«السودان/الديمقراطية أولاً»، هي منظمة طوعية سودانية، غير ربحية، تتعاطى مع قضايا الشأن السياسي السوداني وإفرازاته الفكرية من موقع مستقل وغير حزبي، دون أن تنخرط في العمل السياسي المباشر. تأسست المنظمة في العام 2010 بواسطة مجموعة من الأكاديميين والنقابيين والنشطاء السياسيين السودانيين من مختلف الخلفيات الثقافية والإثنية، وحددت رؤيتها وأجندتها الرئيسية في المساهمة مع المنظمات الشبيهة من أجل بناء حركة مدنية سودانية قوية، تهتم بقضايا التحول الديمقراطي والسلام والعدالة والتنمية في السودان، محددة انحيازها لصالح الأغلبية الصامتة في المجتمع السوداني، ولصالح بناء المستقبل. وبسبب السياسات القمعية للنظام البائد، تسجلت المنظمة في كل من جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، وكمبالا عاصمة جمهورية يوغندا. آخر الأنشطة الهامة للمنظمة رعايتها وتكفلها بتنظيم الاجتماع الهام الذي التأم خلال الأسبوعين الماضيين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وضم مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير من قيادات الحركات المسلحة السودانية وقيادات الأحزاب السياسية السودانية وتجمع المهنيين السودانيين وقوى المجتمع المدني السوداني. وحُدد الهدف من الاجتماع في توحيد الموقف التفاوضي لقوى إعلان الحرية والتغيير تجاه المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي حول انتقال السلطة من المجلس العسكري الانتقالي إلى الحكومة المدنية الانتقالية، بما في ذلك الموقف الموحد تجاه قضايا السلام الشامل وتضمين ذلك في الإعلان الدستوري الذي سيحكم الفترة الانتقالية. كما بحث الاجتماع بناء هياكل تحالف قوى الحرية والتغيير. وجاءت نتائج الاجتماع مستجيبة لتحقيق هذين الهدفين. من جانبي، شاركت في هذا الاجتماع إثر دعوة كريمة من منظمة «السودان/الديمقراطية أولاً»، الجهة الراعية والمنظمة، للعمل كميسّر ومقرّب لوجهات النظر، ووجدت مشاركتي ترحيباً حاراً من الجميع.

قرارات الاجتماع نشرت بالكامل في وسائط الإعلام المختلفة. ولكن، وحتى تكتمل الصورة، أتقدم بالنقاط والمشاهدات التالية حول ما دار من نقاشات وحوارات، تعالت خلالها الأصوات أحياناً، واتسمت بالحدة تارة، لكنها انتهت بابتسامات الرضى والتوافق:

أولاً: الفكرة الرئيسية التي كانت مخيمة على الاجتماع، ونجح إلى حد كبير في تحقيقها، هي الربط بين قضايا السلام والتحول الديمقراطي وتوحيد مناقشتهما في منبر واحد، تفادياً للفصل التعسفي بينهما، الذي اتسمت به الحوارات والمفاوضات إبان عهد البشير البائد، والتي كان دائماً حليفها الفشل التام، حيث لا تحقق السلام ولا نعمنا بالديمقراطية. بالطبع، لم يكن الاجتماع مؤتمراً للسلام، وإنما لبنة أولى في اتجاه التحضير له، والذي تقرر عقده مباشرة وخلال الشهر الأول من تولي رئيس الوزراء الانتقالي منصبه.

ثانياً: رغم السنوات الطوال الممتدة منذ بدايات الإنقاذ للعمل المعارض المشترك بين الحركات المسلحة والقوى السياسية، فإن جدار الثقة بين هذه التنظيمات سريعاً ما يهتز وتبدأ تصدعاته، خاصة في المنعطفات السياسية الحادة. هذه ظاهرة يمكن بحثها في مجال آخر، ولكن يلزمنا القول بأن توقيع الشق غير المسلح لقوى الحرية والتغيير، منفرداً على الإعلان السياسي مع المجلس العسكري ودون الشق العسكري، أثار غضباً واسعاً عند الأخير وصل حد التخوين واتهامات التآمر. صحيح أن الأمر تم تداركه، لكن يبدو أن الظاهرة ستلازمنا لفترة طويلة.

