هناك رواية متناقلة مفادها أن الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين كان قد طلب من العاهل السعودي الملك عبدالعزيز آل سعود السماح له بإنشاء فرع للحركة في المملكة، فجاءت الإجابة بالرفض، بحجة أن كل سكان المملكة "إخوان مسلمون" أصلاً ولا حاجة لهم بمثل هذه الحركة. وهناك منطق في هذه الحجة، لأن نشأة الحركات الإسلامية جاءت على خلفية غياب وفشل المؤسسات الإسلامية التقليدية في القيام بواجب الدفاع عن أسس بقاء المجتمعات الإسلامية وقيمها في وجه هجمة الحداثة الاستعمارية. وكان سقوط الخلافة هو الحافز الأول الذي دفع إلى التفكير في إنشاء حركات تدافع عن الإسلام، ولكن الشيخ البنا لم يفكر جدياً في إنشاء حركته إلا بعد أن طاف على العلماء والمشايخ يندبهم للتصدي لما رآه خطراً ماحقاً يهدد أسس المجتمعات الإسلامية ممثلاً في استشراء التغريب والتنكر لتعاليم الدين. ولو أن العلماء استجابوا للشيخ ونظموا الحملة التي طلب فالأرجح أن المعلم الشاب كان سينصرف إلى هم آخر.

 

ولم يكن من المتصور أن تقوم حركة إسلامية في المدينة في العهد النبوي، ولا في فجر عهد الخلافة الراشدة، لأن كل أعضاء ذلك المجتمع (باستثناء طائفة المنافقين بالطبع) كانوا حركة إسلامية. ولعل أول "حركة إسلامية" في العصر الإسلامي (أو حركة ترفع راية "العودة إلى الممارسات الإسلامية الحقة، أو "سيرة الشيخين" في هذه الحالة) كانت حركة التمرد على الخليفة عثمان رضي الله عنه. وسرعان ما لحقت بها حركة الخوارج، ثم الحركات الشيعية بمختلف توجهاتها، ثم حركة أحمد بن حنبل وبعدها بحقب حركة ابن تيمية. وما يجمع بين هذه الحركات الاعتقاد بأن القيادة السياسية ومعها غالبية المجتمع قد انحرفت عن النهج الإسلامي الصحيح، وأن الفئة المعنية هي وحدها التي تجسد الولاء الكامل لذلك النهج وأن من واجبها إعادة الدولة والمجتمع إلى حظيرة الإسلام.

 

بحسب هذا المنطق فإن الحاجة إلى الأحزاب الإسلامية تظهر حين يعم الانحراف. وعليه فلو عاد الأمر إلى جادة الطريق فإن الحاجة لهذه الأحزاب تنتهي. وقد طبق آية الله الخميني هذا المنطق عملياً حين ما أمر بحل الحزب الجمهوري الإسلامي، حزب الثورة الإسلامية في إيران، في عام 1987. وهذه حالة تثير الانتباه، لأن هذا الحزب نشأ بعد الثورة الإسلامية، وأصبح ذراعها الأقوى في وجه خصومها. وقد استجاب الخميني لطلب مشترك تقدم به أكبر هاشمي رفسنجاني وآية الله على خامنئي بحل الحزب بسبب الخلافات العميقة التي تفجرت وسط قياداته وعضويته، خاصة حول السياسات الاقتصادية. فالأمر لا يتعلق هنا بحل الحزب الإسلامي بعد اتخاذه وسيلة لبلوغ السلطة كما حدث في السودان، بل حل التنظيم الذي نشأ بعد الثورة. والمقابل لهذا الأمر في الحالة السودانية يكون حل المؤتمر الوطني بعد الانشقاق.

 

نورد هذه المقدمة ونحن نستأنف حديثنا الذي بدأ الأسبوع الماضي حول إنهاء وجود الحركة الإسلامية في السودان من قبل النظام الذي جاء إلى السلطة عبرها، وذلك لنتأمل هذه الحالة بعقل مفتوح. فليس من الضرورة أن تستتبع دعوة الكف عن المغالطة حول وجود حركة وهمية القول بأن وجود الحركة ضروري، أو أنه من غير الممكن الاستعاضة عنها بتنظيم من بالأشكال، بل بالمضمون والوظيفة.

