د. خالد محمد فرح

عندما أنذر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مواطني بلاده عشية بدء انتشار جائحة كورونا في المملكة المتحدة قبل نحو شهرين أو أكثر قليلاً من الآن ، بأن عليهم أن يستعدوا لفقدان العديدين من أحبائهم كما قال ، كنتُ استمع إلى حديثه الصادم وفاجع العبارة وغير المطمئن ذاك ، بشئ من اللامبالاة وعدم الاكتراث 




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لاحظ شيخ المؤرخين السودانيين قاطبةً في الوقت الحالي ، الأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن ، حيَّاهُ الله ومتَّعه بالصحة والعافية ، في معرض تقديمه لتحقيقه الضافي والمُسدَّد لكتاب: " الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان " ، الذي يُعرف اختصاراً ب " طبقات ود ضيف الله " ، لمؤلفه الشيخ محمد النور بن ضيف الله 1727 – 1810م ، أنَّ السواد الأعظم من الأعلام الذين ترجم لهم ود ضيف الله في مصنفه ذاك الأيقونة في بابه في مجال التوثيق والكتابة التاريخية في السودان ، ينتمون إلى منطقة الوسط النيلي ، أي تلك الرقعة الجغرافية التي تمتد ما بين دنقلا شمالاً ، وحتى سنار وأحوازها جنوباً ، شاملة ما بين ذلك من سائر بلاد الجزيرة ، وضفاف النيلين الأزرق والأبيض ، وبعض أطراف البطانة. كما لاحظ مُحقاً أنَّ كتاب الطبقات ، قلَّما اشتمل على تراجم لأعلام آخرين من خارج تلك الرقعة المذكورة ، وأنه قد ضم – مع ذلك - بالفعل بضع إشارات نادرة لأعلام من مناطق أخرى طرفية في سلطنة الفونج ، مثل بلاد التاكا بالشرق ، وكردفان بالغرب.
وقد برَّر البروفيسور يوسف فضل ذلك إما بقلَّة محصول المؤلف ود ضيف الله من المعلومات الكافية عن أعلام بأعيانهم في تلك المناطق ، أو بأنه لم يسمع بهم بالكلية ، غالباً بسبب بعد أماكن نشأتهم وسكناهم عن منطقته هو " الحلفاية " ، وانعدام أو تعذُّر سبل التواصل فيما بين أصقاع السودان المختلفة والمترامية الأطراف في ذلك العهد البعيد نسبيا.
وقد لاحظنا نحن أيضاً ، أنه حتى في الحالات النادرة التي كان يعمد فيها ود ضيف الله إلى تدوين تراجم لمشائخ من خارج تلك المنطقة المذكورة ، فإن تلك التراجم على قلتها ، تكون عادة مقتضبةً للغاية ، وليس فيها تفاصيل كثيرة ، وإن لم يخل بعضها بالمرة عن بعض المعلومات المهمة ، والبيانات المفتاحية ، التي من شأنها أن تغري الباحث المهتم ، بمزيد من التساؤل ، بل الاستقصاء والتعمُّق ، وبما يؤدي بالتالي إلى رفد الجهد المعتبر الذي اضطلع به البروف يوسف فضل من أجل تحقيق هذا الكتاب ، ببعض الإضاءات الباهرة والمفيدة لنصه الذي ما يزال قابلاً – في تقديرنا – للمزيد من الدرس والتمحيص والتأويل والتفسير.
من بين الشخصيات الكردفانية القليلة التي ترجم لها ود ضيف الله باقتضاب شديد في كتابه ، الشيخان: غانم أبو شمال الجامعي الكردفاني ، وغانم الأحمدي. وقد جاء نص ترجمة الشيخ غانم أبو شمال في الطبقات كما يلي:
" غانم أبو شمال الجامعي الكردفاني .. شرح السنوسية شرحاً مفيداً وقال في آخر شرحه لها: قرأنا التوحيد عند علي ولد بَرِّي وأدركنا وفاته. وبعده بدأنا القراءة عند الفقيه " أرباب " ، وبعدنا بقيت مدرسة عظيمة ".
وجاء في ترجمة الشيخ غانم الأحمدي بعدها مباشرة في ذات الصفحة من الكتاب:
" غانم الأحمدي .. قدم من بلاد كون بزوجاته وأولاده وسكن جبيل أولى من البحر الأبيض ، وقال أذن له الرسول في ذلك. وتزوج عايشة الفقيرة بنت ولد قدَّال الصالح. زوَّجه إياها الشيخ إدريس ، وولد منها بُساطي بن الفقيرة وكان عبداً صالحا ". أ. هـ ( كتاب الطبقات ، تحقيق يوسف فضل حسن ، الطبعة الثانية ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، 1974م ، صفحة 311 ).
