عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... سَأَعُوْدُ ، اليَوْمَ يا سِنَّارُ، حيثُ الرَّمْزُ خَيطٌ من بَريقٍ أسْود، بينَ الذُرى والسَّفْحِ، والغَابةِ والصَحراء، والثَّمرِ النَّاضِجِ، والجِذْرِ القديم. لُغَتي أَنْتِ، وينْبُوعِي الذي يؤوي نُجُومي، ... فافتَحُوا، حُرَّاسَ سِنَّار، اِفْتَحُوا لِلعائِد اللَّيليةَ أَبْوابَ المَدينة ..."
(ديوان العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الثَّاني: المدينة" : د. محمد عبد الحي).
بوصفكَ رِيفيَّ المولدِ، والنشأة، والثقافة، عرفت المدينة الكبرى زائراً ومقيماً بضعة أشهر فيها، وقد خبرت بعض معالمها، وقليلاً من سلوكيات أهلها، وسعياً وراء التعليم النِّظامي، تَجد نفسك واحداً من المقيمين "شبه" الدائمين بها، فهذا "لَعَمرِي" أمر جلل له ما له، وعليه ما عليه من مقارنات "حارقة " وملاحظات صادقة، وأحكام شبه قطعية ستلازمك وقتاً يستطيل ويتمدَّد على مساحات وأزمان رحيلك المتعدِّد، وسفرك المتنقل في عوالم الجغرافيا والناس حتى انبلاج فجر الحقائق، وانفتاح مغاليق الخلائق.
هب أنكَ "بأريحيةٍ ريفية الحواشي والمتن" استطعتَ أن تُوسِّع من حلقات دائرة معارفك وزملائك والأصدقاء، وأنك قد فُتحت لك أبواب المدينة بمصاريعها الثقافية، فانخرطت في العمل الثقافي "عِرِّيفاً" للفعاليات، والأسابيع الثقافية والرحلات، بل صرت عضواً "مُؤِسِّساً" للمنتدى الشِّعري بدار اتحاد الطلاب بالجامعة، مرافقاً أميز الشعراء "الشباب" حينها، ومنهم - على سبيل الذكر لا الحصر- : عاصم حنفي، جعفر إسماعيل، عبد الناصر ميرغني صالح شربل، عبد القادر محمد عبد القادر، محي الدين الفاتح، محمد عبد القادر محمد خير، محمد عبد القادر سبيل، سميرة الغالي، مجدي حسبو، حسن إسماعيل، أحمد الغالي، إبراهيم عابدين، وآخرين وأخريات.
إضافةً إلى تمتعكَ بصحبة نفر طموح إلى المعرفة والتحاور حول الفكر والأدب الشعبي السوداني، ورواد المدارس الفنية والأدبية السودانوية، أمثال د. محمد عبد الحي، والنور عثمان أبكر، وبروف الصلحي، وبروف أحمد عبد العال، وصلاح أحمد إبراهيم، ومحمد المكي إبراهيم، والفيتوري، ومحمد سعد دياب، والطيب صالح، والمجذوب، وشاعر البطانة الحاردلو، وغيرهم من رواد الشعر والتشكيل والرواية في السودان.
وقد كانت جمعية التراث واحدة من روافد نهر التثقيف لديك، بانفتاحك على العالم العربي في أبعاده الثقافية الأدبية والفكرية، وذلك بالاطلاع على ما انتجه الكتاب من روايات وقصص وأشعار وكتب نقدية وأخرى فكرية، فكنتَ تقرأ محاوراً الكاتب وتقارن. تعرَّفت على محمود درويش، وسميح القاسم، والأبنودي، وسيد قطب، والمسدي، والجابري، ونصر أبو زيد، وغيرهم. كما تعرَّفتَ على بعض رواد الأدب الأفريقي المعاصر، ومنهم ليبولد سيدار سنغور، وولي شوينكا، وانغوقي واثيانغو،و عثمان سمبيني، وغيرهم. وامتد التواصل إلى ما بعد التخرج مشاركاً في المنتدى الثقافي بدار المعلمين، حيث ضم المنتدى زملاء وزميلات الجامعة إضافةً إلى مهتمين بالشأن الثقافي والفني العام.
ومن أهم الفعاليات التي كان لها الأثر الفعال في مستقبلك المهني، الأسبوع الثقافي بالجامعة الذي درج اتحاد الطلاب على إقامته سنوياً. فقد كنت تحتلُّ موقع العِرِّيف الذي يقدم فقرات البرامج، خلف المايكرفون، وقد تصادف أن زارك المذيع سر الختم عثمان صاحب البرنامج الإذاعي الأبي الثقافي الشهير (عَنَاقِيْدُ الكَلام، والذي شاركتَ "بمحبَّةٍ" في تقديمه لاحقاً) وقد كنت تتابعه بشغف وليلُ بلدتك الحبيبة يغريك بالسهر وانفتاح بوابات الرحيل والسفر البعيد عبر الأثير. تعرَّف عليكَ عارضاً لكَ الانضمام "مذيعاً" بالإذاعة السودانية (هنا امدرمان) إن كنتَ ترغب في ذلك. ومَنْ مِنَّا لا يرغب مُتشرفاً بهنا امدرمان ؟!
كنت "حينها" قد توطنت مدخلات الثقافة الجامعية فيكَ، نتيجة عملية التفاعل والتَّثاقف Acculturation باقتباس الخصائص الثقافية بين جماعة المهتمين بالعمل الثقافي والعاملين في حقله من طلاب الجامعة وزائريها المداومين. ومصطلح التثاقف كما يرد في أدبيات التَّغير الثقافي، يشير إلى انتقال الفرد من بيئته التي شبَّ فيها، للعيش في مجتمع آخر ذي ثقافة تختلف "كثيراً أو قليلاً" عن ثقافته. وعبر عملية الاحتكاك والتواصل الحي المباشر،يكتسب قدراً من ثقافة هذا المجتمع الجديد، وهي عملية حيوية (دينامية) مستمرة تتم بوعيٍ أو بدون وعي، لتكون نتيجتها اكتساب أنماط سلوكية تختلف "كثيراً أو قليلاً" عما ورثه من ثقافة في مجتمعة الأم (الأصل).
ونواصل