صراع الأفرقة والتدويل (و"التعريب") في دارفور بعد تقرير امبيكي: حلول الأمس ومشاكل اليوم

Abdelwahab El-Affendi" <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن تقرير الرئيس تابو امبيكي عن "أفرقة الشأن السوداني" باعتبارها الاتجاه الذي ساد مؤخراً في معالجة أزمات البلاد، أي بمعنى آخر اعتبار القضية السودانية شأناً افريقياً مثل ما تعتبر القضية الفلسطينية شأناً عربياً. وفي هذا الشأن اعتبرنا الأفرقة مقابلاً للأسلمة والتعريب، لأن التعامل مع الشأن السوداني افريقياً يعزز المركب الافريقي في الهوية السودانية على حساب المركبات الأخرى. وهناك ناحية إيجابية في هذا التوجه، إذ أنه يعزز الهوية السودانية باعتبار الهوية الافريقية هي العامل المشترك بين كل السودانيين.

ولكن "الأفرقة" لها مقابل آخر، هو التدويل. ففي الصراع الذي دار خلال السنوات الثلاث الماضية من أجل استبدال القوات الافريقية في دارفور بقوات أممية كان هناك موقفان، الأول يعتبر أن التدخل الافريقي قد فشل فشلاً ذريعاً، مما يستوجب نزع عملية دارفور من الاتحاد الافريقي وتحويلها إلى الأمم المتحدة، والثاني يصر على التمسك بالدور الافريقي ودعمه. وفي نهاية الأمر تم التوصل إلى تسوية تحيل الولاية على البعثة الأممية إلى الأمم المتحدة مالياً وإدارياً، مع الاحتفاظ بطابع افريقي غير محدد للبعثة. وقد أطلق على المهة بعد ذلك "البعثة المشتركة" وأصبحت القوات تسمى "القوات الهجين". وتعتبر هذه البعثة هي الأولى من نوعها في العالم التي تتشارك الولاية عليها الأمم المتحدة مع منظمة اقليمية.

 

ولكن منذ البداية كانت هناك إشكالات. فالخرطوم وأنصارها في الاتحاد الافريقي رأوا أنهم حسموا الأمر لصالح الأفرقة باشتراط دور محوري للاتحاد الافريقي في العملية وأن يكون الجنود ومعظم العاملين من الأفارقة. أما أنصار الأممية فقد رأوا أن قرار مجلس الأمن قد حسم الأمر لصالحهم وأن ما بقي مجرد تفاصيل. وقد زاد من عمق الأزمة أن "افريقيا" لم تكن على قلب رجل واحد في الأمر. فعلى سبيل المثال ما كان يمكن لقرار تحويل المهمة من الاتحاد الافريقي إلى الأمم المتحدة أن يحدث ما لم يعترف الاتحاد الافريقي رسمياً بفشله تحت ضغوط دولية رضخت لها بعض دوله المهمة التي قامت بدورها بالضغط على الآخرين لإعلان الفشل.

الأمر تغير نوعاً بعد قرار المحكمة الدولية توجيه الاتهام للرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية في مارس الماضي، حيث توحد الموقف الافريقي في معارضة هذه الخطوة وازداد تصلباً. وبينما لا تزال توجد أصوات افريقية قليلة تؤيد القرار، إلأ أن هذه الأصوات أغرقت في طوفان من الحماس المعادي للقرار الذي يبدو أنه أشعل فتيل الراديكالية الافريقانية الذي خبا بعد غياب رموزه من نكروما وسيكوتوري ونيريري وناصر وغيرهم، حيث خلف من بعدهم خلف بدا أنهم لا يقولون لا قط لمستعمر سابق. وقد زاد من حدة المشاعر الافريقية الإدراك بأن الاهتمام بدارفور في الدوائر الغربية قد صرف الأنظار عن قضية الجنوب واحتمال تقسيم السودان، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه القارة في هذه الحقبة بنظر هؤلاء، وخاصة دول الجوار.

عملياً فإن نقل الصلاحيات من الاتحاد الافريقي واجه تعقيدات أخرى. على سبيل المثال كان هناك وسيطان يشرفان على مساعي السلام، أحدهما يمثل الاتحاد الافريقي والآخر الأمم المتحدة. وقد حسم هذا الأمر بتعيين وسيط جديد سمي الوسيط المشترك من المفترض فيه أن يمثل الطرفين. ولكن هذا بدوره خلق إشكاليات عدة، بداية بكونه "رجل فيه شركاء متشاكسون"، مما فرض عليه تحديد ولاءه ولأي جهة يتبع. إضافة إلى ذلك فهناك إشكالية أخرى عن علاقة الوسيط مع رئيس البعثة المفترض أنه يتولى كل شؤونها، بما في ذلك شؤون الوساطة.