وعلى سبيل التحقيق ، يذكر البروفيسور يوسف فضل في الهوامش السفلية بذات الصفحة ، أن " بلاد كون " هي المنطقة المحيطة بجبل " كون " الذي يقع على بعد 130 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة أم روابة قصبة بلاد شرق كردفان ، موضحاً أن منطقة " كون " تلك ، تقطنها – أي حين تحقيق الكتاب وإلى أوان صدوره في أوائل السبعينيات من القرن العشرين - قبائل البَزَعة والضُباب والجوامعة.
واستطراداً على ذات المعلومة التي أوردها ود ضيف الله من أنَّ الشيخ غانم الأحمدي قد تزوَّج عايشة الفقيرة بنت ولد قدَّال ، وأنه أنجب منها ابنه بُساطي ، استنتج المحقق تخميناً أن يكون البُساطاب الذين يعيشون حول جبل أولياء ، أي فيما يُعرف الآن ب " ديم البُساطاب " من ذرية الشيخ بساطي بن غانم المذكور. (الطبقات ، 1974م ، ص 311 ).
ويلاحظ يوسف فضل كذلك ، أنَّ السير هارولد مكمايكل لم يورد في كتابه: " تاريخ العرب في السودان " ، ترجمة منفصلة ومستقلة لغانم الأحمدي ، وإنما أضاف ما ورد عنه بالطبقات ، لترجمة غانم أبو شمال الجامعي. ولعل ذلك الصنيع من مكمايكل قد حدث منه سهواً ، من جراء قصر الترجمتين وقلة تفاصيلهما ، وربما خصوصاً بسبب اشتراك العلمين المترجم لهما في الاسم الأول " غانم " ، مما يجوز أنه قد أوقعه في ذلك الوهم والالتباس.
والذي نود أن نضيفه وأن نؤكِّد عليه في هذا الجانب من هاتين السيرتين القصيرتين والمتعاقبتين لهذين الشيخين الكردفانييْن: غانم أبو شمال الجامعي ، وغانم الأحمدي ، أنه قد كانت هنالك دائماً صلات قربى عرقية وجغرافية لصيقة ومتواشجة بين الجوامعة والأحامدة. فكلا هاتين القبيلتين – كما يقول النسَّابة الوطنيون في السودان – تنتميان إلى ما تسمى بالمجموعة الجعلية العباسية ، بل إنهما في الواقع أبناء عمومة لزم كما يجري بذلك التعبير العامي. فالجوامعة هم أبناء جامع الأحمر بن أحمد فهيد بن سعد الفريد بن مسمار بن سرار بن كردم بن أبي الديس إلى آخر النسب المعروف لدى سائر المشتغلين بهذه المسائل ، بينما أن الأحامدة هم أبناء حامد بن أحمد فهيد بن سعد الفريد بن مسمار. ويشترك معهما في الانتماء إلى ذات الجد القريب " سعد الفريد " كلٌّ من الجِمِع المعروفين بالنيل الأبيض ، وكذلك الحاكماب الذين يبدو أنهم قد توغلوا بهجرتهم شمالاً حتى وصلوا إلى ديار الدناقلة ، فصاروا ملوكاً على أرقو ونواحيها. ذلك بأن حاكم جد الحاكماب ، هو ابن سلمة بن سعد الفريد المذكور ، كما هو مذكور في أشجار النسب التقليدية.
ويميل كاتب هذه السطور إلى الاعتقاد في أن ديار الأحامدة الأصلية قد كانت بالفعل في شرق كردفان في حوالي جبل " كون " المذكور ، ولعلهم قد نزحوا من هناك في زمان ما ، لكي يقطن معظمهم إلى الآن في الأطراف الجنوبية الغربية لولاية النيل الأبيض ، وهي مناطق ليست بعيدة حقاً عن موطنهم الأصلي في كردفان كما نرجِّح.
ولعل مما يعضد فرضيتنا هذه ، أنَّ زمان الشيخ غانم الأحمدي زمانٌ متقدمٌ نسبياً ، لأنه معاصر للشيخ إدريس بن محمد الأرباب 1507 – 1651م ، لأنه هو الذي زوَّجه بالفقيرة عائشة بنت ولد قدَّال كما جاء في ترجمته بالطبقات. هذا مع العلم بأن الشيخ غانم الأحمدي قد قدم إلى منطقة جبل أولياء ، وهو رجل راشد له زوجات وأولاد من قبل ذلك سلفاً ، وليس مجرد شاب حدث.
أما الشيخ غانم أبو شمال الجامعي ، فقد كان من رجال القرن السابع عشر الميلادي على الأرجح. لأنه من تلاميذ الشيخ علي بن بَرِّي 1603 – 1663م ، وبعد وفاة علي بن بَري انتقل إلى الدراسة على يد الشيخ أرباب بن علي بن عون الملقب ب " أرباب العقائد " ، الذي وُلد وترعرع بجزيرة " توتي " ، وتوفي ودفن بمدينة سنار في عام 1691م.
ومما وقفنا عليها من معلومات إضافية في سيرة الشيخ " غانم أبو شمال " ، لم يوردها ود ضيف الله في ترجمته إياه بالطبقات ، أن اسمه هو " غانم بن فتح الله " ، وأنه ينتمي إلى قبيلة الجوامعة فرع الفِضيلية الفتحاويين أو " الفطحاويين " كما تُنطق محلياً هكذا ، ولعلها نسبة لوالده فتح الله المذكور ، أو جد بعيد آخر له اسمه " فتح الله " أيضاً ، وليس ذلك بمستبعد.
