(1)

بحسب علمي فإن جنوب السودان ما يزال جزءاً من الوطن السوداني الذي ما زال تحت حكومة فدرالية واحدة. ولكنني عندما اجتهدت في متابعة التلفزيون "القومي" السوداني هذا الأسبوع، اختلط علي الأمر وخيل إلي أن جوبا هي في الواقع عاصمة لدولة أجنبية معادية، شأنها في ذلك شأن إسرائيل وسويسرا والدنمارك.

(2)

بينما كانت قنوات التلفزة في شرق العالم وغربه تتابع أخبار المسيرة الاحتجاجية التي نظمتها المعارضة في السودان، توجهت إلى القناة الفضائية السودانية فإذا خبرها الرئيسي ليس المسيرة الاحتجاجية التي كانت تنظم على بعد خطوات من مقر التلفزيون، بل مسيرة احتجاجية أخرى على بعد مئات الأميال في جوبا، نظمها على ما يبدو معلمون تأخر دفع أجورهم. وقد استنكر الخبر ما تعرضت له تلك المسيرة الأخرى من قمع على أيدي الشرطة هناك. وفي فقرة أخرى من النشرة استمعنا إلى أصوات لا تستنكر بنفس القدر قمع مسيرة أم درمان، بل تستنكر تسييرها أصلاً.

 (3)

في التعرض لمسيرات أم درمان أثير في النقاش التناقض في مواقف الحركة الشعبية التي تولت قيادة الاحتجاج، حيث طرح التساؤل عما إذا كانت الحركة شريكاً في الحكم أم جزءاً من المعارضة؟ ونفس السؤال يصح أن يطرح: هل الحكومة المركزية في السودان اليوم حكومة لكل السودان أم لجزء منه فقط؟ وإذا كانت مظاهرات الشمال والجنوب جرت في نفس القطر، فلا بد من تحديد موقف موحد: إما أن المظاهرات مشروعة لا يجوز قمعها، وإما أن القمع جائز في الحالين.

(4)

ما نخشاه هو أن الأطراف المعنية قد بدأت تتصرف بالفعل كما لو أن البلاد قد انقسمت سلفاً إلى قطرين مستقلين يعادي كل منهما الآخر. يتجلى هذا في الإصرار على ترسيم الحدود، وهو أمر لا معنى له في داخل البلد الواحد، وأيضاً في المناكفات حول شروط الاستفتاء. ولا شك أن التصرف بصورة عدوانية وكما لو أن الانفصال قد وقع سيسرع بالانفصال، لأن تصعيد التوتر مع الحركة الشعبية ينعكس سلباً على الرأي العام الجنوبي ويجيشه ضد الشمال والوحدة.

(5)

ليست الوحدة فقط هي التي أصبحت في المحك، بل كذلك مستقبل البلاد السياسي. أحد أكثر الأسئلة المحيرة في السياسة السودانية ظل حتى اليوم هو: كيف ستحدد الحركة الشعبية تحالفاتها في الانتخابات القادمة؟ هل ستحول شراكتها في الحكم مع المؤتمر الوطني إلى تحالف انتخابي يضمن استمرارية الوضع الحالي وبعض الاستقرار السياسي؟ أم هل ستتحالف مع المعارضة لتغيير نظام الحكم؟  أحداث الأيام الماضية أعطت إجابة حاسمة على هذه الأسئلة.

(6)

حتى الآن ظل الموقف الرسمي للحركة هو أنها لن تتحالف مع المعارضة لأن هذا سيقوض شراكة السلام مع المؤتمر الوطني وقد يهدد العملية السلمية بكاملها. ولكن يبدو أن التيار الغالب في الحركة قد اتخذ قراره مؤخراً بالانحياز الواضح للمعارضة مما قد يؤثر بقوة في نتيجة الانتخابات المقبلة إذا ترجم هذا القرار إلى تحالف انتخابي سيحرم المؤتمر الوطني من أغلبيته الانتخابية وبالتالي يعني عملياً تغيير النظام. ومن السذاجة اعتقاد أن هذا التطور سيمر بسلام.

 (7)

بعض عناصر التحالف المعارض لا تريد على ما يبدو حتى انتظار إجراء الانتخابات، حيث تشير بعض الشعارات إلى تمنيات بأن تتحول المظاهرات الحالية إلى انتفاضة تطيح بالنظام كما حدث لأنظمة سابقة. ولعل هذا ما كانت تخشاه الحكومة أيضاً مما برر القمع الحاسم للتجمعات. ولكن من الواضح أن هذا ليس هدف الحركة الشعبية التي تريد فقط أن تضغط على شريكها من أجل انتزاع تنازلات محددة.

(8)

قد تكون هذه الإشكالية المحورية في التحالف المعارض بشكله الحالي، لأن أجندات أطرافه غير متطابقة. فالأحزاب الشمالية المعارضة تقف خارج اللعبة السياسية بتركيبتها الحالية وتدفع باتجاه تغيير جذري. أما الحركة الشعبية فإنها جزء من النظام والعملية السياسية ولا تريد حالياً أكثر من تحسين وضعها التفاوضي داخله.

(9)

هناك معضلة في ترتيبات اتفاقية السلام القائمة قد تضع الأطراف أمام خيارات لا تخدم استراتيجياتها. فتنظيم الانتخابات خلال الفترة الانتقالية وليس في نهايتها وضع الحركة والمؤتمر الوطني معاً أمام تضارب مصالح. فالحركة تريد تعاون المؤتمر حتى نهاية الفترة الانتقالية أو على الأقل حتى الاستفتاء في العام الأخير منها، بينما يريد المؤتمر دعم الحركة حتى الانتخابات. أما بقية الأطراف فقد فرض عليها أن تقف موقف المتفرج خارج اللعبة، على الأقل حتى الانتخابات.

(10)

تعتبر الأزمة الحالية فشلاً لكلا طرفي شراكة نيفاشا لأن الخيارات التي أجبرا عليها لا تخدم مصالح أي منهما ولا مصلحة وحدة البلاد واستقرارها. ولكن كما كان الحال في مرات سابقة فإن المسؤولية الأكبر في الأزمة تقع على المؤتمر الوطني بسبب تنطعه واشتراطاته المتعسفة حول قانون الاستفتاء، وهي اشتراطات سيكون لها أثر عكسي باستعداء الرأي العام الجنوبي وخلق مناخ لا يخدم الوحدة.

(11)

على العقلاء في الطرفين –وهم فصيلة مهددة  بالانقراض- الضغط باتجاه حلول توافقية سريعة تنهي التوتر وتهيئ مناخاً مواتياً لانتخابات ذات مصداقية واستفتاء يعقد في أجواء بعيدة عن التوتر والتنازع حتى تعبر البلاد بسلام نحو الديمقراطية. وإذا لم تكن مصلحة البلاد هي الدافع للتعقل والاعتدال فإن المصلحة الحزبية تفرضهما لأن الخاسر الأكبر من الأزمات المتلاحقة هما الشريكان، وإن كانت خسارة المؤتمر ستكون أكبر لأن الحركة ضامنة حتى الآن لقواعدها الأساسية التي باسمها تمارس الضغوط الأخيرة، وهي تلعب الآن في ملعت الخصم. أما المؤتمر فيواجه معركة أكبر للاحتفاظ بأغلبيته الحالية التي لم يكسبها في انتخابات ولم يسبق قط لحزب سياسي أن كسبها.

 

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]