Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

يقول المقربون من رئيس جنوب افريقيا السابق تابو امبيكي، رئيس "لجنة الحكماء" التي شكلها الاتحاد الافريقي في مارس الماضي لإعداد تقرير حول الحلول المقترحة لأزمة دارفور، إن الرجل يتميز غيظاً بسبب التصريحات التي نسبت إلى وزير الخارجية المصري السابق وعضو اللجنة أحمد ماهر. وكان ماهر قد أدلى بتصريحات فهم منها أن مهمة اللجنة الأساسية كانت تجنيب الرئيس السوداني المشير عمر أحمد البشير المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهو تحديداً ما كانت بعض حركات التمرد في دارفور تتهم به اللجنة. وقد كتب امبيكي رسالة شديدة اللهجة إلى وزارة الخارجية المصرية ينتقد فيها تصريحات ماهر الذي يقول أعضاء فريق امبيكي إنه لم يحضر من اجتماعات اللجنة سوى الأول والأخير، ولم يشارك في أي من مداولاتها. ويضيف هؤلاء أن ماهر الذي امتنع عن زيارة دارفور ضمن الفريق بحجة أنه قد يتعرض للخطر كونه عربياً (!) وضع في الاجتماع الأخير للجنة أمام خيار الانسحاب من اللجنة رسمياً أو توقيع التقرير كما هو فاختار التوقيع.

 

من جهة أخرى فإن الاستنتاج بأن اللجنة كانت تبحث عن بدائل مقبولة للجنائية الدولية لا يمكن استبعاده كلياً. فمن المعروف أن لجنة الحكماء تم تشكيلها بعد صدور قرار طلب مثول الرئيس البشير أمام المحكمة الدولية، وهو الطلب الذي رفضه الاتحاد الافريقي بما يشبه الإجماع. وعليه فإن الاتحاد كان يتوقع أن تتسق مقترحات اللجنة مع موقفه المعلن. إلا أن المعروف كذلك أن امبيكي لم يقبل التكليف إلا بعد أن اشترط أن يمنح الحرية الكاملة للوصول ولجنته إلى الاستنتاجات التي تفرضها تحرياته في الأمر بدون التقيد بأي مواقف مسبقة.

 

وقد التزم امبيكي ولجنته هذا المبدأ، حيث أنه لم يزد على تسجيل موقف الاتحاد الافريقي من المحكمة دون أن يصرح بتأييد أو معارضة له، في حين أكد على اعتراض الاتحاد الافريقي على افلات مرتكبي الانتهاكات من المحاسبة، كما سجل تخوف الاتحاد الافريقي من أن يهدد توجيه الاتهام إلى رئيس الدولة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان استقرار الدولة ومجهودات السلام الهشة في البلاد. ويسجل امبيكي كذلك خلافات السودانيين حول الجنائية الدولية والاستقطاب الحاد بين الرافضين والمؤيدين، ويعيد الكرة إلى ملعبهم، قائلاً أن الأمر لا بد أن يحسم بحوار سوداني-سوداني، سواءً على الساحة السياسية أو خلال مفاوضات دارفور. ويختم بالقول بأنه مهما كان من أمر الجنائية فإن المحاكم الدولية بطبيعتها لن تستطيع سوى محاكمة عدد محدود من المتهمين، مما يترك العبء الأكبر في تحقيق العدالة على الآليات الوطنية الداخلية.

 

بهذا الموقف الحيادي يخرج امبيكي نفسه من الجدل العقيم بين الفريقين المتصارعين حول المحكمة الدولية، مذكراً بأن قرار المحكمة ما يزال أشبه بالشعار أكثر منه بالحكم القضائي، وبأن موضوع الخلاف هو قضية عملية أكثر منها قانونية. فكأنه يقول لمؤيدي المحكمة إن تقريري لا يمنعكم من اعتقال البشير إن كنتم على ذلك من القادرين، فدونكم إياه إن أردتم. فالقرارات "الدولية" ليست بشيء ما لم تؤيدها دول العالم، والتأييد لقرار اعتقال البشير يكاد يكون معدوماً بين دول المنطقة. وحتى تأييد القرارات "الدولية" لأسباب تخص الدول المؤيدة (مثل حصار العراق وغزة من قبل دول الجوار) يذكر بمحدودية فعالية التدخلات الدولية، وأنها بطبيعتها تضر بغالبية المواطنين أكثر مما تؤثر في المقصودين بها. فقد تعرض كل من العراق لغزة لأشد حصار شهده التاريخ دون أن يؤدي ذلك لإسقاط الأنظمة المعنية. وحتى حين يصل التدخل الأجنبي مداه بالغزو العسكري كما حدث في أفغانستان والعراق، ولدرجة أقل في غزة وجنوب لبنان، فإن النتائج نادراً ما ترضي تطلعات أنصار التدخل. وبما أن أي طرف لا ينوي التدخل عسكرياً في السودان حالياً أو حتى فرض حصار مشدد عليه، فإن أي قرار دولي يبقى حبراً على ورق.