والجوامعة الفضيلية يتركَّزون حالياً في مدينة الرهد أبو دكنة ، وبعض القرى المجاورة لها مثل: النويلة ، والبلداية ، وتَب الفضوة ، وتَب الحَلُّوف ، وأبو رهابة ، ورادونا وغيرها ، كما أن عمودية مدينة الرهد نفسها ، هي في بيت من أعرق بيوت الفضيلية. ومن أحفاد الشيخ غانم أبو شمال المذكور ، الشيخ محمد العجمي بن منوفل ، الذي يُكنى بالعجمي أبو سُلطانة ، والذي يوجد ضريحه في قلب مدينة الرهد بجوار مركز الشرطة. ومن ذرية الشيخ غانم أبو شمال أيضا ، آل الشيخ أحمد البدوي بن يوسف التجاني بالرهد كذلك.
هذا ، وبلغنا أن الشيخ غانم أبو شمال مدفون في ضريحه الكائن بقرية " أم ديوان " شمال الرهد ، وعلى مسافة قريبة منها.
على أن من آيات التلازم المدهش ، بل ربما المُفضي إلى نوع من الحيرة والإضطراب ، بين سيرتيْ هذين الشيخين الغانمين الكردفانيين ، أعني: غانم الأحمدي وغانم أبو شمال الجامعي ، أنه ما تزال توجد إلى الآن مقابر بمنطقة جبل أولياء ، تُعرف إلى يوم الناس هذا باسم مقابر " الشيخ غانم أبو شمال " !!. فكيف صار ذلك ؟. وغانم أبو شمال المعروف لا علاقة له بهذه المنطقة بتاتاً ، ولا يرد في سيرته أنه مرَّ بها أو عاش فيها ، وإنما درس في صباه في " الجزيرة نَسرِي " عند الشيخ علي ود بَري ، ثم انتقل منها إلى توتي أو الخرطوم لكي يدرس على يد الشيخ أرباب العقائد ، ثم رجع إلى موطنه بشرق كردفان ، لكي يقضي باقي حياته مُرشداً ومعلماً ، إلى أن وافاه الأجل المحتوم فتوفي ودُفن بقرية " أم ديوان " شمال الرهد كما مر ذكره. فهل خلط أهل جبل أولياء بينه وبين شيخهم المعنِي وهو غانم الأحمدي ، مثلما حدث لمكمايكل ؟ أم عسى أن يكون غانم أبو شمال المذكور في هذا السياق ، هو أحد أبناء الشيخ غانم الأحمدي ، أو لعله لقب لأحد أحفاده سُمي تيمناً بالشيخ غانم أبو شمال الجامعي الفضيلي الفتحاوي ، مما يشي باحتمال راجح للتعارف والتواصل ، وربما التصاهر فيما بين هاتين الأسرتين الصوفيتين ، وليس ذلك بمستبعد أيضا.
ومما نود أن ننبه إليه أيضاً ، وخصوصاً فيما يلي المعلومة التي أثبتها ود ضيف الله في الطبقات عن زواج الشيخ غانم الأحمدي من الشيخة عايشة الفقيرة بنت ولد قدَّال بوساطة من الشيخ إدريس بن محمد الأرباب ، هو أن عائشة الفقيرة بنت ولد قدَّال ، وهي قريبة الشيخ خوجلي بن عبد الرحمن 1645 – 1743م ومعلمته القرآن في طفولته ، لا علاقة لها بالشيخ القدَّال بن إبراهيم الفرضي الذي ينتمي إلى الفرضيين الذين كانوا يعيشون بمناطق المناقل وأم طلحة بغرب الجزيرة كما ذهب إلى ذلك مكمايكل مخطئاً ، ووافقه على ذلك كل من يوسف فضل ضمناً ، وكذلك عون الشريف قاسم. فأولئك الفرضيون هم رفاعيون ، بينما أن عايشة الفقيرة بنت ولد قدَّال محسية القبيلة ، من محس توتي والخرطوم الكبرى. وهي خالة الشيخ خوجلي علاوة على أنها كانت مربِّيته في صغره كما تقدَّم ، لأنها ابنة الشيخ خوجلي ولد قدَّال المحسي ، بينما شقيقتها والدة الشيخ خوجلي ، هي ضَوَّة بنت خوجلي ولد قدَّال فيما بلغنا. وقد حدَّثني الخليفة الأستاذ مجاهد أحمد النور الزاكي التجاني ، نقلاً عن النسَّابة الحاذق المعاصر أبي عامر الكنزي التوَّاتي ، أنَّ عائشة الفقيرة بنت ولد قدَّال ، والدتها تسمى: " الرُقاقة بنت محمد الأرباب " ، أخت الشيخ إدريس ولد الأرباب ، فهي ابنة أخته وهو خالها.
والشئُ بالشئ يُذكر كذلك ، فنحن لا ندري ماهي ظروف وملابسات وجود جيوب من قبيلة الأحامدة بمنطقة جبل أولياء وريف الخرطوم الجنوبي عموماً إلى يوم الناس هذا ، مثل قرية " طيبة الأحامدة " على سبيل المثال ، وهل لذلك الوجود علاقة بانتقال الشيخ غانم الأحمدي من موطنه السابق بشرق كردفان ، واستقراره بمنطقة جبل أولياء ، وهل هنالك صلة قربى بين أحامدة جبل أولياء من ذرية الشيخ غانم المذكور ، وبقية بطون الأحامدة الذين يقطنون في ذات المنطقة ؟؟؟..

