تبادل الأدوار بين شاه إيران وعرب إسرائيل في ثلاثينية ثورة إيران

 

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   

 

في عشية رأس السنة الميلادية (31 ديسمبر) من عام 1977، أطلق الرئيس الأمريكي جيمي وهو يتبادل الأنخاب في طهران مع مضيفه "ملك الملوك"، شاهنشاه إيران، جملته المشهورة: "إن إيران تحت قيادتكم الحكيمة قد أصبحت جزيرة استقرار في منطقة مضطربة". وبعد أيام قليلة تفجرت أولى مظاهرات الثورة الإيرانية بعد أن نشرت إحدى الصحف مقالة تهاجم شخصاً لم يكن كارتر قد سمع به، يدعى آية الله روح الله الموسوي الخميني. ولم ينته العام حتى كان نظام الشاه يلفظ أنفاسه الاخيرة، ثم أصبح كارتر نفسه ضحية للثورة الإيرانية حين خسر انتخابات عام 1980 بسبب أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران.كان هذا درساً لم يتعلمه الأمريكيون بعد في مفهوم الاستقرار. فالاستقرار عندهم يعني وجود نظام يوالي أمريكا ويقمع الشعب. والمعروف أن معارضة الخميني لنظام الشاه لم تكن في بداية الأمر حول الشريعة الإسلامية أو العلمنة، إذ أنه بعد من إيران في عام 1964 لانتقاده قرار الشاه منح الحصانة القانونية لكل المواطنين الأمريكيين العاملين في إيران وأسرهم في حركة تذكر بنظام الامتيازات الذي مهد في القرن السابق لوقوع إيران وبقية الدول الإسلامية تحت الوصاية الأجنبية ثم الاستعمار المباشر. وقد فشل الساسة الأمريكيون في أن يفهموا أن قرار تحويل إيران إلى محمية أمريكية لا يمكن إلا أن يثير حنق الشعب خاصة إذا احتاج الأمر إلى سياسة قمع مستمرة.في نفس العام الذي شهد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، وما تبعه من إغلاق السفارة الإسرائيلية هناك وتسليم مبانيها لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان العالم العربي يشهد تحركاً في الاتجاه المضاد، حيث تم في عام 1978 توقيع اتفاقية كامب دايفيد وفتح السفارة الإسرائيلية في قاهرة المعز. وفي عام 1980 كافأ العرب تصدي إيران للنفوذ الأمريكي الصهيوني في المنطقة بشن الحرب عليهامن العراق بتشجيع أمريكي وحماس عربي من دول الانبطاح التي كانت ولا تزال تدعو للسلم مع إسرائيل والحرب على إيران. ثم جاء عام 1990 حيث انقلب نفس المعسكر العربي على العراق (وانضمت إليه سوريا التي تفردت حتى ذلك الوقت باتخاذ الموقف الصحيح من الحرب) فاكتملت حرب العرب على أنفسهم. وكانت النتيجة المنطقية لذلك ما سمي بالهرولة العربية باتجاه إسرائيل، والتسابق على من يكون الأكثر حظوة عند الدولة العبرية. وإذا كان المشهد في مطلع السبعينات هو انحياز إيران وتركيا إلى المعسكر الغربي وبناء علاقات حميمة مع إسرائيل، بينما كان العالم العربي يشهد إجماعاً على مواجهة إسرائيل وخلافاً حول العلاقة مع أمريكا، فإن الأمر تحول اليوم: أصبحت إسرائيل تعتبر إيران هي العدو الأكبر، إن لم يكن الأوحد في المنطقة، وتصرح بأن العرب يشاركونها الشعور. أما تركيا فإنها برزت كقوة مستقلة تحاول أن تلعب دوراً مميزاً في المنطقة. وفي هذا التبادل المدهش للأدوار، استسلم العرب لإسرائيل استسلاماً، بل أصبحوا يتسابقون على خدمتها، بينما إيران الشاه وتركيا أتاتورك تحولتا للوقوف في وجه إسرائيل ومخططاتها. الفرق هو أنه عندما كان الشاه حليف أمريكا الأقرب في المنطقة، لم تكن إيران تتلقى دعماً مالياً من أمريكا ولم تكن تعتمد في أمنها على الولايات المتحدة، بل بالعكس، كانت إيران التي وصفت ب " شرطي المنطقة" صاحبة خامس أقوى جيش في العالم تقدم الحماية لأنصار أمريكا وتضمن الأمن نيابة عنها. وبالمثل فإن تركيا كانت تعامل بالاحترام، وكانت عضواً كامل العضوية في حلف الأطلسي تشارك في حماية جناحه الشرقي. وكان تحالف البلدين مع إسرائيل من منطلق الندية ومنطق المصالح المتبادلة. وبالمقابل