في سعيها الدؤوب للحفاظ على مصالحها وأوضاعها المميزة، والمهتزة في آن واحد، تكثّف أنظمة الإستبداد والطغيان في منطقتنا، من إستخدام مساحيق التجميل، السياسية والقانونية، بما في ذلك توظيفها لعلاقاتها الاقتصادية مع الدول المستثمرة في أراضيها، بهدف إخفاء طابعها الاستبدادي وإظهارها بصورة دولة المؤسسات العصرية. لكن كل هذه المحاولات التجميلية، تصطدم بثلاثة أسئلة تعكس جوهر الأزمة الخانقة والمستفحلة في هذه الأنظمة. السؤال الأول، يتعلق بشخصنة كل أجهزة الدولة، والدمج بين الدولة والوطن والحاكم، حزبا كان أم فردا، وما يترتب على ذلك من تآكل مستمر ومضطرد لكل هذه المكونات، والسعي لتطويع الواقع قسرا وبأية صورة ليتطابق مع مفهوم أو عقيدة الحاكم، مثلما كان يفعل بروكست، وفق الأسطورة الإغريقية، عندما يصطاد ضحاياه من عابري السبيل ويضعهم على سريره، فمن كان اطول من السرير تقطع أطرافه، ومن كان أقصر منه تشد أطرافه في محاولة لتكون على مقاس السرير. ويتعلق السؤال الثاني بأزمة دولة القانون، عندما تبدو الدولة وكأنها خارج نطاق مفهوم سيادة القانون.

فدولة الإستبداد، وفي سياق إستخدامها لمساحيق التجميل، تسعى لتوفير الصبغة الشرعية والحماية القانونية لكل ممارساتها وما يتعلق بمصالحها ومصالح الفئات الاجتماعية المرتبطة بها، غض النظر عن مصالح الفئات الأخرى، فتسن ما يروق لها من قوانين وتشريعات، حتى ولو جاءت مخالفة للدستور. وحتى هذه القوانين التي تسنها «بمزاجها»، يمكن أن تتراجع عنها أو تعدلها، في أي لحظة ترى فيها ما يعيق مصالحها، مادامت مؤسسات التشريع ومؤسسات حماية العدالة «مضمونة»، ومادام هناك سماسرة السياسة و«ترزية» القانون المستعدون دوما «لترقيعه» ولتوظيف أي ثغرات في الدستور، دون أي مراعاة للمصلحة العامة، ولتوازن المصالح الاجتماعيه والسياسيه للفئات المختلفه. والنتيجة المباشرة هي تفشي الفساد والمحسوبية، بل والجريمة المحمية، في جانب، وفقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها، إضافة إلى تزايد الشعور بالغبن والظلم، في الجانب الآخر. أما السؤال الثالث، فيتعلق بإغتراب المواطنين، أو لامبالاتهم، تجاه العمل السياسي المباشر وإبتعادهم عنه.

فالمواطن، يترسخ في ذهنه إصرار الحكام علي صد الأبواب أمام التغيير، وأمام الرأي الآخر، عبر تزوير الانتخابات مثلا، أو إستخدام جهاز الدولة الإداري والأمني لفرض قيادات نقابية غير مقبولة لجماهير النقابة، أو منع المبادرة الشعبية، شبابية كانت أو نسائية أو طلابية…الخ. وذات المواطن تترسخ في ذهنه صورة الفساد وقد فاض وأنتشر دون مساءلة، وصورة سوء استخدام أجهزة الدولة والمال العام لصالح المنفعة الشخصية، بينما أهل النزاهة محاصرون وممنوعون من ممارسة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يا ترى، هل سيكون لهذا المواطن أي إحساس بمصداقية الحكم بحيث يقدم، جماهيريا، علي المشاركة السياسية الفعّالة؟ ولما كانت الإجابة البديهية بلا، فإن أنظمة الاستبداد غالبا ما تلجأ إلى الحلول الإدارية لملء الفراغ السياسي الناشئ، فتدفع بالأجهزة الأمنية لملء هذا الفراغ، أو تلجأ لإستحداث أجهزة سياسية يقتصر دورها علي التهليل لإنجازات وهمية وخطط مستقبليه غير قابلة للتطبيق، بل وتهلل للقرارات التي من شأنها زيادة العبء على المواطن، كزيادة أسعار السلع الضرورية مثلا!