 

ولكن التقرير لم يترك الأمر عند هذا الحد، بل سعى إلى الاستجابة لمطالب المنادين بالتدخل الأجنبي عبر اقتراح رفد المحاكم السودانية والنظام القانوني السوداني بقضاة وقانونيين أجانب يعملون في محاكم مختلطة تتولى التحقيق في جرائم دارفور، إضافة إلى إجراءات أخرى مثل الاعتراف الرسمي بمظالم الضحايا والاعتذار عما أصابهم، ولجان الحقيقة والمصالحة ونظام التعويضات والتراضي التقليدي.

 

وقد أثار تركيز تقرير امبيكي على العدالة بعض الانتقادات ممن رأى أنه جارى المحكمة الجنائية الدولية في الاهتمام بشكلية العدالة دون الاعتبار بمقوماتها السياسية والاجتماعية. وعزا بعض المنتقدين الأمر إلى أن كل الخبراء المحلقين بلجنة الحكماء وعدد من أعضائها كانوا من ذوي الخلفية القانونية. ولكن التركيز على موضوع العدالة يعود كذلك إلى قرار تكليف اللجنة الذي حدد مهامها حول تقديم توصيات قضايا المحاسبة وعدم الافلات من العقوبة، إضافة إلى المصالحة والمصارحة.

 

ولكن التقرير مع ذلك لم يغفل متطلبات السلام الشامل، حيث قدم توصيات حول الطريقة الأمثل للمفاوضات (عدم اقتصارها على الحركات المسلحة وإدخل بقية ممثلي المجتمع في دارفور ضمن عملية السلام)، والتعامل مع جذور الصراع، والبناء على الاتفاقيات التي وقعت من قبل، وإدراك التلازم بين العدالة والمصالحة، وأن تحقيق السلام لا بد أن يتم في إطار ديمقراطي يشترك فيه الجميع في إعادة صياغة سودان جديد يقوم على تصحيح ظلامات الماضي والتمييز الإيجابي لصالح الجماعات والجهات التي عانت الحرمان في الماضي. ودعا التقرير إلى معالجة شاملة للقضية تأخذ في الاعتبار جذورها البعيدة في التهميش والإهمال، والقريبة في صراع الموارد ثم العنف الرسمي، مع مراعاة العوامل الخارجية، ومعالجة السلبية منها (مثل التوتر في علاقات السودان مع دول الجوار وبعض مكونات المجتمع الدولي وغياب الدعم الدولي الفاعل لعمليات السلام والتنمية) وتقوية الإيجابية منها (مثل دور الاتحاد الافريقي في عملية السلام وحفظ الأمن، ودور الأمم المتحدة في حفظ السلام وتقديم الدعم الإنساني).

 

ولأن التقرير يأمل (بل يفترض) أن يكون للحكومة الدور الرئيس في تنفيذ توصياته تحت إشراف افريقي، فإن لهجة التقرير كانت في الغالب تصالحية،حيث أنها لا تهمل الإشادة بما حققته الحكومة من "تقدم" في المجالات المعنية (مثل إبرام اتفاقية سلام دارفور، وانخراطها في عملية الدوحة والمساعي الجارية لتغيير القوانين لتضمينها عقوبات لجرائم وقعت في دارفور). ولكن امبيكي وأصحابه سعوا –بعد الاستماع إلى أصوات الآلاف من مواطني دارفور- إلى تسجيل ومساندة مطالبة الدارفوريين بالعدالة، فأكدوا على وقوع انتهاكات جسيمة وواسعة لحقوق الإنسان في دارفور، واتهموا الحكومة بأنها لم تفعل شيئاً لملاحقة مرتكبي التجاوزات، كما طالبوا برفع كل أشكال الحصانة عن المتهمين بالانتهاكات، إضافة إلى توصية المحاكم المختلطة.

 

وقد ظهرت حكمة معدي التقرير حين تجنبوا الوقوع فيما وقعت فيه قيادة اليوناميد حين أكدت في تقاريرها الأخيرة انخفاض معدل حوادث القتل في دارفور إلى ما دون حالة الطوارئ، حيث سجل تقرير امبيكي هذا الانخفاض، ولكنه ذكر بأن معظم أهل دارفور ما زالوا يعيشون حالة من انعدام الأمن إضافة كون ملايين النازحين يعيشون أوضاعاً لا تفي بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. وقد دعا التقرير إلى تسريع جهود السلام ليس فقط لإنهاء معاناة الضحايا، بل أيضاً لضمان مشاركة أهل دارفور في العملية الديمقراطية ولكي يكونوا حاضرين على الساحة السياسية عند ممارسة الجنوب حقه في تقرير المصير. وعملياً فإن هذا المطلب قد حدد سقفاً لإنهاء العملية السلمية لاي ينبغي أن يتجاوز مارس القادم، لأن الانتخابات العامة ستجري في أبريل.