فإن أنظمة الانبطاح العربية تعامل باحتقار من كل من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، وتعتمد اعتماداً كاملاُ على الخارج، إما اقتصادياً وإما لضمان أمنها. وفيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل فإن الثمن الذي تتقاضاه الأنظمة يكاد يقتصر على دعمها ضد شعوبها. وهذا يدعو إلى التمسك برضى إسرائيل باعتباره لا غنى عنه، وإلا ذبح الحاكم "من الوريد إلى الوريد" كما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس لرئيس وزراء قطر ليبرر عجزه عن حضور قمة الدوحة ضد رغبة الأسياد. والملاحظ أن الشكوى العربية (والأمريكية) من إيران ما زالت تتلخص في "تزايد" نفوذها، حيث يشكو هؤلاء من أن قوة إيران العسكرية في تصاعد، وعلاقاتها السياسية الوثيقة مع القوى الصاعدة في العراق ولبنان وفلسطين تؤثر سلباً على مصالح الدول الأخرى. وهناك التخوف من الخطر النووي الإيراني المزعوم، والتوجس من كل تقدم تقني إيراني، كما حدث عندما أطلقت إيران قمرها الصناعي في ذكرى الثورة، فلم تتلق تهنئة على هذا الإنجاز المدهش لدولة مفترض أن تكون من العالم الثالث، بل كانت التعليقات سالبة في معظمها. التقابل المدهش إذن بين حالة العرب، وهم عشرون دولة وربع مليار نفس، وفيهم دول كثيرة أغنى من إيران، وأخرى أكثر سكاناً وأعرق تاريخاً، وبين إيران فيما قبل الثورة وما بعدها، يشير إلى تباين كبير في القوة والقدرة على الاعتماد على الذات. فإيران كانت قوية ومؤثرة حين كانت في المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، وهي اليوم قوية ومؤثرة حين تحولت إلى المعسكر الآخر. أما العرب فإنهم لم يضروا إسرائيل معاداة ولم ينفعوا أمريكا وإسرائيل كأصدقاء.وإذا كانت هناك أمة تحتاج إلى ثورة، فإن الأمة العربية هي أحوج الأمم إلى مثل هذه الثورة التي تنسف أنظمتها المتهاوية وتعيد بناءها من جديد. ولعل الأمة العربية في وضعها اليوم أشبه بروسيا القيصرية عشية ثورة أكتوبر 1917، منها بإيران ما قبل ثورة 1979. فإيران كانت عشية ثورتها غنية قوية مؤثرة، لم يهزم جيشها في حرب ولم تهز اقتصادها أزمة، بل كان داؤها هو الاستبداد وموالاة من كانت تراهم الأمة أعداء. أما العرب فهم مصابون بالاستبداد، وموالاة العدو، والعجز والهزائم والأزمات الاقتصادية، والقائمة تطول. وإذا لم تقم ثورة تعيد الحياة إلى الأمة فإن موتها يصبح محتماً، تماماً كما كان فشل الدولة العثمانية والدويلات الإسلامية في إصلاح نفسها في فجر الحداثة إيذاناً بسقوطها فريسة سهلة في أيدي المستعمرين. الثورة الإسلامية التي أكملت عامها الثلاثين هذا الشهر كانت حدثاُ مزلزلاً بلا شك، يقارن في أهميته التاريخية بالثورات العالمية الكبرى، مثل الثورة الفرنسية التي نقلت أوروبا من عصر إلى عصر وشكلت وعي الحداثة السياسي، والثورة البلشفية التي رسمت خريطة العالم السياسية لقرن من الزمان. فقد أعادت ثورة إيران الإسلام إلى الفعل السياسي بعد غياب لأكثر من قرن من الزمان، وأعادت بدورها رسم خريطة المنطقة، وألهمت الملايين في العالم الإسلامي وما حوله، خاصة وأنها جاءت في وقت ظهر فيه وهن المعارضة الثورية لسطوة الغرب الرأسمالي مع تضعضع الاتحاد السوفيتي وتهاوي المقاومة العربية لإسرائيل. وقد زادت إيران فأهدت العالم ثورة أخرى حين بدا مع وصول الرئيس محمد خاتمي إلى السلطة في عام 1997 أنها على أعتاب تحول ديمقراطي كبير أصبح بدوره مصدر إلهام للقوى الشعبية الساعية للتغيير في المنطقة والمتطلعة إلى الفاعلية السياسية. ولا شك أن انتكاسة تلك التجربة أفقدت إيران وثورتها الكثير من بريقها الأول، ولفتت النظر إلى المآخذ الكثيرة على تجربتها الثورية، وما شابها من نوازع استبدادية وميل إلى الإسراف في العنف والأطروحات الطائفية.