وأنظمة الاستبداد الحديثة، تتأسس في معظمها على نظام الحزب الواحد، صراحة أو محسنا بتعددية زائفة، أو بحكومة عدد من الأحزاب الصورية «الستلايت» التي تدور في فلكه. وهي تعمل على خلق نخبة من الموالين لها، أو على الأقل غير المصطرعين معها، يفيدونها ويستفيدون، ومهمتهم الأساسية هي الإنابة عن السلطة في أداء مهام لا تود، أو لا تستطيع، القيام بها مباشرة. فمثلا، تظهر نخبة جديدة من رجال الأعمال صغار السن، ليس لديها سابق دراية أو إرث بالأعمال، تتدفق الأموال بين يديها تدفقا يثير التساؤلات والشكوك حول مصادرها، يسيطرون على المواقع القيادية للحياة الإجتماعية والثقافية والرياضية في البلاد. وفي تواز معها، تظهر نخبة أخرى من الإعلاميين خطها الأساسي هو دعم النظام والترويج له بأساليب متنوعة تساعد في تجميل الصورة. وفي بعض الحالات، يشطح الحزب الواحد المهيمن، والمدمج في الدولة، إلى حد تجييش الخلصاء وعسكرتهم، بما في ذلك أبناء القبيلة والأسرة، لحمايته وضرب خصومه بطرق وأسايب تعف وتشمئز الشرطة وقوات الأمن التقليدية عن القيام بها. ولما كان توالد النخب الداعمة للنظام محدودا ومعتقلا في أقبية التسلط والأنانية، سنجد أن الأغلبية المحرومة من أبناء الشعب بعيدة عن هذه التوليفة المصطنعة والزائفة في حراك العمل والإنتاج، آثرة الإحتفاظ بالكرامة واليد النظيفة، بينما بذخ وترف النخب الحاكمة والموالية لها، يثير إشمئزاز الشارع.

والأحزاب المعارضة لأنظمة الاستبداد، غالبا ما تجد صعوبة حقيقية في إستنهاض المواطنين للعمل السياسي وفق الأساليب التقليدية المعتادة. بل وقد تفاجأ هذه الأحزاب، وكأنها فقدت قدراتها الإلهامية والتحريضية، فلم تعد الجماهير تستجيب لنداءاتها المتكررة بالخروج للشارع. لكن من الخطأ تصور أن إبتعاد الجماهير عن الفعل السياسي المباشر، في ظل أنظمة الإستبداد «الحديثة»، هو إبتعاد مطلق وخال تماما من بذور الحراك السياسي. فمن وراء الركود وحائط اللامبالاة السياسية، غالبا ما تختمر نطفة وعي جديد، تنمو وتتخلق، وتتغذى، عبر حبل سري، من تطورات الحالة السياسية للواقع، فتصطدم بقسوته وشروره، وتتركز فيها الاجسام المضادة له. وقطعا، تتدحرج في تلك النطفة جينات واقع نضالي مضى. ونطفة الوعي هذه، تنمو في نفس الوقت الذي ينمو فيه حاملها، مولودا ثم صبيا فشابا في ظل ذات النظام، وهي تحمل كل ما يؤكد أنها حين تكتمل ستنتصر، وتجربتا تونس ومصر هما خير من يشرح لنا ذلك.

إدراك قوى التغيير لهذه الأسئلة الثلاثة، وغيرها، هو أمر جوهري وضروري لأجل التعامل الخلاق مع الواقع، ومع جيل الشباب الذي ظل يحمل نطفة الوعي، تنمو وهو ينمو معها، ولأجل إجتراح التكتيكات الملائمة في الظروف المحددة، ولأجل إستخلاص البدائل الممكنة…، ولأجل الإنتصار.

٭ نقلا عن القدس العربي