 

من ناحية المبدأ، ليس هناك ما يمنع قيام أحزاب إسلامية في دولة تدعي أنها إسلامية (وإن كانت الحكومة الحالية غير واضحة في هذا الخصوص، حيث تدعي الإسلامية حين يحلو لها، وترفع دعاوى أخرى عند اللزوم)، وإن كانت وظيفتها ستختلف بالضرورة. ففي الولايات المتحدة التي تدعي أنها جمهورية ديمقراطية، هناك حزب جمهوري وآخر ديمقراطي. وفي معظم الدول الديمقراطية هناك أحزاب تتسمى بالديمقراطية (مع إضافة بعض الأوصاف، مثل "اشتراكي" أو "مسيحي").

 

ولكن كلمة السر هنا هي "ديمقراطي"، لأن النظم الديمقراطية تسمح بتشكيل أي أحزاب وتنظيمات يريدها المواطنون. ومن ناحية نظرية، فإن السودان أيضاً مقبل على تحول ديمقراطي، مما قد يتيح أيضاً الفرصة لتشكيل حركات إسلامية. ولكن حتى الآن فإن الحكومة تبذل كل وسعها حتى لا تقوم حركة إسلامية مستقلة عن الدولة. ولكن هذا لم يمنع من قيام حركات ترفع راية التوجه الإسلامي، من أبرزها المؤتمر الشعبي الذي لا تدخر الحكومة وسعاً في محاربته. ولكن هناك تنظيمات "إسلامية" أخرى، مثل السلفيين وحركة الإخوان المسلمين، وهي تنظيمات متحالفة مع السلطة.

 

ولكن المشكلة الأكبر التي ستواجه أي حركة إسلامية تريد خوض غمار المنافسة الديمقراطية في السودان هي إرث النظام الإنقاذي وممارساته التي ستشكل عبئاً ثقيلاً على أي حكومة. فقد كان للحركة الإسلامية السودانية قبل عهد الإنقاذ خطاب تجديدي ديمقراطي، ولكن الممارسات خلال العهد الإنقاذي كانت أبعد ما تكون عن مقتضى ذلك الخطاب. وما تزال الحركة الإسلامية بأجنحتها المختلفة في حالة إنكار وإحجام عن أي نقد ذاتي موضوعي يعيد صلة الحوار بينها وبين بقية طوائف المجتمع. فما لم تتم هذه المواجهة مع الذات والتصالح مع الآخر، فإن مستقبل الحركة الإسلامية في أي وضع ديمقراطي قادم سيواجه مشاكل كثيرة ويتحول إلى حالة طائفية تؤدي إلى الاستقطاب وتهدد الاستقرار.

 

وهذا يعيدنا إلى النقطة المحورية التي أشرنا إليها في الحلقة الماضية، وهي أن كلا جناحي الحركة مسؤول عن تلك الممارسات. فعلى سبيل المثال نذكر أن حل الحركة الإسلامية ومنع أي محاولات لحلها تم قبل الانشقاق، وقد تعرض بعض من حاولوا إعادة الحياة إلى الحركة الردع والقمع، كما حدث مع الأخ محجوب عروة الذي تعرض للاعتقال والتحذير حين شرع مع آخرين في جمع توقيعات تطالب بعقد اجتماع لمجلس شورى الجبهة الإسلامية. وقد تعرض كاتب هذه السطور ولا يزال لهجمات شرسة لأنه دعا إلى النقد الذاتي ومارسه. ويجب هنا أن أسجل لإحقاق الحق أن كلاً من الشيخ الترابي والأستاذ علي عثمان تقبلا نقدي بصدر رحب وناقشاني فيه بموضوعية. ولكن هذا لم يمنع من أن النظام ككل كان رافضاً للنقد وإعادة تقييم التجربة، ويعتبره تشويشاً على الأفضل وخيانة على الأسوأ.

