يروي الرواة أن خصمان اختصما إلى جحا فأدلى الأول بحجته وأبلغ، فقال له جحا بعد أن استمع إلى شكواه: ما أرى إلا أنك على حق. وعندها أخذ الخصم الثاني يدلي بحجته، وعندما فرغ من توضيح موقفه قال له جحا: وأنت أيضاً محق. وهنا انبرى أحد الجلساء قائلاً: ما هذا الخطل؟ كيف يمكن أن يكون الخصمان على حق؟ فلا بد أن أحدهما فقط هو المصيب. فرد جحا قائلاً: وأنت أيضاً محق في ما تقول!

تذكرت هذه الطرفة وأنا أتابع ما وردني من تعليقات على مقال الأسبوع الماضي حول صراع المعارضة والحكم في السودان. فقد جاء في طائفة من التعليقات أنني غفلت عن المسبب الحقيقي للأزمة، وهو حزب المؤتمر الوطني الذي أدى تمسكه بالسلطة بالحق وبالباطل، وإصراره على ألا تكون الانتخابات نزيهة أو عادلة، إلى الصدام الحالي. وفي طائفة أخرى من التعليقات اتهمت بأنني لم أنوه بكبائر الحركة الشعبية التي تمارس بدورها القمع والقهر ضد خصومها في الجنوب ثم تتشدق بالديمقراطية في الشمال، فصارت بذلك ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم. وأنا أقول على مذهب جحا أن كلا الطائفتين من المعلقين على حق، ولكني أضيف هنا أن هذا لا يعني أن الخصمين هما على حق، بل بالعكس، لأن كلاهما على خطأ.

ولكن قبل أن نشرع ي توزيع اللوم على مستحقيه بالعدل والسوية، لا بد أولاً من الالتفاف حول دعاية الأطراف المتنازعة وتوصيفها للأزمة بما يخدم أجندة كل طرف ويغيب جوهر المسألة. ففي السجال الذي دار بين يدي مظاهرة السابع من ديسمبر وفي أعقابها، سعت كل الأطراف لتوصيف القضية على أنها مسألة قانونية. فالمعارضون يؤكدون على كفالة الدستور لحق التظاهر السلمي، ويضيفون بأنهم اتبعوا الإجراءات القانونية، بما في ذلك إخطار الشرطة. أما أنصار المؤتمر الوطني فإنهم ردوا بأن على المتظاهرين احترام القانون واتباع الإجراءات الكاملة للحصول على إذن التظاهر. ويشبه هذا السجال إلى حد كبير الجدل الذي ظل دائراً خلال الأشهر الماضية حول الرقابة على الصحف، ومدى دستورية تلك الممارسة.

وإذا اقتصرت النظرة على الزاوية القانونية في المسألة فإن الاتهامات المتبادلة بين شريكي الحكم تكون صحيحة وبالتالي يلغي بعضها بعضاً. فتعسف المؤتمر الوطني في الشمال يقابله تعسف مماثل في الجنوب، وكذلك الاستئثار بالسلطة والمال، ودمج الدولة في الحزب وبالعكس، واستخدام الجيش والشرطة كما لو كانت ميليشيا حزبية.  ولكن هذا المنطق في التلاوم واحتجاج كل طرف بتعسف وفساد الطرف الآخر لتبرير إجرامه هو لن تجدي نفعاً، وإن كان فيها اعتراف ضمني من كل طرف بتقصيره وجرمه. ولكن ليس هذا بيت القصيد. فعندما تقبل الشعب والعالم من طرفي نيفاشا تعهداتهما بموجب الاتفاقية كان الجميع على علم بما كان فيه القوم من تفرد بالأمر واحتكار للموارد، وبنفس الحجة (ضرورات الحرب والتصدي لما يمثله الطرف الآخر من "شر مطلق"). وقد أعطت الاتفاقية كل طرف قرابة ستة أعوام من استمرار الاحتكار والتفرد، وفرصة الاستمرار في السلطة، ولكن على قواعد جديدة.

