في شهر أبريل الماضي، عقب السقوط النظري لنظام الحركة الإسلاموية، كتبنا مقالاً بعنوان (إقصائيون نعم.. ديكتاتوريون لا) وكان محاولة منَّا للتذكير والرد على ترهات المُرجفين، ثم للفت الانتباه بالتأكيد على المسار الطبيعي لأدب الثورات الإنسانية في العالم، وهو المسار الذي تعارفت عليه الشعوب وأوَصَّلَت به ثوراتها إلى نهاياتها المنطقية. ولكن للأسف الشديد فإن الذي حدث لنا عقب سقوط الرئيس المخلوع في 11 أبريل 2019 أورث ثورتنا من أمرها عُسراً، وأخضعنا لعمليات جراحية مؤلمة ما زلنا نعاني تبعاتها كل يوم، ولا ندري أيان مرساها!


أما الذي استفزني ودفعني لكتابة ذاك المقال هو بروز أصوات من أزلام النظام البائد تشكو الإقصاء، أو بالأحرى تتوهمه وترمي باللائمة على قوى إعلان الحرية والتغيير، ويومها عجبنا أشد العجب وقلنا سبحان الذي أسرى بهذه القوى (الحرية والتغيير) وأجلسها على سدة سُلطة لم تُشكل مؤسساتها بعد، أي قبل أن تعرف الثورة المجيدة ليلها من ضحاها، ويبدو أن في ذلك بعض من (كراماتها)!


لكن الغريب في الأمر كان ثمة من استجاب لتلك الدعوات اليائسة تحت تفسيرات متعددة، ربما فيها الخنوع ومنها الضعف وأخرى من باب الابتزاز السياسي، وهذه الفئة الباغية تعرفونها من شنشنة كبيرهم الذي علمهم الدهاء، فشرعوا يحدثوننا عن الوطن (الذي يسع الجميع) ونحن الذين نعرف كل شبرٍ فيه، ويكررون على مسامعنا فرية (التسامح السياسي السوداني) المزعوم وكأنما في آذاننا وقر. وعندما أعيتهم حيل الأرض، صوبوا مُكرهم نحو السماء وقوَّلُوها ما لم تقل، فأصبحنا نسمع أن (عفا الله عن ما سلف) قد وجدت مَطرحاً بين آيات القرآن الكريم، (وباركوها) توسدت مذهب الإمام مالك، أما (بلّة الغايب) فقد كاد أن يكون رسولاً!


كانت الشهور تمضي مُثقلة بالدم والدموع والأمل، ونحن نرى الذين سامونا سوء العذاب طلقاء، يسرحون ويمرحون، بل يفتون ويُنظِّرون، وقد بلغت ببعضهم الوقاحة مبلغاً نصَّبوا فيه أنفسهم صُنَّاعاً للثورة. علماً بأنهم يعلمون مثلما نحن نعلم، أن لسانهم أخشوشن من كثرة لعق أحذية المقبُورين. وهؤلاء كما تعلمون أيضاً لم يهبطوا علينا من السماء، وإنما خرجوا إلينا من بين مسامات صفوفنا. وتعلمون كذلك أنهم نفس شذاذ الآفاق الذين قالوا إن الحُكم الذي جلسوا على سُدته هو ثوب ألبسهم له الله - سبحانه وتعالى – ولن يخلعوه!
لقد كان واضحاً أن تلك الشرذمة ذات أهداف وضيعة، فهي تُريد أن تغطي على فسادها وتتستر على جرائمها للإفلات من مصير محتوم. ولهذا قُلنا في المقال المذكور يجب ألا ترعِبُنا صيحات المخُذِّلين، ولا جعجعة المُندَّسين، بل لا ينبغي لهم أن يحُولُوا بيننا وبين الوصول للنهايات الطبيعية لهذه الثورة. وقُلنا أيضاً إن الثورة كونها جاءت من أجل إقصاء الفاسدين فذلك مما لا يختلف فيه اثنان، بل هذا ما دأبت عليه الثورات منذ الأزل فما العجب في ذلك؟


