسعون له بكل السبل وعلى رأسها ووسيلتهم الناجعة في ذلك هي العنف.

نعم اننا هنا نواجه اولا : ما درج عليه الإسلامويون من يومهم الاول وانقلب عليهم شر منقلب وهو ذلك الاستبداد الذي حول المواطنين الى رعايا تفعل الدولة بهم وفيهم ما تريد. لا قيمة و لا كرامة لهم ولا احترام لإنسانيتهم. لا شك ان كرامة الانسان تمثل قيمة أساسية للذات الانسانية في الشخص لكونه إنسان ومواطن في ذات الوقت باعتبار الاول هو اصل الخلق والثاني هو اصل قيمة الانسان في الجماعة التي تجمعه معهم القيم العليا للمواطن في الوطن وبالوطن. ولقد شهدنا البيان بالعمل في أشكال استبداد الاسلامويين الذين لم يصن لهذا الانسان كرامة في ماله اوما يملك اوفي حياته. ولعل ما ظل يقدمه احمد هارون طول علاقته مع هذا النظام هو عدم احترامه لكرامة الانسان السوداني كمواطن له الحق في الحياة في دار فور وفي جنوب كردفان. الان نرى الامر يتكرر ويتجدد في عدم احترام كرامة هذا الانسان وحق هذا المواطن في ان يتملك في بارا شمال كردفان.

ونوجه ثانيا: في مشروع احمد هارون جزءا او امتدادا لمشروع راسمالية الاسلامويين الجديدة في شراهتها وفي علاقتها برأسماليات اخرى متطلعة وشرهة ايضا في المنطقة من اجل الاستيلاء على الارض و"استثمارها" في مشاريع لافائدة منها للمواطن بل عن طريق مثل تلك المشارع يتحول المواطن لاجئا او فقيرا معدما في موطنه. لذا وبقدر ما يمكن نصف ارتباط احمد هارون بالجنجويد الاول ضد مواطني دارفور وارضهم وسلامهم الاجتماعي نجده هنا يكرر ذات المشروع عن طريق جنجويد جديد من راسمالية الإنقاذ الجديدة المتآلفة مع رأسماليات مشابهة في المنطقة من اجل الاستيلاء على مجال سوداني ظلت قيمته المادية والإنسانية هي احد مقومات الوجود السوداني في عطائه العام والخاص له ولانسانه.

نعم لقد ظلت النظم الاستبدادية منذ نظام عبود عديمة الضمير والوجدان تجاه المواطن السوداني الذي هو عندها بعض من الرعية لا كرامة له يمكن ان تحترم ولا ملكية فردية او جماعية له في الارض يمكن ان تحترم. والأدلة على ذلك كثيرة بل اصبح بعضها من ما اكتسب به الاستبداد أسوا معانيه مثل قضية مواطني حلفا. غير ان ما جاء من الإنقاذ من استبداد واستهانة بكرامة الانسان ليس له مثيل ونحن والعالم شهود.

كل ذلك يجعل من قضية بارا في سواقيها والقيمة المادية والإنسانية لهذا الطراز المنقوش قضية قومية ذات ارتباط قوي بوجودنا كمواطنين سودانيين في وطننا السودان لا رعايا في ظل دولة الاستبداد الاسلاموية. لذا نتوجه للرأي العام والضمير السوداني.