(١)

بتصرف ( نقابي) غير رشيد وضع احتجاج أفراد هيئة العمليات في جهاز الامن و المخابرات "سابقا"، البلاد في منطقة حرجة و نازفة.
كل القصص و الروايات و الشائعات التي حاولت جهات عديدة الصاق التهمة لمخططات الاسلامين لإرجاع حركة التاريخ للوراء باءت بالفشل الذريع ، و عرّت قوى اليسار و الحرية و التغير و تجمع المهنين بإنتهازيتهم الفاضحة حيث سلوك افراد هيئة العمليات اتسم بموقف احتجاجي انفعالي غير مدروس في آن واحد و خلا عن اي نزعة تأمرية لقلب النظام او تعويق مسار الثورة بقصد، الا من بعض تداعيات العملية من قرب مقار تلك القوات من منازل المواطنين وسط الاحياء السكنية مما بث الخوف و الهلع إضافة لإغلاق المجال الجوي للسودان لعدة ساعات .
هذا الحدث الطارىء غير المتوقع أوضح مما لا يدع مجال للشك أن الخرطوم لا تحتمل رصاصة واحدة في الهواء، ناهيك عن إشارات قوية لحرب المدن، خاصة إذا نظرنا الى احداث و كوارث تُشاهد يوميا و بكثافة على نشرات الاخبار في التلفاز.
هذا المؤشر مهم جدا للقوى السياسية المتصدرة المشهد اليوم لإدراك نعمة الأمن و عدم التفريط فيه خاصة لتكاثر اسباب الإنزلاق في وهدته.
الحدث ببساطته المفرطة من منفذيه الا أن أثره الأمني خطير و يتمثل في الآتي ، أولا عصف ب (أبو بكر دمبلاب) مدير جهاز المخابرات العامة احد أنبل القادة العسكريون خُلقا و إحترافية في عمله.
ثانيا كشفت هذه العملية هشاشة الساحة السياسية و انتهازيتها و لهثها لتصفية الحسابات و التخلص من الخصوم السياسية دون المراعاة لقواعد اللعب السياسية و ما يحيق الوطن من مخاطر.
ثالثا أظهر الحدث بشكل حاسم دور المنظومة الأمنية بقيادة القوات المسلحة الضامن الأوحد لوحدة السودان و تماسكه الوطني .
(٢)
صاحبت القضية تصريحا غير مناسبا لنائب رئيس المجلس السيادي الذي شاءت الظروف أن يكون خارج البلاد لتأدية مهمة وطنية مقدسة، كان من الأجدر أن يترك الأمر لقيادة البلاد الموجودة لمعالجة القضية إعلاميا بشكل ملائم .
نعلم بأن نائب رئيس المجلس السيادي له معلوماته و أجهزة استخبارات الدولة بين يديه ، لانه احد الركائز الرئيسة للمنظومة الأمنية و تصريحاته مؤثرة و تأخذ ابعادا حساسة.
الفريق اول "حمدتي" خدمته ظروف شتى مثيرة للجدل و قدمته بخطى متسارعة ليصبح الرجل الثاني في الدولة .
أتى من صميم الهامش و بالتالي يدرك قضاياه و همومه .
سيرته تعبر عن ذكاء فطري و حدس صادق و نية حسنة لم تلوثها لعبة السياسة القذرة برغم دخوله طوعا أو كرها في دروبها العصيّة الشائكة.
٣-تبدو من تداعيات احداث احتجاجات هيئة العمليات لجهاز الأمن أن المنظومة الأمنية أهم الحلقات في سلسلة التماسك الوطني رغم تعرضها لتجاذبات داخلية و خارجية غاية المكر و الفحش و الذي يتطلب من قيادة تلك المنظومة وعيا اضافيا و ثباتا و صلابة و صبرا على المكاره ، إضافة لوجود قاعدة جماهيرية واسعة و واعية تساندها لتغذية مخزونها المعنوي حتى تجابه المخاطر الماثلة .
و من الطبيعي أن تدرك القوى السياسية الوطنية هذا الموضوع الحيوي و تعمل بطاقتها القصوى لدفعه للأمام بتجميع قواها حول مشروع وطني لا يستثني احدا.
(٤)
ظلال عملية أفراد جهاز الأمن داخليا كشفت ايضا عن سقوط أقنعة القوى اليسارية تماما و تهافتها المحزن لضرب القوى الإسلامية حتى لا تقوم لها قائمة و العمل على زيادة منسوب الحقد و الكراهية و التشفي في المجتمع السوداني بين كيانات مختلفة.
في الوقت الذي سقطت في امتحان الحرية، بإغلاق الصحف و القنوات الفضائية و الإذاعات المحلية من غير وجه حق او مسوغ قانوني و منطقي ،هذه المواقف خصمت كثيرا من مشروعتهم الثورية و خيانتهم لشعاراتها الأثيرة .
اليسار و على رأسهم "الحزب الشيوعي السوداني" لا يهمهم في هذا الوقت الا تصفية و إغلاق كل الحسابات القديمة تساندهم في ذلك شعور مكتنز بأن قوى إقلمية تساندهم في ذلك لإبعاد كل الإسلام السياسي بنسخه المنقحة و غير المنقحة ، و التي تحاول ان تتوائم مع مقتضيات الدولة الحديثة بسيادة القانون و المواطنة التي تعتمد على الحقوق و الواجبات من دون تميز للون أو دين أو عرق .
الفترة الانتقالية محفوفة بمخاطر عديدة لهمجية و طفولية بعض القوى اليسارية التي تساند حكومتها ، مع أن المنطق يتطلب تضامنا مجتمعيا واسعا لمقابلة تحديات و 0ظروف و مشكلات و تعقيدات تلك الفترة و الإستفادة من المد الثوري في الإنتاج و تعمير البلاد الذي يتأتى بالحب و ليس بالكراهية لتأسيس مرحلة جديدة تعتمد كليا على شعارات الثورة " حرية ،سلام،عدالة" .