Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

فجعت وملايين السودانيين (ممن لم يبق فيهم مكان للسيوف أو السهام) بحادث الطائرة التي تحطمت قرب مطار الشارقة الأسبوع الماضي، وراح ضحيتها ستة من كرام الإخوة على رأسهم كابتن محمد علي كدرمة، رحمهم الله جميعاً. وقد زاد من عظم المصيبة أن الصديق العزيز كابتن محمد علي كان شخصية محببة عند كل من عرف، فقد كان رحمه الله موطأ الأكناف، كريماً وفياً. ولكن غالبية السودانيين عرفوا فيه الجانب الآخرمن شخصيته، وهو انتصاره للكرامة الإنسانية، حيث استقال من شركة الخطوط الجوية السودانية لأنه رفض أن ترش السلطات الصحية المصرية مبيد الحشرات في مطار القاهرة والركاب بداخلها، ورأى في ذلك إهانة لا تليق، فعاد بالطائرة وركابها إلى الخرطوم.

(2)

زاد من الفجيعة في حقي أنني بعد أن تلقيت النبأ من الأهل في الخرطوم، هرعت إلى أجهزة الإعلام مستعلماً عن تفاصيل الحادث وملابساته، فصادفت ما يشبه صمت القبور. الجزيرة تفضلت بجملة اعتراضية دفنت في ثنايا النشرة، ومثل ذلك فعلت العربية التي وقع الحادث على بعد أميال قليلة من مقرها الرئيسي في دبي. ولم تشذ القناة السودانية عن القاعدة، حيث لو أن المشاهد عطس لفاته الخبر، فضلاً عن أن يتصدر الخبر النشرة كما ينبغي. الاستثناء الجزئي كان تلفزيون الشارقة الذي بث بعد ساعات طويلة شريطاً مدته دقيقتان ونصف من تسجيل كاميرات المطار.

 (3)

لا أعتقد أن التحيز الشخصي لضحايا الحادث كان وحده وراء استهجاني لهذا التجاهل المذهل للحادث، إذ أن هذا التجاهل يعبر عن توجه عام لا يعطي ما يكفي من الاهتمام للقضايا الإنسانية وقيمة الحياة البشرية ما لم تكن هنا زاوية سياسية. ولعل المدهش هو أن معظم هذه القنوات خصصت وقتاً كبيراً بعد ذلك بأيام لخبر الطائرة الأمريكية التي غفل طياروها عن وجهتهم حتى تجاوزوا المطار بعشرات الأميال. ولكن هذا اهتمام مستعار بالشأن الإنساني، لأن هذه القنوات ناقلة عن غيرها.

(4)

ألا رحم الله محمد علي وصحبه، وليس من تركوا وراءهم بأقل حاحة للدعاء لهم برحمة عاجلة. وللكاتب السوداني المقيم بالسويد شوقي بدري سلسلة من المقالات ينشرها على الانترنيت تحت عنوان "محن سودانية"، بلغت حسب آخر ما رأيت 32 "محنة"، يروي فيها عجائب ما يأتيه بعض السودانيين من جهات رسمية واعتبارية وأفراج من المنكرات التي تذر الحليم حيران. 

(5)

وحتى لا أزيد عدد المحن فإنني أود أن أقدم توضيحات (ما كانت لتكون ضرورية لولا قدرة البشر المذهلة على التأويل) حول تعليقاتي التي وردت في هذا المكان الأسبوع الماضي حول دور د. غازي صلاح الدين في تشكيل العلاقة السودانية-الأمريكية. فقد أثار المقال عاصفة من التعليقات تكشف في تناقضاتها جانباً من المحن السودانية. فمن قائل أنني أهلكت غازي بتنبيه خصومه ضده، ومن قائل أنني رفعت فوق مقامه درجات وتفنن في تحرير الدوافع، ومن قائل إنني ما زلت أطرق عبثاً صخرة الإنقاذ عساها تشقق فيخرج منها الماء. (وأترك هنا جانباً من أشادوا بما كتب كل من زاويته).

(6)

معظم هذه التعليقات ترد عن خطأ أساسي هو العجز عن التمييز بين التحليل العلمي الموضوعي للأمور وبين تمني الأماني. فحين يقول محلل مثلاً إن كولين باول كان أقدر على كسب التأييد الدولي لسياسات إدارة بوش من دونالد رامسفيلد فلا يعني هذا تأييد سياسات بوش وإنما تقرير لواقع ملاحظ. وبنفس القدر فنحن حين نقول أن الدبلوماسية الأمريكية وجدت غازي أكثر قبولاً من أسلافه فإن هذا تقرير واقع تؤيده معلومات من مصادر موثوقة، وليس رجماً بالغيب.

 (7)

أما قول القائلين بأن السياسة الأمريكية تحركها المؤسسات لا الأفراد فهو أمر لم نغفل عنه، ومن تابع مقالتنا التي نشرت في 21 أغسطس الماضي بعنوان " معضلة المبعوث الأمريكي للسودان" يرى أننا فصلنا في هذا الأمر بما يكفي، منبهين إلى تعقيدات السياسة الأمريكية وآلياتها، وفي نفس الوقت حدود التقارب المحتمل مع الحكومة السودانية.

(8)

هذا لا يعني أن دور الأشخاص ثانوي وهامشي، وإلا فما معنى التهجم الذي يتعرض له المبعوث الرئاسي سكوت قرايشن من صقور الإدارة الأمريكية؟ وكنا قد أسلفنا في حديثنا الأسبوع الماضي الإشارة إلى أن التغيير الأبرز في إعلان الاستراتيجية كان تثبيت ولاية قرايشن الحصرية على السياسة الأمريكية تجاه السودان، وهي واقعة نادرة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، إذ أن هذه الولاية كانت تكون للخارجية، مما يعني عملياً أن البيت الأبيض هو الذي أصبح الآن يشرف مباشرة على الملف السوداني.

 (9)

تكليف قرايشن شفع بالتتأكيد على "ثوابت" السياسة الأمريكية تجاه السودان، مما يعني أن قرايشن محكوم بهذه الثوابت نظرياً كما أن غازي محكوم بثوابت الإنقاذ إياها. وعملياً فإن الإعلان الأمريكي وضع الكرة في الملعب السوداني. وهذا يتفق مع ما أوردناه في المقالة السابقة  بأن حل مشاكل السودان هي في النهاية بيد السودانيين. والتحدي أمام غازي ومن خلفه (وكذلك قرايشن) يكمن في القدرة على تقديم أفكار جديدة تشكل اختراقاً نحو حل أزمات السودان المتراكبة.

(10)

إذا كانت المشكلة سودانية والحل في النهاية سوداني، فإن الفتح الأكبر يأتي حين يقرر السودانيون التوقف عن تضييع الوقت في محاورة الوسطاء والأجانب، ويجتهدوا أكثر في محاورة بعضهم بعضاً. وهذا هو في النهاية أبسط الحلول، ولكنه للأسف أعيا أهل الإنقاذ وخصومهم معاً.