(1)

كان لكارثة سد مروي التي حلت بأرض المناصير (ونعني بها الكارثة السياسية المتمثلة في التعامل الفظ والأجرامي أحياناً مع ضحايا السد) آثار حميدة، تمثلت في التضامن غير المسبوق بين أهل المنطقة، وقيام مبادرات خلاقة في النضال المدني تصلح نموذجاً لكل مدافع عن حقه في داخل السودان وخارجه. فقد ضرب أهل المنطقة المثل في الصمود والتكاتف والاعتماد على الذات والمبادرة الخلاقة والتمسك بالنهج السلمي في المطالبة بالحقوق.

(2)

ولكن الكارثة كان لها أثر سلبي بارز على المنطقة وأهلها، تمثل في بذر بذور الشقاق بين قطاعين من أهلها على خلفية ضغوط إدارة السد على المتأثرين لفرض التهجير القسري عليهم. فقد نشب نزاع حاد بين من قبلوا بالتهجير إلى المناطق التي اختارتها السلطات تحت ضغوط يصعب احتمالها، وبين من الغالبية التي آثرت البقاء في المنطقة والدفاع عن الديار والحقوق. فقد اعتبر البعض سلوك الأقلية التي قبلت الهجرة خذلاناً للغالبية التي اختارت الصمود، وطعنة في الظهر لنضال أهل المنطقة من أجل حقوقهم.

(3)

لهذه الاتهامات ما يبررها، لأن إدارة السد قد عمدت بالفعل إلى خلق "حزب" يؤيد مخططاتها الرامية إلى إفراغ المنطقة من أهلها، واستخدمت في ذلك الضغوط والإغراءات وكثير من الأساليب الملتوية من أجل ضرب أهل المنطقة بعضهم ببعض. فهناك روايات كثيرة عن الإغراءات والضغوط التي مورست لإقناع كثيرين بقبول قرار الهجرة، حيث دفعت لهم تعويضات مجزية، وبدون المطالبة بما يثبت أحقيتهم، وأحياناً بدون اشتراط الحضور. أما من صمد فقد تعرض للتجويع والحرمان من الخدمات والعنف احياناً.

(4)

كان رد فعل أنصار خيار الصمود غاضباً ضد ما رأوه خيانة للقضية المشتركة، حيث طالبوا كل من قبل التعويض أن يغادر المنطقة، وقاموا باتلاف ممتلكات بعضهم. وقد تصاعد العنف اللفظي بين الطرفين، حيث دأب المقيمون على وصف المهاجرين ب "الكرازايات"، نسبة إلى الرئيس الأفغاني كرزاي الموصوف بممالأة الغزاة لموطنه.

(5)

في اعتقادنا أن هذه الخلافات والصراعات لم تكن مبررة، لأن الطرفين كانا ضحية الأوضاع غير السليمة التي خلقتها السياسات الرسمية. صحيح أن سياسة "فرق تسد" التي اتبعتها إدارة السد تعمدت إضعاف الموقف التفاوضي للمتضررين، وقد كان من تجاوبوا يعرفون ذلك، كما كان بعضهم نشطاً في الترويج لدعاية إدارة السد ضد أهل المنطقة ومصالحهم. وهذا موقف يستحق الإدانة من منطق أي مجموعة تعيش حالة مقاومة ضد القهر وسلب الحقوق.

(6)

من جهة أخرى فإنه إذا استبعدنا حالة الصراع مع السلطة ممثلة في إدارة السد، فإن خيار الهجرة هو في نهاية الأمر خيار مشروع. فنضال أهل المنطقة كان ينصب إلى إضافة الخيار المحلي للخيارات المتاحة للمهجرين. ولكن رفض السلطات للخيارالمحلي والإصرار على فرض التهجير القسري حول ما كان مشروعاً ومقبولاً إلى أداة لتفريغ المنطقة من أهلها، وبالتالي إلى مسألة خلافية.

(7)

ما حدث من انتصار للإرادة الجماعية لأهل المنطقة وإقرار الخيار المحلي يعيد الأمور إلى نصابها، ويجعل كل الخيارات مشروعة ومقبولة، ويزيل المحاذير ضد خيار الهجرة، خاصة وأن الرئيس في خطابه الشهير عند زيارته لأرض المناصير العام الماضي أكد على أن كل الخيارات متاحة لمن شاء.

(8)

من هنا فإن الصراع الذي نشب يصبح غير ذي موضوع، كما أن الشقاق الذي نشأ عنه لا بد أن ينتهي ليعود التلاحم بين كافة أبناء المنطقة. فقد مزقت هذه الخلافات العارضة الأسر وقطعت الأرحام، وأصبحت أداة تستخدم ضد الكل. وقد يساعد في هذا أن معظم المهجرين قد اكتشفوا زيف الوعود التي أغرتهم بالهجرة، وأصيبوا بخيبة أمل مريرة بسبب الظروف التي فرض عليهم العيش فيها، وعدم الوفاء حتى بمستحقاتهم المتفق عليها. وقد أصبح بعض هؤلاء أشد انتفاداً لأوضاعهم من معارضي التهجير.

(9)

نعلم أن البعض يقول إنه لا ينبغي أن يستوي من قاوم وضحى بمن خضع للإغراءات وقبض ما تيسر ثم تبين له بعد فوات الأوان أن الوعود كانت سراباً، مما يعني أن المصالحة يجب أن تتأجل حتى يأخذ كل ذي حق حقه. ولكن هذا منطق يجب ألا يكون له موقع بين أفراد الأسرة الكبيرة، ويجب أن يقبل الجميع بخيارات بعضهم البعض. فمن وجد في الهجرة ما يرضي طموحه فهذا من حقه، ومن اختار النضال من أجل الصمود والدفاع عن أرض الأجداد فلا تثريب عليه. وكل ما ناله المتضررون بعد تثبيت الحق في الأرض هو مكاسب إضافية للجميع.

(10)

ما نقترحه أن يتولى مجلس المتأثرين مبادرة تجاه المهجرين، وأن تتم زيارات متبادلة بين الأهل في الجانبين، ثم يتم تطوير مجلس مشترك يمثل مصالح الجميع. هذه الخطوة ضرورية ليس فقط لإنهاء الشقاق وإعادة الصلة بين الأرحام، ولكن أيضاً لتفويت الفرصة على من يريدون استخدام الخلاف لإيجاد فئة يخدم مصالحهم ولا يخدم مصالح أهل المنطقة. فما زال هناك من يحلم بكسر إرادة مواطني المنطقة وتمرير مخططه للتهجير عبر تعويق التسويات المتفق عليها، والنكث بالتعهدات التي قطعت على أعلى المستويات، عسى أن يكسر التسويف صمود الصامدين. وهي مخططات سيصبح من المستحيل تنفيذها إذا أصبح أهل المنطقة يداً واحدة في المطالبة بحقوقهم والذود عن حياضهم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]