عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تعقيب على مبارك الكودة
الشريعة .. شريعتان !!
(وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ* قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) صدق الله العظيم
حين بدأ بنيان حكومة الإخوان المسلمين في الإنهيار، وفشل مشروعها، وانكشفت عورتها، وبدأت سفينتها تغرق، في بحر لجيّ، من ظلمات الظلم والفساد، ظهر عدد من قيادي التنظيم،ينقضون غزلهم بأيديهم، ويهاجمون حكومتهم، التي مكنوا لها،بمختلف وسائل التضليل، والغش، والخداع .. وتردت حكومة الاخوان أكثر فأكثر، حتى أصبحت "جيفة"، يتأذى بها، كل من يقترب منها، فعافها حتى "السائحون" و "الدبابون"، وهاجمهما أعماهم بصيرة، أمثال اسحق فضل الله، والطيب مصطفى !!

على أننا لم نحفل بنقد د. الطيب زين العابدين، و د. عبد الوهاب الأفندي، و د. التيجاني عبد القادر وأمثالهم .. لأنهم جميعاً،أرادوا أن يوهموا الناس، بأن فكرة الاخوان المسلمين صحيحة،ولكن العيب كل العيب، في الذين اعتلوا المناصب، من إخوانهم الذين أبعدوهم عنها، وارتكبوا جرائم الفساد والخراب !! فإذا وافقناهم في هذا الزعم الملئ بالتضليل، خلصوا الى المطالبة بفرصة ثلاثين عام أخرى، ليطبقوا فيها الشريعة الإسلامية الصحيحة، وعادوا إلينا مرة أخرى، باسم جديد، وشعارات جديدة،تعطيعهم الحق الإلهي في الحكم، ليستبدوا به من جديد !!

أما الاستاذ مبارك الكودة، فأمره مختلف، فقد بدأ يفكر في خطل الفكرة نفسها !! فقال ( كانت وما زالت هناك كثير من المغالطات في فكري الإسلامي تؤرقني ومنها مفهوم الشريعة الإسلامية وبعد تجربتي في حكم الانقاذ اصبح عندي قولاً واحداً أن الشريعة الإسلامية هي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ولايمكن للصبغة ان تكون تفاصيل لواقع لأن الصبغة هي صبغة الواقع ذاته أي صبغة المجتمع ) (الراكوبة 7/7/2018م). والحقيقة أن صبغة الله ليست الشريعة الإسلامية، وإنما هي التوحيد، وهو الدين الله .. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي لا اله إلا الله ). والشرائع إنما تتنزل من التوحيد، على قدر الأمم، أو قل على قدر حاجة وطاقة المجتمع،في الوقت المعين .. ولهذا جاءت شرائع الأنبياء من آدم عليه السلام وإلى محمد صلى الله عليه وسلم مختلفة، عن بعضها البعض،بحسب إختلاف ما أسماه الكودة تفاصيل الواقع .. ومما يدل على أن صبغة الله هي التوحيد، الذي إنتظم جميع الرسالات، رغم اختلاف الشرائع، ما جاء قبل الآية التي أورد الكودة طرفاً منها،قال تعالى) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون*فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ). ولأن الشريعة مرتبطة بطاقة الناس، في وقت معين، فإن أحكامها تتصف بالمرحلية، ولا تتسم ب" الشمول والثبات" كما قال الكودة. والله سبحانه وتعالى لا يشرع لكماله،حتى تكون أحكام الشريعة كاملة وثابتة، وإنما يشرع لنقصنا وضعفنا، وهو ما نتخلص منه كل يوم، بفضل الله، ثم بفضل تطور العقل البشري. لقد قضت شريعة آدم عليه السلام، وهي شريعة إسلامية، بزواج أبناء آدم من أخواتهن، وحين جاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، حرمت زواج العمة، والخالة، وبنت الأخ،وبنت الأخت، والأخت من الرضاع وغيرهن .. فهل كانت شريعة آدم في الزواج شاملة وثابتة ؟!