القول بأن الثورة الإيرانية كانت مصدر إلهام لا يعني أنها قدمت نموذجاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فشعوب العالم وجدت الإلهام في الثورات الفرنسية والبلشفية والصينية والفيتنامية والجزائرية وثورات كوبا وأمريكا اللاتينية، وحتى ثورة ثاتشر وريغان التي أعادت إيمان العالم بحسنات الرأسمالية المتوحشة قبل وقوع الواقعة الأخيرة. بل إن الكثيرين –ومنهم بعض العرب- وجدوا الإلهام في الحركات الفاشية والنازية في أوروبا.  الثورة في جوهرها محاولة لإخراج مثاله بعينه إلى واقع، وهي محاولة تستخدم العنف لتحطيم ما تراه حواجز تعوق بلوغ هذه الغاية. وسواء أكان المثال المنشود هو القضاء على الاستبداد الأجنبي وتحقيق الحرية والحكم الذاتي (الثورة الأمريكية وثورات الاستقلال الأخرى)، أو تحقيق المساواة والحرية والكرامة الإنسانية (الثورات البريطانية والفرنسية) أو تحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستغلال الطبقي (الثورة البلشفية وتوابعها) أو مزيج من كل ما سبق (ثورات أمريكا اللاتينية وفيتنام وغيرها) فإن الافتراض هو أن معوقاً حاسماً يحول دون تحقيق هذا الحلم، مما يوجب سحقه بالعنف حتى تتحقق الآمال المنشودة ويتطابق الواقع مع المثال.في حالة الثورة الإيرانية فإن الهدف كان تحقيق الاستقلال من الهيمنة الأجنبية (سياسية واقتصادية وثقافية) والاستبداد الداخلي وتحقيق الانصياع لمبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الدين، وكان العدو هو النظام الاستبدادي القائم ومساندوه الأجانب. وعليه كان لا بد من إسقاط النظام أولاً، وإزالة العوائق الأخرى التي تحرم الشعب الإيراني من حريته وحقه في التعبير عن هويته الدينية والسياسية والثقافية. ولأن النظام كان غاية في الشراسة، فإن نوعية المعارضة القادرة على إطاحته كان لا بد أن تتأثر بطبيعته، وأن تتميز بدورها بشراسة مماثلة، إن لم تكن أكبر. وقد شهدنا تطورات مماثلة في الثورات الفرنسية والبلشفية والصينية التي كانت دموية إلى حد كبير في شتى مراحلها. من جهة أخرى فإن تفجر الثورات باسم مبادئ معينة لا تتبعه بالضرورة أخراج المثل إلى حيز الواقع تلقائياً كما كان الثوار يحلمون. فمبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة لم تتحقق حتى في فرنسا نفسها إلا بعد عشرات السنين من اندلاع الثورة، بينما ظلت الولايات المتحدة تواجه مشاكل في تطبيق مبادئ إعلان الاستقلال بعد أكثر من قرنين من إصدار تلك الوثيقة. أما مبادئ العدالة الاجتماعية التي نادى بها البلاشفة فلم تتحقق قط في روسيا ولا في الصين، وإن كانت دول أخرى مثل الدول الاسكندنافية قد اقتربت من المثال أكثر من غيرها عبر بناء دولة الرفاه المتقدمة. وهذا يشير إلى خاصية أخرى في الثورات، وهي أنها قد تلهم العالم الخارجي أكثر مما تلهم من يكتوون بنارها في بلدها الأم. نابليون أصبح بطلاً في أوروبا، حتى في الدول التي غزاها مثل ألمانيا، حيث تغنى بأمجاده هناك كبار الشعراء مثل هاينة وغوتة، وموسيقيين مثل بيتهوفين، وفلاسفة مثل هيغل الذي ابتدع عبارة "نهاية التاريخ" لوصف انتصار نابليون في معركة ينا عام 1806. وبنفس القدر فإن الثورات الشيوعية ألهمت شعوب العالم خارج المعسكر السوفيتي ووجدت مبادئها قبولاً أكثر في إطار دولة الرفاه الأوروبية. وبالمثل فإن ثورة إيران الإسلامية كان مصدر إلهام لكثيرين، من اليسار الأوروبي إلى الحركات الإسلامية إلى حكومات أمريكا اللاتينية. ولعل تحويل مثلها إلى واقع يستغرق عقوداً، وقد تكون العبرة منها بتجنب أخطائها أكثر مما يكون بتتبع خطاها، وهو ما شهدناه في العراق مثلاً حيث أكدت الحركات الإسلامية التي كانت تعيش حتى وقت قريب في كنف إيران الثورة وتعلن الولاء لمبادئها أن آخر ما تريد تطبيقه في العراق هو مبدأ ولاية الفقيه.عن "القدس العربي" 10 فبراير 2009