عموماً يمكن أن يقال أن التقرير سعى لتقديم رؤية متوازنه وواقعية للأزمة، وإن كان انحاز أكثر إلى مطالب الحركات، خاصة لجهة تحميل الحكومة المسؤولية الأكبر ومطالبتها بالاعتراف بحجم المشكلة وتقديم الاعتذار وطلب الصفح من الضحايا. ولكن يبدو أن النقطة التي أثارت الاعتراض الأشد عند أنصار الحكومة كانت مقترح المحاكم الهجين الذي دفع باتحاد المحامين السوداني الموالي للنظام باعتبار التقرير "مؤامرة" دولية شاركت فيها بزعمهم فئة من المحامين السودانيين المحسوبين على المعارضة. ومن جانبهم فإن معظم المتحدثين باسم حركات التمرد في دارفور (وقد قاطع أكثرهم لجنة امبيكي) واصلوا اتهامهم للجنة بأن هدفها الوحيد كان دعم الموقف الحكومي، وهي تهمة وجدت ذخيرة إضافية في تصريحات ماهر غير الموفقة.

 

هناك ملاحظات إضافية تستدعي التوقف عندها: أولها أن التقرير يعزز ما يمكن وصفه ب "أفرقة الشأن السوداني"، وهي مفارقة لافتة، خاصة أن الحكومة الحالية جاءت إلى السلطة بأجندة معارضة لمطالب الحركة الشعبية في أفرقة السودان، ومدافعة عما كانت تراه تهديداً لهوية السودان العربية-الإسلامية. ولكن العرب خذلوا السودان، بينما تصدت افريقيا منذ وقت مبكر للعب دور بناء بدأ بمفاوضات أبوجا حول الجنوب في عام 1992 وانتهى بتقرير امبيكي. ويعود هذا من جهة إلى أن افريقيا تشهد نهضة تتمثل في تعزيز الديمقراطية والوحدة فيها، ظهرت في تضامنها مع ليبيا ضد الحصار ووقفتها مع الديمقراطية في موريتانيا في حين وقف العرب في الجانب الآخر في الحالين. من جهة أخرى تزامنت

 هذه النهضة الافريقية مع تصميم على دعم استقلال القارة والحد من التدخلات الخارجية فيها. وقد أصبحت قضية دارفور اختباراً حاسماً لقدرة القارة على معالجة قضاياها بنفسها، وهو ما جنب القارة خطر الانقسام حول دعوى أن الحرب هناك كانت بين "العرب" و "الأفارقة". وقد عزز اختيار امبيكي من هذا التوجه نسبة لخلفيته في النضال ضد الفصل العنصري في جنوب افريقيا، حيث ما يزال هناك إحساس بالمرارة ضد الغرب لدعمه نظام الفصل العنصري، إضافة إلى اعتزاز جنوب افريقيا باستقلالها الاقتصادي خلافاً لمعظم بقية دول افريقيا.

 

الملاحظة الأخرى هي أن التقرير استجاب على ما يبدو للضغوط التي ترى تقديم العدالة الشكلية على السلام، مما جعل بعض توصياته في هذا الشأن غير واقعية، خاصة مطالبته بتعزيز البنية القانونية ورفع الحصانة عن المسؤولين، لأن هذا يعني عملياً مطالبة الحكومة بمحاكمة نفسها وأنصارها ورحى الحرب ما تزال دائرة، وهو أمر مستبعد. فالإشكالية الآن ليست هي كفاءة القضاة (وإن كان يمكن أن يقال أن القضاة الأجانب قد يكونون أقل تعرضاً للضغط والإرهاب الرسمي) بل هي في البنية السياسية-القانونية بمجملها، إذ كيف يتوقع من أجهزة الدولة أن تجمع الأدلة ضد كبار مسؤليها وأنصارها ثم تباشر باعتقالهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم والحرب لا تزال مستمرة؟ ذلك أن هذا سيرسل رسالة سالبة لأنصار الحكومة من قادة الميليشيات وهي ما تزال تحتاج إلى دعمهم في الحرب. وعليه كان لا بد من التركيز على وقف الحرب أولاً والاتفاق على آليات المحاسبة على مائدة مفاوضات السلام.

 

هناك وجه اعتراض آخر ورد من حركات التمرد حول توسيع دائرة المشاركة في المفاوضات، حيث اعتبر هذا محاولة لتهميش الحركات وتمييع عملية السلام. ولكن هذا المقترح تمليه مسألتان: الأولى تشرذم الحركات وعدم وجود حركة أو مجموعة حركات يمكن لإبرام اتفاق معها إنهاء الحرب. أما المسألة الثانية فإنه لو استجابت الحركات لمقترح التقرير بوقف إطلاق النار بصورة نهائية فإن وزن الحركات سيعتمد بعد ذلك على الدعم الشعبي الذي تلقاه ودعم منظمات المجتمع المدني وقيادات المجتمع لها.

 

التقرير يحتاج بالقطع إلى مناقشة أوسع نأمل أن تتسنى لنا في فرصة لاحقة.