ولما كان القرآن، الذي أنزله الله تبارك وتعالى، على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، هو آخر الكتب، فإنه لم يحو شريعة واحدة،وإنما حوى شريعتين: شريعة قامت على أصول القرآن، وقد حواها القرآن المكي، وقد كانت خطاباً للإنسانية جمعاء.. وهذا هو السر،في إن معظم الآيات التي يرد فيها الخطاب ب " ياايها الناس" أو يا بني آدم"، هي آيات مكية، أو آيات نزلت في أول العهد بالمدينة، حين كان الناس يخاطبون بما كانوا عليه في مكة . والقرآن المكي هو أصل القرآن، لأنه قام على حرية الإعتقاد .. قال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، ولأنه قام على المساواة بين الناس رغم اختلافاتهم، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) والتقوى هي مكارم الأخلاق، التي ذكرنا الأستاذ الكودة بها، حين أورد الحديث (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) .. وفي مستوى شريعة الأصول، التي جاء بها أصل القرآن، ليس هناك إكراه، أو إجبار، أوقتال من أجل فرض الإسلام على الناس !! وإنما الواجب هو الدعوة بالحسنى، قال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) وقال (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ). ومهمة الرسول وأتباعه، في هذه الشريعة، هي مجرد توضيح الحق لا أكثر ولا أقل، قال تعالى (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وقال (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) .. وحين طالب القرشيون النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وضاق صدره بذلك، لشدة حرصه على هدايتهم، خاطبه الله تعالى مذكراً له بمهمته، (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) !! ولقد استمر القرآن المكي لثلاثة عشر عاماً يذكر النبي العظيم بحقائق الدين الكبرى، في أن هناك حكمة في كفر من كفر، وإيمان من آمن .. قال تعالى(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)!! وأنه ليس الوكيل المكلف بهداية الناس، أو إدخالهم في الدين، وذلك لأنه في مستوى الأصول، فإن حرية الناس عزيزة عند الله، وليس لأحد أن يصادرها منهم، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم على كمال خلقه، يقول تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)؟!

ولكن القرشيين لم يستجيبوا لهذا المستوى الرفيع من التشريع، الذي ركز على الحرية، والمساواة، ومكارم الاخلاق .. ولقد كان الله تبارك وتعالى يعلم ذلك سلفاً، ولكن اعتبار كرامة الإنسان، يقضي أن يقدم له أرفع المستويات، حتى إذا قصر عنه، سحب منه، وقدم له ما يناسب قصوره. وكذلك نسخ القرآن المكي في المعاملات، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وأحكمت شريعة إسلامية أخرى، تقوم على الجهاد، والإكراه، والبطش، والجزيّة، والرق،وما ملكت أيمانكم .. كما تقوم على حكم الخليفة الفرد، وإعزاز المسلمين، وإذلال غير المسلمين، وقوامة الرجال على النساء !! ولقد حوى هذه الشريعة،قرآن الفروع، وسمى كذلك لأنه تنزل من الاصل، الذي كان عليه القرآن المكي،إلى ما يناسب الناس في ذلك الوقت، مما هو بعيد عن كرامة الإنسان المعاصر. وكل من يدعوا الى تطبيق هذا المستوى من الشريعة، مهما إجتهد في استنباط أحكامها، لن يخرج في النهاية، إلا بنظام يقوم على قهر الناس،وظلمهم، وحين يكتشف ذلك، يكون الوقت قد مضى على الإعتراف بالخطأ،والتنازل عن الحكم، فيحاول أن يحافظ على حكمه بكل سبيل، مما يدفعه الى المزيد من البطش والفساد، حتى يواري كل سوأة يقع فيها، وينتقل بذلك من درك الى أسفل منه، حتى يصل الى الحضيض، كما حدث لحكومة الإخوان المسلمين، التي تبرأ منها الاستاذ الكودة وإخوانه.

لقد كتب فقهاء السلف شروحاتهم وآرائهم، في مجتمعات قريبة، وشبيهة بمجتمع المدينة، ولذلك لم يشعروا بالحاجة الى شريعة أخرى، غير الشريعة التي قامت على فروع القرآن، وطبقها النبي صلى الله عليه وسلم على الناس في مجتمع المدينة. ولكن البشرية قفزت بعد الحرب العالمية الثانية، قفزة ليس لها مثيل في التاريخ، مما جعل المجتمع البشري المعاصر، يختلف من جميع الوجوه، عن مجتمع القرن السابع الميلادي.. ولهذا لا يصح عقلاً ولا ديناً، أن يحكم الإنسان المعاصر بالشريعة، التي ناسبت مشاكل الناس في ذلك الزمان. ولكن مفكري الاخوان المسلمين، لم يروا هذا الخلف بين واقع العصر،واحكام الشريعة، فدعوا الى تطبيقها، وفشلت محاولاتهم في الحكم، حيثما جربوها.