وإذا لم يكن هذا كافياً لتعقيد مهمة البعثة فإن تعيين الاتحاد الافريقي للرئيس تابو امبيكي لقيادة "لجنة الحكماء" لتقصي الحقائق وتقديم التوصيات لحل المشكلة، ثم تكليفه بمتابعة تنفيذ التوصيات من قبل قمة أبوجا الأخيرة خلق آلية أخرى للتعامل مع القضية وطرح إشكالية العلاقة بين آلية امبيكي وآلية البعثة المشتركة، وكيفية التوفيق بين الاثنين.

وهناك تعقيد إضافي يتمثل في خيار "التعريب"، حيث أن العرب استيقظوا عند منتصف الليل من سباتهم وأطلقوا في العام الماضي مبادرة كلفوا بموجبها قطر أن تقود جهود الوساطة في دارفور. وفي حقيقة الأمر فإن الجامعة العربية لم تستيقظ، ولكن قطر هي التي طرحت المبادرة وحصلت على المباركة العربية لتتجنب الحساسيات التي واجهت من قبل دورها في لبنان وفلسطين. وقد قبلت الدول المنافسة لقطر، وهي دول لا تعمل ولا تترك الآخرين يعملون، على مضض بالمبادرة، ولكنها بذلت وتبذل كل جهد لتقويضها.

مهما يكن فإن المبادرة القطرية لقيت قبول الأطراف الأهم وأصبحت المسار الوحيد الواعد بحل، مما جلب لها تأييد كل القوى الدولية والإقليمية، بما في ذلك الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الكبرى. ولكن المبادرة أعادت طرح قضية دور "الوسيط المشترك" الذي أصبح عملياً بدون مهمة. من الناحية الشكلية أعادت قطر انتاج حالة ما قبل تعيين الوسيط المشترك، حيث أصبح هناك وسيطان: قطري ومشترك، بدلاً من افريقي وأممي. وحتى الآن بدا أن الطرفين يتعاونان ويتكاملان، ولكن ليس هناك وضوح في دور كل طرف، ومسؤوليته عن العملية.

ولكن الإشكال الأكبر يبقى داخل البعثة المشتركة نفسها وهويتها. رئيس البعثة المستقيل رولف أدادا كان قد اتخذ موقفاً مؤيداً للهوية الافريقية للبعثة، وقد وضعه هذا الموقف في خط مقابل لموقف الوسيط المشترك الذي انحاز إلى الهوية الأممية للبعثة واستقوى بالدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا. ويلاحظ المراقبون أن الوسيط المشترك لايكاد يغيب عن العاصمة الفرنسية باريس. ولأن الأمم المتحدة هي التي تمسك بحافظة النقود، فإن أدادا أبعد من موقعه بعد أن أجبر على الاستقالة، وتمت تقوية العناصر المعارضة لخط أدادا في البعثة المشتركة. هذا بدوره أحنق قيادات الاتحاد الافريقي التي تتهم الوسيط بأنه لا يقدم لها نفس التقارير التي يقدمها للأمم المتحدة، ولا يتشاور مع القيادات الافريقية بنفس الوتيرة التي يتشاور بها مع القادة الأوروبيين. (الولايات المتحدة بدورها لا تتحمس للوسيط المشترك).

 

وقد بلغ التوتر حداً أن الوسيط لم يسمح له بمخاطبة قمة مجلس الأمن والسلم الافريقي التي أجازت تقرير امبيكي نهاية الشهر الماضي في العاصمة النيجرية أبوجا. وبدوره فإن الوسيط عبر عن تحفظات تجاه التقرير، مما قد يعقد من الإشكاليات التي تواجه جهود الوساطة. فمن جهة هناك تقرير امبيكي وتوصياته التي التزم الاتحاد الافريقي بالعمل على تنفيذها. وهناك الوساطات المتعددة والجهود الليبية والأمريكية والمصرية لتوحيد فصائل دارفور، وهي مهمة تبدو شبه مستحيلة حالياً. وفوق ذلك هنالك التوجه الافريقي والدولي حالياً نحو تركيز الجهود على اتفاقية السلام الشامل ومستحقاتها من انتخابات واستفتاء ومحاولة تفادي انفصال الجنوب أو التحسب لعواقبه إن حدث. وهذا التوجه يهدد بإعطاء قضية دارفور مكانة ثانوية في قائمة الاهتمامات الدولية، وهي مكانة ستتراجع أكثر لو زادت تعقيدات القضية وكثر التنازع حولها.

