Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

في معظم البلدان العربية هذه الأيام، نشهد ما يشبه التراجيديا الإغريقية: تتوالى فصولها، ويلعب فيها الممثلون أدوارهم بمهارة عالية. ولكن بخلاف أبطال التراجيديا الإغريقية مثل أوديب الذي أخبر العرافون بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه فكانت محاولات تجنب قدره هروباً إلى ذاك القدر، فإن أبطال التراجيديا العربية لايسعون إلى الهروب من قدرهم المسطور، بل يحثون الخطا إلى مقاتلهم وهم مفتوحو العيون.

 (2)

كما نرى في حالة مصر التي يجمع خبراؤها وأهل الرأي فيها على مخاطر التشبث الأعمى بسيناريو التوريث الأخرق، أو السودان الذي يتجه نحو تمزق محتوم، أو فلسطين التي يبتلعها العدو وقادتها يتنازعون على كراسي فارغة، فإن الأطراف المعنية تظهر مزيجاً من الشلل وعدم القدرة على الفعل من جهة، وتعجلاً للكارثة وهرولة نحو الهاوية بعيون مبصرة من جهة ثانية. فالقوم هنا أشبه بالممثلين في التراجيديا، منهم بأبطال الحكايات الحقيقية، لأنهم، مثل الممثل تماماً، يتبعون النص بدون انحراف أو اجتهاد، وكما هو الحال في التمثيلية، فإن المشاهد الذي قرأ القصة يعرف الخاتمة مسبقاً.

  (3)

ولا تكاد فصول التراجيديا تكون أكثر وضوحاً منها في الحالة اليمنية. فإذا كنا، ونحن الأجانب الذين لم نزر اليمن قد رأينا من على البعد معالم الانحدار السحيق نحو الهاوية قبل سنوات، فكيف بمن كانوا قريبين أو مشاركين في المأساة؟ أما المتسببين في المصيبة فهم كالعادة، آخر من يعلم. أو إن شئنا الدقة، آخر من يريد أن يعرف.

(4)

كما كان حال الأعراب منذ أيام بني أمية، كان الشعراء والمفكرون يحذرون من أن "تحت الرماد وميض نار"، بينما كان بيدهم الأمر ليسوا فقط عمياً عما يرى غيرهم، بل كانوا يصبون الزيت على تلك النار، ولا يستيقظون إلا وهم يصلطون جحيمها.

(5)

حتى في أكثر كوابيسنا رعباً ما كنا ونحن نطلق صفارة الإنذار صائحين "أدركوا اليمن!" نتخيل ما نراه اليوم. فقد كنا نعتقد أن الفتنة الحوثية قد تم تجاوزها بحل سلمي، وكان مصدر خوفنا هو ما كنا نراه من وميض نار تحت رماد الوحدة التي بدأت سلماً ثم اشتعلت حرباً وعادت اليوم مطالبة بالانفصال. وللأسف فإن ذلك الهم، وهو هم كبير، قد تضاءل اليوم أمام عودة الحرب الحوثية ثم تحولها بسرعة إلى حرب إقليمية لا يعمل إلا الله أين سينتهي مداها.

(6)

حينما تتحول الصراعات السياسية إلى عنف وصراع مسلح، فإن هذا مؤشر على هشاشة الأوضاع وهشاشة وضعف مؤسسات المجتمع المفترض فيها احتواء وحسم الصراعات. ولكن تفجر الصراعات المسلحة قد يكون بدوره عاملاً يكشف هشاشة أوضاع كان الكثيرون يعتقدون بصلابتها.

(7)ً

في الصومال كما في يوغسلافيا والكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً) حاولت أنظمة هشة تثبيت نفسها باستخدام القوة ضد المعارضين وإثارة العصبيات من كل نوع، فكان أن أطيح بالأنظمة أولاً ثم انهارت الدول بكاملها لاحقاً. نفس الأمر شهده السودان في الجنوب ثم في دارفور، حيث أطاحت حروب الجنوب بأربعة أنظمة حتى الآن، وهي في طريقها إلى إنهاء وجود الدولة الواحدة.

(8)

ولا تسلم الدول المسماة عظمى من هذه البلية، فمن كان يعتقد أن مغامرة الاتحاد السوفيتي الأفغانية لن تنتهي فقط بهزيمة منكرة، بل ستكون بداية انهيار الاتحاد السوفيتي بكامله؟

(9)

في الحالة اليمنية نتجت الأزمة عن هشاشة النظام ومناوراته للبقاء الفردي في السلطة. وليس الأمر بمنأى عن بلية التوريث التي تعتبر الحد الأقصى للفساد الذي يتعدى نهب أموال البلاد والاستئثار بها دون أهل الحق إلى نهب البلد بكاملها وتحويلها إلى ضيعة خاصة تورث للأبناء وتقسم على الأقارب. ولكن تفجر الصراعات كشف هشاشة الدولة، أو بالأدق كشف أن الاستماتة في الدفاع عن النظم التي فقدت عمرها الافتراضي سيجعل البلاد بكاملها تذهب قرباناً لدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه.

(10)

هذه الحروب ليست إذن حروب الوحدة، بل هي حروب الأحادية. إنها حروب الدفاع عن نظام الحاكم الفرد والتضحية بالبلد من أجل الأسرة ومن أجل تجنيب الفاسدين المفسدين المساءلة عن انهيار النظام. ولكن ما نخشاه هو أن تكون أيضاً حروب التمزيق ليس فقط لليمن، بل للمنطقة.

(11)

لا ندري من الذي زج بالسعودية في هذه المعركة الخاسرة، ووسع نطاق الصراع الذي كان من مصلحة الجميع احتواؤه، لأن إشعال هذه الفتنة قد يفتح أبواباً يتسع فتقها على الراتق، فيعيد إشعال صراع الحدود، ويحرك الفتن في مناطق السعودية المختلفة، وربما في الخليج، وهو آخر ما تحتاجه المنطقة.

(12)

كما قلنا من قبل فإن أقصر الطرق إلى درء هذه الفتنة والفتن الأخرى التي تهدد اليمن وما حوله هو تغيير النظام واستعادة الديمقراطية. فأهل الجنوب لم يطالبوا بالانفصال إلا بعد أن يئسوا من نيل حق المواطنة في اليمن الموحد الذي أصبح ضيعة خاصة للفرد وبطانته. وما يمليه العقل هو أن التضحية بفرد من أجل بقاء الوطن (ومن أجل سلامة المنطقة بكاملها) أفضل من التضحية بالبلد من أجل مصلحة فرد.