"حيا الله شعب الجزائر وبياه [بياه أي بوّأه مكانًا حسنًا]"

بقلم دكتور عبدالله الفكي البشير

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أولى الأستاذ محمود محمد طه كفاح الشعب الجزائري اهتماماً خاصاً، فقد كتب عنه وظل متابعاً لمسيرة كفاحه الباسل منذ خمسينات القرن الماضي. فعندما تمكن الشعب الجزائري أثناء مقاومته الباسلة ضد الاستعمار الفرنسي، واعلان حكومته في المنفى عام 1958، حياه الأستاذ محمود ووصفه بـ "الشعب الصادق". جاء ذلك في مقال نشره بصحيفة أنباء السودان، بتاريخ 4 أكتوبر 1958. لم يكن ذلك المقال هو الوحيد، فقد كتب الأستاذ محمود قبل ذلك وبعده عدداً من المقالات منوهاً بالشعب الجزائري. فقد درج الأستاذ محمود على نشر مقال صحفي راتب بعنوان: "نظرات في السياسة الداخلية والخارجية"، ويأتي في أحيان أخرى تحت عنوان: "تطورات في الميدان السياسي الداخلي والخارجي"، هذا إلى جانب مقالات أخرى وعمود ثابت في فترات مختلفة، جاء بعنوان: "قضية اليوم" ثم أصبح لفترة قصيرة بعنوان "كلمة حق". كان الأستاذ محمود عرض في نظراته رأيه في السياسة الخارجية وما يدور في دول العالم، ويتناول الكثير من القضايا الإقليمية والدولية.

وبمناسبة الثورة الشعبية الجزائرية المندلعة الآن، نجدد تحية الأستاذ محمود محمد طه للشعب الجزائري، وننشر طرفاً يسيراً من ما كتبه عام 1958. استطاع الشعب الجزائري مساء يوم الاثنين 11 مارس الجاري، أن ينتزع من الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إعلاناً بالتراجع عن بعض القرارات السابقة، مع الوعد بإجراءات أخرى تصب في مصلحة مسار المستقبل السياسي للبلاد. فقد أعلن بوتفليقة في خطاب مكتوب للشعب الجزائري تخليه عن رغبته في الترشح للعهدة الخامسة، وأن الانتخابات الرئاسية التي كان مقرراً قيامها، ستؤجل إلى ما بعد انعقاد ندوة وطنية مستقلة تحت إشراف لجنة انتخابية وطنية مستقلة، كما تعهّد بتسليم مهامه للرئيس الذي سيختاره الشعب. وأجرى بوتفليقة بعض التعديلات؛ عين بموجبها وزير الداخلية نور الدين بدوي رئيساً للوزراء خلفاً لأحمد أويحيى. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلت الثورة الشعبية متواصلة، واعتبر البعض أن ما تم لا يرقى إلى أشواق وطموحات الشعب الجزائري الذي خرج يطالب بالتغيير الفعلي لا التغيير الشكلي.

ففي مقال للأستاذ محمود محمد طه تناول فيه هيئة الأمم، والجزائر، وثورة المجر وموقف الروس، والشعب السوداني وساسته، كتب عن الجزائر، قائلاً:
"الجزائر: حيا الله شعب الجزائر وبياه. فقد وصل المرحلة الأخيرة من مراحل كفاحه الباسل ولقد كان إعلان حكومته في المنفى بمثابة تدرج لهذا الكفاح الباسل الذي ظل طريداً مبعثراً يلوذ بأطراف الأرض رغم دقة نظامه وقوة بأسه.

ولقد اعترفت حكومات كثر بهذه الحكومة الجزائرية وستتلوها أخر وسيشد كل أولئك عضد هذه الحكومة الطريدة من وطنها وأرضها وسيؤيد من حجتها في الجمعية العمومية حيث ستنظر مشكلة الجزائر في الأيام المقبلة القلائل وستضطر فرنسا في آخر المكان إلى التفاوض مع هذه الحكومة الجديدة للوصول إلى حل لمشكلة هذا الشعب الصادق... وسيلقي علينا جميعاً اعترافنا بهذه الحكومة واجب إعادتها إلى أرضها وشعبها موفورة مظفرة وسنرى أن ذلك محقق الوقوع إن شاء الله وسنعود إليه بشيء من التفصيل فيما يقبل من حديث".

وبعد اسبوعين نشر الأستاذ محمود محمد طه مقالاً آخر، تناول فيه موضوع الشرق الأقصى، والصين، وجزر كيموى، وماتسو، وأمريكا، وتايوان، وزعماء العمال البريطانيين، والحاجة للاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان، كما تعرض للجزائر، فكتب عنها، قائلاً:
"الجزائر: لقد جاءت حكومة الجزائر المؤقتة في المنفى في الوقت المناسب إن لم تكن قد تأخرت عنه قليلاً ولكن الجنرال ديجول لا يزال ماضياً في خططه الغربية يعاونه بعض الموالين من الجزائريين وما أرى إلا أن محاولاته لدمج الجزائر نهائياً في فرنسا ستبوء بالفشل الذريع ولقد جاء اعتراف الدول التي اعترفت بالجزائر - ونحن منها - بمزيد من القوى لهذه الحكومة التي أكسبت كفاح الجزائريين صيغة رسمية وأعطته نوعاً من المشروعية والتنظيم جعل من الميسور على العاطفين على الجزائريين ان يتعاملوا في البيع والشراء مع هذه الحكومة التي تمثلهم تمثيلاً صادقا".