بمثلما يُعرَّف الإنسان عادة بأنه حيوانٌ ناطقٌ ، لتميزه بخاصية التواصل عن طريق اللغة ، أو بالأحرى لاعتقاده أنه هو الكائن الحي الوحيد الذي يمتاز بهذه الميزة ، فإنه يُعرَّف أيضاً بأنه حيوانٌ ضاحك ، وذلك نظراً لشيوع هذه الصفة أيضاً في جميع أعراقه وأجناسه المنتشره في شتى بقاع المعمورة. 

نشر صديقنا الدكتور مصطفى أحمد علي ، الأستاذ الجامعي والموظف الدولي السابق ، والأديب والباحث والكاتب المُبرز في سائر الإنسانيات ، على صفحته في فيسبوك على الشبكة العنكبوتية قبل بضعة أيام ، رسالة لغوية قصيرة وطريفة ، عرض فيها بعمق واستقصاء لافتين للانتباه ، لمفردتي " بيت " و " دار " ، 

لغة مذكرات بابكر بدري فصيحة في مجملها، ولا غرو في ذلك ، فإنَّ مؤلفها رجلٌ كان حافظاً للقرآن الكريم ، ودارساً للعلوم الفقهية والشرعية على علماء عصره ، ومُطَّلعا حراً نهماً للعلم والمعرفة، فضلاً عما كان يتمتع به من ذكاء فطري ، واستعداد طبعي للحفظ والاستيعاب ، مكَّنه من أن يصير وهو خريج الكُتَّاب أي " 

أذكرُ أنَّ أولَّ مرة وعيتُ فيها بوجود شخص نابه الذكر في السودان اسمه بابكر بدري ، أن رأيت هذا الاسم مرسوماً بخط جميل في إحدى كُراسات تعليم الخط المستطيلة تلك ، التي كانت تُعطى لتلاميذ المدارس الأولية ، لكي يتعلموا منها فنون الخط العربي بأنواعها المختلفة. وقد كنت إذ ذاك طفلاً صغيراً ، إما في السنة 

من المقطوع به والمُتَّفق حوله في علم اللسانيات بصفة عامة ، أن التشابه وصلات القربى الواسعة التي تقع بين لغة ما بعينها ، وأية لغة أخرى منفصلة عنها ، إنما تقع عادةً بين تلك اللغات التي تنتمي إلى أرومة واحدة. وذلك مثل المظاهر العديدة للتشابه والاشتراك ، وأحياناً التطابق التي تكون بين اللغة الإسبانية واللغة