عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... القَمْحُ مُرٌّ فِي حقُوْلِ الآخَرِيْنَ، والمَاءُ مَالِح. والغَيْمُ فولاذٌ، وهذا النَّجْمُ جَارِح. وعَلَيْكَ أَنْ تَحْيَا، وأَنْ تَحْيَا، وأَنْ تُعْطِي مُقَابِلَ حَبَّةِ الزَّيْتُوْنِ جِلْدَك. كَمْ كُنْتَ وَحْدَك..."
( مَدِيْحُ الظِّلِّ العَالِي: محمود درويش).

وهكذا، اِنْسلَّ سيفُ التجاذبات من غمده، وتعرَّى عَصَبُ التَّوهانِ وتوهَّج، واندلق السؤال على "تبروكة" السفر الرحيل، يجر السؤال الرحيل، ويسافرُ آخر حازماً التّمترس في الوسط، ليمرح طيف الأسئلة "الحلال" في عشب اليوم ، والغد والأمس، باحثاً عن إجابات رَطباتٍ مترعات باليقين، شافيات يجفِّفنَ هواجس النفس الغارقة في عشقها الصوفي المعلَّق بالأرض التراب وأزوالها مَن هو كائنٌ، أو غادرنا إلى دنيا الخلود، متنازع بين أحلام المآلات الأوَامِن، وبين ما يجب، ولا يجب !. لتحتلَّ إيقاعَ ثواني الزمانِ ومساحاتِ بوصاتِ المكانِ، إفاداتٌ ثمينةٌ تتلخَّص في أنَّه القرارُ الذي عليك الاقتناع به، ومن ثَمَّ اختياره، فاتخاذه مسنوداً بالدوافع الإيجابية (ذرائعيةً كانت، أم تكامليَّة) التي تحركك نحو ما يجب فعله، تجاه ما أنت فيه من تلاطم أمواج بحرك الشَّخصي الذي كانت أغواره تجنح إلى السكون، وكان سطح مائه رائقاً صافياً ترسم عليه المراكبُ الشراعيةُ والسُّفُنُ والقراربُ خطوط سريانها اليومي الهادئ، تمهِّد أسباب الرِّزق لمنتظريه من الأهل والأقارب والأصحاب.

وكانت زبدة هذا العصف الذهني القاصد معالجة ما يختبئ في أكمام مستقبلٍ سيجيء يحملنا وصولاً إلى تحقيق بعض الذات، ويكفينا لُجَجَ الحاجة ومعضلات السؤال. بجانب تلاطمات أمواج تسونامي العاطفة البكر المتقدة في مَدِّها وجَزْرها تجاه (الوطن، الحياة،والإنسان)،نواحي بلدتنا الحبيبة (وداكونه) وقريناتها من بناتِ الأرياف، مروراً بالرنك، وكوستى، حتى قلب أمدرمان (الإذاعة). حيث تناسلت التساؤلات المحورية الأساس، فولدت صوراً ومشاهد ماضيويةً حاضرة تقول:
هَبْ أنَّكَ أنتَ أنا الذي ولد ونشأ في البلدة الحبيبِ تاريخُها وجغرافيتُها النفسية والاجتماعية والإثنية والثقافية على وجهها الأعم. وأنك تشبَّعت منها حتى نزَّت معارفك الحياتية ثريةً بمضمونها سمح التفاصيل، قُزُحي الإهاب السُّودانوي، فصرت منها كعود الصندل تضوع عبقاً إنسانويَّاً تُغنِّي بلسانٍ يلهج عائدا إلى سنَّار مُطوَّلة قصائد د.محمد عبد الحي المجارية مُطولة TS إليوت شاعر الإنجليز The Waste Land (الأرض الخراب)، تستدعي صوراً مغمورةً برماد الأيام نافخاً في جمرك "اليوميِّ" حيواتٍ تستعِر أحلاماً وسفراً متجدِّداً فرحيلا، " بالأمسِ مرَّ أوَّلُ الطُّيورِ فوقَنا، ودارَ دورتين قَبْلَ أن يَغيب... الليلة يستقبلني أهلي. أرواح جدودي تخرجُ من فضَّةِ أحلامِ النَّهرِ، ومن ليلِ الأسماء. تَتقمَّصُ أجسادَ الأطفالِ، وتَنفُخُ في رِئةِ المدَّاحِ، وتَضْربُ بالسَّعدِ عَبْرَ ذِراعِ الطَّبَّال ..." . وأنَّك أيضاً مُتَقَمَّصٌ بروحٍ طروبٍ يهُزُّكَ ماضياً فيك صوراً منحوتةً على جدران ذاكرتك البتولِ وهي تختزنُ أماناتِ التَّاريخِ الإنساني الرِّيفي الفخيم مُتداخلِ القسمات والإيقاع الموشَّى بِــــ (فنجفانج ونقاقير) السِّليم، ورقصات (طورو، وطوم) الشلك الاحتفالية بفرح الأحياء، وغياب الأموات في طقوسها الدرامية (الكوميدية والتراجيدية) الجادة. وكذا شهدْتَ طقوس الزَّار الموسمي الرَّاتب في البلدة الحبيبة، بإيقاعاته المميزة (البُوريه، والبابِنْقه، والطُّمْبُره) النَّازة تحليقاً في ما ورائيات الواقع الشاخص المُعاش بكل ثقله، وهارمونيته واستجابات المتزوجات من النساء وبعض عذراوات البلدة، رقصاً (نزولاً) قد لامست أحلامهنَّ الصَّبيَّات بروقٌ من وعدٍ وأملٍ يرجَوْنَ تحقُّقه، وهو محتجبُ خلفَ سحاباتٍ داكناتٍ يتمنَّعنَ هطولاً سخياً من المطر (التِّلْوِيِّ) العنيد.ولكنَّ بروق الزَّار تلامس العصب النسويَّ مشرِّدات سحابات أغلال العقل الجمعيِّ فيهنَّ، الضارب سيطرةً على الأنفس وحظائر (زرائب) تقاليد المجتمع حينها. آنئذٍ، كُنْتَ ومُجايلُوكَ تتزاحمون مساءً على طَاقات (شبابيك) الغرفة (الأُوْضَه / الدَّانْقَه) الماهلة المزدحمة بالنساء (المُدسْتِرَات) النَّازلات على ساحتها، تُراقبونهُنَّ، وكل منهُنَّ ينزل عليها دستورها (عيال ماما) فتتراقص كالحمام المزبوح، عارضةً طَلَباتها التي تشي بالحرمانِ وتمهِّدُ للانطلاق مرتعا. وما كان يجري من طقوس للزار في البلدة تؤمه النساء فقط، ومحرم على الرجال والشباب، وهو مختلف تماماً شكلاً ومضموناً عما يتم من حفلات زار في المدن الكبرى ومنها العاصمة. فبعض علماء النفس يرى فيه سدَّاً لحاجات النساء في ظل ظروفهنَّ التي يعشنها.