تقرير امبيكي سعى للتحوط من هذه المخاطر بالدعوة إلى التركيز على جهود السلام خلال الأشهر القليلة القادمة بحيث يتم التوصل إلى حل قبل موعد الانتخابات العامة في أبريل القادم، كما أنه أمن على محورية المنبر القطري للوساطة بالتعاون مع الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة. وإذا تم التقيد بهذه التوصية فإن من شأن التناقضات والاحتكاكات أن تقل ويتم التركيز على جهود السلام بدلاً من المماحكات الداخلية بين أطراف الوساطة الذين قد يصبحون بدورهم في حاجة إلى "وسيط مشترك" يعالج خلافاتهم.

ولكن لعل التحدي الأكبر الذي يواجه الجميع ينبع من التحول الجذري الذي طرأ على قضية دارفور وعدم التفات الأطر الحالية لبعض أهم جوانبها. فعندما تفجرت أزمة دارفور كانت المظالم التي رفعت تتعلق بالتمثيل السياسي العادل لدارفور في الحكومة المركزية، وحق دارفور العادل في التنمية، إضافة إلى المعالجات التي رآها البعض خاطئة لبعض صراعات دارفور الداخلية. المفارقة هي أن معظم هذه الإشكاليات جرت معالجتها في اتفاق السلام الشامل الذي أبرم في نيفاشا، وأمن على الديمقراطية والتمثيل العادل للأقاليم والتنمية المتوازنة، كما أن بعض الأمور المتبقية تمت معالجة معظمها في اتفاق دارفور للسلام الذي أبرم في أبوجا عام 2006. وإذا كانت بقيت إشكالات جانبية أخرى فإن أي منها ما كان يستحق ما أريق من دماء بعد ذلك ولا معاناة الملايين من المهجرين المستمرة منذئذٍ.

 

ولكن المسألة الأهم هي أن "قضية دارفور" الحقيقية توارت تماماً خلف القضايا الجديدة الناجمة عن تفجر الصراع نفسه. ذلك أن الاهتمام الدولي بدارفور يكاد ينسى تماماً قضايا التهميش والتمثيل، ويركز على آثار الحرب وما تم فيها من تجاوزات وما ترتب عليها من آثار (النزوح واللجوء). وحالياً ينفق المجتمع الدولي قرابة بليون دولار سنوياً لدعم قوات اليوناميد وبعثة الامم المتحدة وتقديم الإغاثة للنازحين واللاجئين، بينما أصبحت القضية الأهم التي تعوق جهود إعادة الاستقرار هي الخلاف حول الملاحقات الدولية للمسؤولين السودانيين. وليس أدل على تحول الاهتمامات من أن تكليف لجنة امبيكي كان محوره معالجة قضية العدالة ومنع الإفلات من العقاب.

هذا التحول أدى إلى تغيير جذري في طبيعة الأزمة بحيث أن المعالجات التي اتبعت في السابق وتتبع حالياً في معالجتها لم تعد تفي بالغرض. فليس الأمر كما كان في الجنوب، من حيث إمكانية التعامل مع حركة مسلحة واحدة تفرض سيطرتها العسكرية وإرادتها السياسية على الأرض، ولها مطالب محددة وواضحة يمكن التفاوض حولها. ففي دارفور اختفت المطالب الأساسية أمام تداعيات جديدة تتعلق بالحرب نفسها وآثارها. وليس تشرذم الحركات وحدها هو المشكلة، بل كذلك دخول أطراف أخرى في العملية، منهم المحكمة الجنائية ومجلس الأمن وكبار اللاعبين الدوليين، ثم الاتحاد الافريقي والجامعة العربية. ولا ننسى هنا ما ذكرناه أعلاه من الصراعات الداخلية عند كل طرف، بما في ذاك القائمين على الوساطة. وفوق كل هذا وذاك هناك تغييب تام لأطراف مهمة وأساسية في الصراع. فالكل يتحدث عن ميليشيات الجنجويد باعتبارها أحد أهم أطراف الصراع والمسؤولة عن غالبية التجاوزات، ولكن الجنجويد ومن يمثلهم غائبون عن مائدة المفاوضات، ولا حديث إلا عن القضاء عليهم و"إبادتهم" عبر نزع سلاحهم ومحاكمتهم. وهناك تغييب مماثل للقبائل التي تنتمي إليها هذه الميليشيات.

تلخيصاً نقول إن كل الحلول التي طرحت حتى الآن، بما فيها تقرير امبيكي، رغم ما لها من مزايا، ما زالت بعيدة على ملامسة كافة تعقيدات هذه المعضلة الكبرى التي تستدعي تفكيراً من نوع جديد لمعالجة جوانبها المتشعبة. فهذه الحلول هي حلول الأمس، وليست حلول اليوم ولا الغد.