Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

عقب الرحيل المفجع لكابتن محمد علي (أنظر مقالة الجمعة الماضية) اطلعت على دعوة نشرت على الانترنيت من قبل الجالية النوبية في المملكة المتحدة تتضمن مبادرة كريمة لإقامة مجلس عزاء للفقيد رحمه الله في لندن. وكنت وأنا في طريقي إلى مجلس العزاء أتعجب كيف أن تلك كانت أول مرة أعرف فيها أن فقيدنا هو من أهلنا المحس الكرام، رغم معرفة طويلة امتدت قرابة ثلاثة عقود.

(2)

كان آخر لقاء لي بالكابتن في رمضان الماضي في منزل صديقنا المشترك (وصديق كل من عرفه) الدكتور هاشم على أحمد بالخرطوم. وكان هاشم كعادته قد أولم وليمة عظيمة دعا لها ثلة من الأخيار. وقد أخذت أستعرض في ذهني تلك المجموعة، فتذكرت أسماء معظمهم وتخصصاتهم ومساهماتهم المعروفة لخدمة وطنهم في مجالات عملهم المهني. وقد عرفت مواطن قلة منهم في السودان، ولكني لا أكاد أعرف قبيلة أي منهم.

 (3)

تذكرت أيضاً أنني عرفت لأول مرة بعد انفجار التمرد في دارفور في مطلع عام 1991 أن الأخ داود يحيى بولاد رحمه الله كان من قبيلة الفور. وقد كنت عرفت الأخ بولاد عن قرب منذ أيام الجامعة، وكان الواحد منا يأتمن الآخر على حياته (حقيقة لا مجازاً حيث كانت أمور الحماية والتموين والاتصالات لداود وصحبه في مخابئهم تحت إشرافي المباشر)، دون أن يخطر لأي منا أن يسأل أخاه لأي قبيلة ينتمي.

(4)

 لم يكن هذا التجنب للسؤال عن الأصل متعمداً من جانبنا، فكلنا كان يعتز بأهله ومنبته وعشيرته. ولكن حقيقة لم يخطر لنا قد أن هذا من الأمور التي ينبغي السؤال عنها. فقد كنا نهتم بتوجه الشخص السياسي أولاً، ثم شخصيته وإن كان من أهل الخلق ومناط الثقة. كنا أحياناً نتحرى عن مواهبه وقدراته، وكنا نعرف من أي كلية ومن أي تخصص هو. أما عن قبيلته وانتمائه العرقي فما كان يخطر لنا أن نسأل.

(5)

في الصيف الماضي كنت في زيارة إحدى الجامعات في العاصمة السودانية، وكان مضيفي يطوف بي على الأقسام ويقدم لي الأفراد فيقول هذا فلان صاحب التخصص الفلاني، وهو من قبيلة كذا. صدمت بهذا وقلت لصاحبي أمام مجموعة من الأساتذة: هل وصل الأمر إلى هذه الدرجة بحيث أصبحت القبيلة من ضمن التخصصات العلمية؟ أصيب الإخوة بالحرج وسعى بعضهم لتبرير الأمر، مع التأسف على ما آلت إليه الأحوال.

 (6)

هذا الأسبوع حطت رحالي في الخرطوم وطفت على بعض مجالس العزاء بدءاً من منزل الصديق محمد علي. وفي كل مجلس كان النقاش يدلف بعد خمس دقائق إلى حديث عن القبائل وتفاضلها، ظاهره المزاح والتندر، وباطنه غير ذلك. وقد سارعت في كل حالة باستهجان الخوض المستغرب في هذه الأمور التي تفرق ولا تجمع. وفي إحدى المرات علق أحد شهود المجلس، وكان مسؤولاً رسمياً، قائلاً: لقد شهدنا في السنوات الأخيرة ردة أعادتنا أربعمائة عام إلى الخلف.

 (7)

كان أسلافنا من مناضلي الحركة الوطنية يتعمدون رفض الإشارة إلى الأصل القبلي كأحد أساليب النضال ضد السلطات الاستعمارية التي أصرت على تضمين كل الاستمارات المطلوبة للدراسة والتوظيف والحصول على الخدمات الصحية وغيرها خانة تحت مسمى "الجنسية"، وكان المطلوب أن يكتب مقدم الطلب قبيلته في ذاك الموضع. ولكن الطلاب وطالبي الوظائف وحتى بعض رجال الجيش والشرطة كانوا يصرون على كتابة "سوداني" في ذاك الموضع، رغم أن هذا كان يعرضهم إلى العقوبة وربما الاعتقال وفي الغالب فقدان الوظيفة أو فرصة التعليم. ولكنهم كانوا يسترخصون مثل هذه التضحيات في سبيل المبادئ الوطنية.

 (8)

هذه الأيام أصبح الانتساب إلى القبيلة والطائفة والأصل العرقي أحد مداخل تحقيق المصالح الشخصية على حساب من هم أحق، وعلى حساب مبادئ ومثل العدالة. وللأسف سرت هذه العدوى حتى إلى من يشكون من كونهم ضحايا التمييز، حيث نجد أن حركات التمرد في دارفور قد أصبحت تشهد أسوأ أنواع التشرذم القبلي والعشائري، وليس الجنوب بأفضل حالاً.

 (9)

إننا على ما يبدو في حاجة إلى أن نستعيد من جديد سيرة الحركة الوطنية في الجهاد ضد القبلية والعنصرية والجهوية والعشائرية والطائفية وكل أنواع التحيز البغيض لفئة من المواطنين ضد أخرى بغياً وعدواناً. سوى أن الإشكالية هنا هو أن العصبية المعاصرة هي صنف جديد ينخرط فيه الناس بحماس، وقد كثر المنتفعون به واستشرى حتى أصبح مثل السرطان، بل مثل إدمان المخدر الذي يعتبر المبتلى به الطبيب المداوي عدواً مبيناً لشدة تعلقه بما يهلكه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.