أما الأستاذ محمود محمد طه، فقد قال بأن النسخ في القرآن، لا يمكن أن يكون حكماً سرمدياً، وذلك لسببين: أولاً إذا كان النسخ سرمدياً، فإنه يكون تغيير رأي، إذ يكون الله تعالى قد أنزل تشريعاً ليحكم حياة الناس، ثم غير رأيه وألغاه، والله سبحانه تعالى عن تغيير الرأي، لأنه لا تفاجئه الحوادث .. وثانياً الذي يمنع أن يكون النسخ نهائياً، هو أن أرفع ما في القرآن، وهو القرآن المكي، نسخ بما هو دونه، وهو القرآن المدني، فإن إستمر هذا الوضع، فإنه يعني تقديم المفضول على الفاضل، مما ينافي الحكمة، التي يقوم عليها الفعل الإلهي .. فلم يبق إلا أن النسخ هو مجرد إرجاء، الى حين أن تصل البشرية، الى المستوى الذي تستطيع فيه تطبيق أصول القرآن، وهي قد وصلت الى ذلك المستوى، في القرن العشرين، حين وقعت في جملتها على الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يقوم على الحرية والمساواة.

يقول الأستاذ الكودة (إننا كإسلاميين دعاة الإسلام السياسي لنا تجربة حكم إسلامي استمرت لثلاثين عاماً وقد إنتهى بها التقييم بأنها قد فشلت تماماًوقد يعزي البعض سبب فشلها الى المسؤولين الذين هم على سدة الحكم ويعزي البعض الآخر وأنا منهم سبب الفشل الى الفكرة التي استنبطها الإسلاميون من النصوص وظنوا أنها الشريعة الإسلامية وبالطبع فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً )(المصدر السابق). نعم نحن نتفق مع الكودة، في إن إخوانه لم يطبقوا الشريعة، وهم يعلمون ذلك، ولقد ذكر الرئيس البشير، في لقاء القضارف الشهير، أنهم يطبقون شريعة " مدغمسة" !! ولكنهم لم يطبقوا الشريعة لأنها لا يمكن أن تطبق على المجتمع المعاصر، فإما الإعتراف بذلك بصدق، والبحث عن حل آخر، أو النفاق وتطبيق الشريعة "المدغمسة"، وهذا ما سقطوا فيه !! لقد إنفصلت باكستان من الهند، بدعوى تطبيق الشريعة، ولم تستطع تطبيقها حتى الآن !! وأدعت تركيا أنها حكم إسلامي، ولم تستطع تطبيق الشريعة .. وحاولها السودان في عهد نميري، وأخرج الاخوان المسلمون المظاهرة المليونية، في تأييد تطبيق الشريعة، لكنها لم تطبق، وقام الترابي نفسه رحمه الله، بنقد تلك التجربة، وحاولت حكومة الأخوان المسلمين،على مدى ثلاثين عاماً، وخلصت الى "الدغمسة" !!
إن الشريعة التي ناسبت البشرية في القرن السابع الميلادي، والقرون التي تلته مما هي مثله، لاتصلح لبشرية اليوم !! وهي ليست كلمة الإسلام لهذا العصر، وإنما الشريعة التي تناسب عصرنا، لا تأتي إلا ببعث القرآن المنسوخ- القرآن المكي، وتحكيمه في حياة الناس .. وهذا ما أسماه الاستاذ محمود تطوير التشريع الإسلامي، بالانتقال من فروع القرآن الى أصوله، هذا هو مخرج المسلمين الأوحد، فلينظروا فيه، ولينظر فيه الاستاذ الكودة، إن كان يهمه أمر نفسه (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).

11/7/2018م

د. عمر القراي