أنظروا إلى وجوه هؤلاء المروجين: فيم تضرروا من النظام البائد؟ هل أزهق النظام روح عزيز لأحد منهم؟ هل قطع رزقه وقرر أنه غير صالح لدنيا البشر؟ هل رُمى به في السجون وبيوت لا يذكر فيها اسم الله؟ هل عُذِّب ونُكل به وجُلد بسياط ما زال يسمع صريرها رغم تقادم السنين؟ هل تقاذفته المطارات لمجرد الاشتباه بما ليس فيه؟ هل امتحنت كرامته التي توارثها كابراً عن كابر؟ هل وقف في صفوف اللاجئين برؤوس مُطأطأة ونظرات تكاد تثقب الأرض؟ هل طفرت من عينيه دمعة وهو يشيح بوجهه عن وجه طفله وهو يسأل عن (حق) الفطور؟ بل هل انتهكت له حقوق ضجت بها أضابير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان؟ إنهم فقط يبكون مُلكاً مُضاعاً كثُرت فيها ألقاب مملكة تحكي انتفاخاً صولة الأسد!
إن أي معركة سياسية أو فكرية إذا لم تأخذ في - مظهرها وجوهرها - الوضوح الكامل، فحتماً ستكون محض عبث ومضيعة للوقت، فالثورة التي أنتجها الشعب السوداني بمختلف مكوناته قد خلقت واقعاً جديداً نستطيع به مداواة جروح الحقب الماضية. وخاصة الحقبة الأخيرة، التي أنهكها الجلاوزة بما سموه زوراً وبهتاناً (المشروع الحضاري) وبسبب هؤلاء ضاعت سنوات عزيزة على الوطن، وبأدب الثورة نحن نقول بوضوح تام إن النظام الذي كنا نحاربه هو نظام الحركة الإسلامية، وبالتالي فإن سقوطه هو سقوط لخزعبلات الحركة الإسلامية.. فهل سقط الدين الذي افتروه كذباً؟!


في تقديري أن أكبر إهانة وجهتها قوى الظلام لثورة الشعب السوداني، اعتقال بضع وعشرين من قيادات النظام، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع والبدء في محاكمته في قضية تافهة لا ترقى لما ارتكبه من جرائم تعددت وتنوعت لدرجة أصبح فيها مطلوباً لدى المحكمة الجنائية. ولكي تكون الصورة واضحة تأملوا معي هذه الإحصائية التي تشير إلى عدد القائمين على النظام حتى يوم سقوطه النظري في 11 ابريل 2019 أو فلنقل رؤوساً أينعت وتأخر قطافها وإلحاقها برئيسها في السجن، فهي لا تحتاج للبحث في بطون الأرشيف أو دمغهم بوثائق تؤكد جرم ما كان يفعلون، وطالما أنهم وطدوا أركان الديكتاتورية فحتماً هم متورطون!


تتكون حكومة النظام البائد هذه من: الرئيس/ 74 وزير اتحادي ووزير دولة/ 18 والي/450 نائب برلماني في المجلس الوطني/198 نائب تشريعي (مجالس الولايات) /160 معتمد. أي ما يقارب الألف (دستوري) كما يسمونهم. وزد على ذلك جيش جرار من سدنة في رئاسة مجالس وهيئات بدرجة وزير. وعلماً بأن عدد هؤلاء منذ الانقلاب المشئوم في العام 1989 يبلغ 9274 ظلوا يرفلون في حُلل المخصصات حتى وهم بمنأى عن الوظيفة، فتأمل!


ما العمل إذن؟


صفوة القول إن هذه الثورة وضعت حجر الأساس لتأسيس وطن ديمقراطي، يسوده السلام والحرية والعدالة الاجتماعية والتعايش السلمي الذي يجسد تنوعه وتعدده الثقافي والإثني والديني، وذلك لن يتأتى ولا يمكن الوصول إليه إلا إذا هيأنا التربة الصالحة، بإعمال قانون (العزل السياسي) لكل الذين شاركوا في النظام بحيث يحرموا من المشاركة في السلطات الأربعة السيادية والتنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية لأجل معلوم. والحقيقة أن شرور النظام قد طالت كل أركان الدولة، ولكننا هنا نشير إلى وزارتي الخارجية والإعلام باعتبار أن النظام حولهما لمواخير تُسبِّح بحمده، واجتهدت في تجميل وجهه القبيح محلياً وخارجياً، ولذا لسنا في حاجة للقول بمضاعفة المد الثوري بالتشريعات التي تختصر المسافات وطول السفر. وشدة ما يدعو للاستغراب تلك الوجوه التي ليست فيها مزعة لحم، فاستمرت متشبثة بالكراسي رغم أن النظام الذي صنعها ذهب مع الريح!


نتأمل أن يعقب (العزل السياسي) محاكمات علنية لكل الذين أفسدوا وارتكبوا جرائم جنائية على أن تكون البداية بمحاكمة الذين قاموا بالانقلاب من العسكريين والسياسيين، وفي التقدير إذا لم نعمل لذلك فكل شيء ننجزه هو مزيد من ضياع الوطن. فقد ظللت على المستوى الشخصي وعلى مدى سنوات النظام أختم مقالاتي بالعبارة المأثورة في خاتمة كل مقال (لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر) ولم تمل نفسي من ترديدها ولا كلَّت يدي عن كتابتها. وسنظل أوفياء لها بالعقد الذي أبرمناه مع القراء، وجميعهم كانوا نار الثورة ووقودها، وحتماً سيكونون نورها!


آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.