كان من المفترض على الطرفين أن يستثمرا ما منحا من احتكار للأمر، إضافة إلى ما كسبا من مشروعية وطنية ودولية وسند إجماعي من كل العالم، لكي يعيدا صياغة مشروعيتهما على أساس جديد، في إطار تستند فيه الشرعية على احترام الدستور والقانون وكسب السند الشعبي بدلاً من الشرعية التي أتت من فوهة البندقية. وقد كانت ست سنوات أكثر من كافية لأي قوة سياسية تحتكر الأمر بلا منازع، وتحظى بدعم من كل حدب وصوب، لكي تعيد تقديم نفسها للشعب وإقناعه بأنها الأفضل للاستمرار في الحكم. فمعظم الحكومات الديمقراطية لا تحصل سوى على أربع أو خمس سنوات على الأكثر قبل أن تعيد طرح نفسها وبرنامجها للناخبين ليحكموا على سجلها ويقرروا إعادتها إلى الحكم أو استبدالها بمن هو أرضى عند الشعب. وكان بإمكان شريكي الحكم أن يطرحا نفسيهما للشعب باعتبارهما من أتى بالسلام للبلاد، بعد أن يعبرا عن الاحترام للشعب والاستماع لمطالبه وشكاواه، يجتهدا في بسط الحريات واحترام الحقوق وإعادة البناء وإنعاش الاقتصاد، خاصة وأن الله قد أنعم على البلاد بنعمة النفط، كما أن المجتمع الدولي تعهد بتقديم البلايين لدعم إعادة الإعمار. وعندها كان يمكن لكل حزب أن يتقدم للشعب بهذا السجل الناصع ويدعو الشعب للتصويت له، بعد أن يرفد صفه القيادي بدماء جديدة تؤكد الجدية في التوجه الجديد، وتكون عنواناً لمنهج جديد وقطيعة مع خطايا الماضي وأخطائه.

ولكن الذي حدث أننا أضعنا الفترة الانتقالية دون أن يتحقق التحول المطلوب في مسلك الحكام ومناهجهم، ودون أن نشهد الإنجازات التي تزكيهم لدى الشعب، مما اضطرهم للعودة للأساليب القديمة لإطالة أمد الحكم. وهذا في حد ذاته فشل ذريع وإهدار للموارد الثمينة والفرص التي لا تتكرر.

ويذكرني هذا الوضع بواقعة أخرى يخجلني أن أعترف أنني كنت من أبطالها. ففي مطلع السبعينات حينما كنت أعمل في جريدة الصحافة عرضت على الصحيفة بعثتان للتدريب في دولة المجر لمدة عام، فتم ترشيحي وزميل شاب آخر لهما. وكان المطلوب أن نجتاز امتحاناً باللغة الإنجليزية كشرط للقبول، وبإشراف وتحت مراقبة زميل آخر من القيادات الصحفية في الدار. وقد استدعانا الزميل المشرف كلاً على حدة وأعطانا نص الامتحان المطلوب اجتيازه قبل أسبوع من تاريخ الجلوس له. وقد قضينا كل ذلك الأسبوع ونحن نستذكر الإجابات وننقب في المراجع والمكتبات عما غاب عنا. وعندما جاء يوم الامتحان جلسنا في مكتب الزميل الكبير وعكفنا على تدوين إجاباتنا. وفي أثناء ذلك استشكل على زميلي سؤال فاستفسرني بصوت عالٍ عن الإجابة ولم أتردد في إعانته على الأمر. عندها استشاط الزميل المراقب غضباً وقال لنا: لقد أعطيتم الأسئلة قبل أسبوع، ألم يكن ذلك كافياً حتى تستخفا بالاختبار وتتبادلا الغش أمام ناظري؟ ثم قام بإسقاطنا في الامتحان فطارت منا البعثة ولا ندامة.

وهذا هو بالضبط حال شريكي الحكم، حيث أن أسئلة الامتحان كشفت لهما وأمهلا ست سنوات للمذاكرة والمراجعة، وإذا بهما يأتيان يوم الامتحان وهما لم يذاكرا بما يكفي، ولم يجدا سوى اللجوء للغش والتدليس، وهما طريق السقوط المحتم. فقد كان هناك ما يكفي من الفرص والوقت لإنجاز ما سماه أحد الزملاء في "القدس العربي" (يؤسفني أنني نسيت اسمه ولكنني أرجح أنه كان إلياس خوري) "غسيل الأنظمة" (وأضيف أنا "غسيل الحركات"). وقد استخدم الزميل هذا المصطلح في حق بعض الأنظمة العربية (كما في البحرين وليبيا وغيرهما) أعادت طرح أنفسها على أنها نظم ديمقراطية إصلاحية رغم ماضيها الأسود في هذا المجال، ورغم أنها لم تغير كثيراً في سلوكها، وذلك على طريقة "غسل الأموال" بحيث يتم تدوير عائدات الكسب الإجرامي على أنها كسب مشروع بعد تمريرها عبر قنوات تبعد عنها الشبهة. ولكن حتى هذا لم يتحقق عندنا في السودان.