ثالثاً: ورغم أن إعلان قوى الحرية والتغيير، الموقع عليه من قوى النضال المدني والحركات المسلحة، نص على التقيد بمعيار الكفاءة ومعيار عدم المحاصصة السياسية والحزبية عند تشكيل هياكل الحكم الانتقالي، إلا أن القناعة بهذا النص وضح اهتزازها عند الحركات المسلحة. ويبدو أن اهتزاز القناعة هذا يعود إلى عدد من العوامل التي ظلت تلازم العمل المعارض المشترك، أهمها -في تقديري- تصدع جدار الثقة المشار إليه أعلاه، الذي عززه وزاد شقوق تصدعاته، اتساعاً، ما جاء في الإعلان السياسي الموقع عليه بين قوى الحرية والتغيير في الداخل والمجلس العسكري الانتقالي حول أحقية رئيس الوزراء في خرق قاعدة عدم المحاصصة، بتعيين شخصيتين حزبيتين في الحكومة الانتقالية، إضافة إلى نقطة أخرى، ربما من الأفضل أن تؤخذ في الاعتبار، وهي رغبة قيادات الحركات المسلحة في إرسال إشارات إيجابية إلى قواعدها وجماهيرها في مناطق الحرب بأنها ممثلة، وبالملموس، في موقع اتخاذ القرار في المركز.

رابعاً: من وحي محتوى المناقشات في الاجتماعات، وبحسب استطالتها لما يقرب الأسبوعين، مع ملاحظة أن النقاط المطروحة كانت في طبيعتها أقرب إلى المسائل إجرائية، أرى من الضروري أن يسبق مؤتمر السلام المقترح مجموعة من السمنارات وورش العصف الذهني حول القضايا الجوهرية التي سيناقشها المؤتمر، على أن يشارك في هذه الأنشطة، إضافة إلى قيادات وكوادر مكونات قوى الحرية والتغيير من القوى السياسية والعسكرية وتجمع المهنيين والمجتمع المدني، مجموعات المختصين والأكاديميين والمفكرين السودانيين، وممثلون للقوى السياسية خارج قوى الحرية والتغيير ممن لم يرتكبوا جرائم في حق الوطن والمواطن.
لقد شهدت الفترة التي أعقبت سقوط الإنقاذ إطلالة فجر جديد للعمل الوطني والهادف نحو بناء سودان جديد مستقر. فمن خلال الجهد المتصل والعمل المضني الذي شاركت فيه قوى الثورة طوال الفترة التي سبقت وتلك التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة، أمكن الوصول إلى العديد من المبادئ التي يستهدى بها العمل الوطني المشترك لكيما يفضي بالسودان إلى بر الأمان. وعلى رأس تلك المبادئ خيار الحوار السلمي بدلاً من الاحتراب، وتأكيد خيار التعددّية السياسية والثقافية والدينية بدلاً من الأحادية الإقصائية، وخيار الديمقراطية بدلاً من التسلط، مدنياً كان أم عسكرياً. لقد تميزت ثورتنا بإجماع شعبي يكتسي بكل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، هو الأول في تاريخ السودان الحديث. وقناعتي الشخصية، اغتنام هذه الفرصة التاريخية التي وفرتها الثورة، لكيما تلتقي بجدية وإخلاص كل القوى السياسية والتيارات الفكرية السودانية للعمل معاً لصياغة واقع جديد في السودان دشنته الثورة. وبناء الوطن بحاجة إلى جهود كل السودانيين بصرف النظر عن عرقهم أو دينهم أو ثقافتهم أو لغتهم أو معتقداتهم الفكرية والسياسية.

نقلا عن القدس العربي