 

رفض الأنظمة التي ترفع الشعارات الإسلامية سواء أكانت في السعودية أو إيران أو السودان السماح بقيام حركات إسلامية مستقلة ينبع من الحرص على احتكار السلطة الدينية باعتبارها مصدر الشرعية الأهم لهذه الأنظمة. وفي هذه الحالة فإن قيام حركة إسلامية مستقلة ذات مصداقية لا يقل خطراً على هذه الأنظمة من قيام جيش مستقل عن السلطة. ففي الحالين يتحول مركز السلطة إلى موقع منافس. نفس الخطر يمكن أن تشكله مؤسسات دينية تقليدية مستقلة، مثل المراكز التعليمية وتجمعات العلماء. وكما شهدنا في حالات الصراعات والنزاعات التي تندلع مع السلطة وحولها، فإن الأنظمة تحتاج إلى المؤسسات الدينية التقليدية والأصوات الإسلامية لتعضيد وتبرير مواقفها، كما في تبرير المشاركة الأجنبية في حرب الخليج، أو حرب إيران مع العراق، أو التعاون الإيراني السري مع إسرائيل وأمريكا. وبنفس القدر فإن وجود أصوات تعارض هذه التوجهات من داخل المؤسسات الدينية تشكل خطراً كبيراً على الأنظمة وتم التعامل معها بحزم.

 

هذا بالطبع لا يمنع قيام حركات ذات طابع إسلامي تدخل في مواجهة (قد تصبح عنيفة) مع السلطة، كما حدث مع تنظيم القاعدة في السعودية. ولكن كثيراً من هذه التنظيمات تبقى سلمية التوجه، كما حدث مع حركة الإصلاح المعارضة في السعودية وبعض تحالفات العلماء ذات التوجه الراديكالي هناك. وفي إيران قامت جماعة خاتمي وقبلها حزب الحرية الذي كان يتزعمه مهدي بازرغان، وأخيراً حركة موسوي "الخضراء". وتوجد جيوب في مؤسسات العلماء كان أبرز رموزها العالم الراحل آية الله منتظري. وكما في السودان فإن الحكومات تناصب هذه الحركات العداء وتراها عدواً أشد خطراً من خصومها التقليديين من علمانيين وقوى خارجية.

 

إذا عدنا إلى قضية وجود ومستقبل الحركة الإسلامية في السودان. فالحركة الآن غائبة مغيبة، وغير مسموح بوجودها، وإن وجدت فهي معارضة محاربة. وفوق ذلك فإن الحركة الإسلامية ككل مواجهة بتحديات إرث الإنقاذ الثقيل، مثلما واجهت الأحزاب الشيوعية (وغيرها مثل بعث العراق وناصريي مصر) إرث تجاربها وحصادها المر، بحيث لم يعد بإمكانها التحدث بمصداقية عن جنة الشيوعية الموعودة بعد كل ما حدث. وبالمثل فإن المشروع الإسلامي، ليس في السودان فحسب، بل في العالم كله، قد واجه ضربة كبيرة بعد التجربة السودانية بحيث أصبح من الصعب الآن على أي حركة تنادي بمشروع إسلامي أن تتجنب الاتهام بأنها ستنزلق في ممارسات تخالف روح ونصوص الإسلام. فقد أساءت هذه التجربة للأسف للإسلام وأصبحت مصدر صد عن سبيل الله وتنفير للناس من دعوات تطبيقه، وهو أمر لا يمكن تجاوزه بسهولة.

 

إذن المشكلة لا تقتصر على كون الحركة الإسلامية غائبة أو بعيدة كل البعد عن الفاعلية، وإنما كونها تحمل أوزاراً ثقيلة من تركة الممارسات السابقة لم تتم مواجهتها بعد. والمطلوب الآن ليس هو الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، أو التعلق بأوهام لا وجود لها، وإنما مواجهة التحديات التي تواجه الإسلام وحركته في السودان عبر نقد ذاتي بناء، واعتراف صادق بالحقائق والوقائع وتحمل للمسؤوليات حتى ينطلق الجميع إلى الأمام.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]