ويمكننا الآن أن ندلف على عملية توزيع اللوم. وهنا يستحق المؤتمر الوطني القسط الأكبر، أولاً لأنه الشريك الأكبر وقد كان بيده كذلك النصيب الأكبر من السلطة والمال والقدرة الأكبر على الفعل. فقد كان بإمكان المؤتمر أن ينجز أكثر لجهة كسب دعم الشارع وتعاون القوى السياسية الأخرى، وإصلاح أمر الاقتصاد وإعادة طرح نفسه كقوة تجسد الإجماع الوطني وتصبح قطبه المحوري. ولكنه عوضاً عن ذلك أصبح محور انقسام، وأصبح مضطراً للدفاع عن نفسه باستخدام القمع وتكميم الأفواه، كما لو كان وصل إلى السلطة عبر انقلابه العسكري بالأمس. وقد فشل المؤتمر كذلك في كسب الرأي العام الجنوبي لمشروع الوحدة. أما الحركة الشعبية فقد ضيعت كذلك الوقت والفرص، وفشلت في إقناع شريكها (أو الضغط عليه بما يكفي) لإنجاز واجبات المرحلة الانتقالية في وقتها، مما اضطرها إلى اللجوء إلى الشارع وإلى دعم أحزاب المعارضة التي شاركت في حرمانها من السلطة، تماماً كما لو أن الحركة لم تكن شريكاً في الحكم يوماً.

لكل طرف عذره بالطبع. فالمؤتمر الوطني يقول إن تقاعس المجتمع الدولي عن تقديم الدعم الموعود قد عرقل عملية إعادة البناء، كما أن الإرباك في قيادة الحركة الشعبية وخلافاتها الداخلية أخر كثيراً من الإجراءت المطلوبة. ولا شك أن هناك صحة في هذه المزاعم، لأن أزمة دارفور قد غيرت المعادلة وأضاعت حسن النية الدولي المطلوب لدعم إعادة الإعمار. وبنفس القدر فإن الحركة الشعبية تحتج بسوء نية شريكها في الحكم واستغلاله لخلافات الجنوبيين ومشاكل الحركة للتنصل من التزاماته بحسب اتفاقية نيفاشا. وهناك أيضاً بعض الصحة في هذه المزاعم. ولكن المحصلة أن كلا الشريكين سقط في الامتحان. وعندما يسقط الشخص في الامتحان قد تكون له طائفة من الأعذار المشروعة، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أنه سقط في الامتحان وأنه لا يستحق شهادة نجاح ولا ما يترتب عليها إلا بعد إعادة الامتحان، إن كانت هناك فرصة لذلك.

كثير من الأعذار هي بدورها ذنوب أخرى. فعندما يحتج المؤتمر الوطني بدارفور وتوابعها فإن هذا لا ينفي أن ما أصاب البلاد من جراء دارفور كان كارثة كبرى حتى لو كانت مزاعم الحكومة صحيحة بأنها كان ضحية افتراء ومؤامرات دولية. وكما قلت أكثر من مرة فإن الكارثة تكون أكبر لو كانت الحكومة بريئة من كل ما نسب إليها من آثام، لأن فشل البريء في إثبات براءته هو تقصير أكبر من فشل المجرم في الإفلات من العدالة. فلماذا لم تسارع الحكومة في تحديد من المسؤول عن هذا التقصير ومعاقبته بأضعف العقوبات، وهي استبداله بمن هو أقدر على إنقاذ البلاد من تبعات هذه الأزمة؟ هناك أيضاً صحة في مقولة أن أداء الحركة الشعبية لم يكن بالمستوى المطلوب، ولكن كان من المفترض في الشريك أن يعين شريكه على إصلاح أدائه بدلاً من استغلال مشاكله ومتابعه لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

الحركة الشعبية بدورها محقة في القول بأن البعض قد استغل خلافات الجنوبيين، ولكنها مخطئة في إلقاء كل اللوم على الغير، تماماً كما أن شريكها مخطئ في إلقاء كل اللوم في أزمة دارفور وتدهور العلاقة مع الجنوب على الغير. فقد قصرت الحركة في الاستماع لأصوات المخالفين والمعارضين في الجنوب، واستخدمت سياسة القبضة الحديدية بدلاً من سياسة الحوار التي تدعو لها في الشمال.

مهما يكن فإن التلاوم لن يفيد شيئاً ولا يغير من حقيقة الفشل مهما كانت مبرراته. ولعل السؤال ليس هو: من المخطئ؟ بل هو: ما هو المخرج؟ ويمكن باختصار أن يقال أن على الشريكين مواجهة بعضهما البعض والتحدث بصراحة عن الطريق الأقصر لإنقاذ عملية السلام عبر تعاونهما لإنجاز ما بقي من مهام الفترة الانتقالية بدلاً من التراشق بالتهم مهما كانت صحيحة. فليس هناك بين المواطنين من هو حريص على الاستماع لمبررات الفشل، وإنما نريد أن نرى النجاح وقد تحقق.

(ويسرني أنه قد بلغني في "خبر عاجل" بعد تسطير هذه النصيحة أن طرفي نيفاشا قد عملا بها سلفاً وأنجزا الاتفاق المطلوب حول بعض أهم القضايا الخلافية، ونحن نثمن هذا ونطالبهما بالاستمرار في هذا النهج وندعو لهما بمزيد من التوفيق).

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]