Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

لم تكن مصادفة أن تتراكم خلال أيام قليلة هذا الشهر مظاهر فاجعة من مظاهر تحلل الدولة السودانية، ولكن الأكثر فجيعة هو تعامل المسؤولين معها كما لو أنها من الأمور العادية التي تتم معالجتها في نفس إطار غياب الدولة. أحد هذه المظاهر التي استوقفتني خلال الأسبوع الفائت كان مشهد "مؤتمر الصلح" الذي افتتح في الخرطوم الأسبوع الماضي بين قبيلتي الرزيقات والمسيرية بعد النزاع المسلح الذي انفجر في وقت سابق هذا العام في مناطق التماس بينهما في جنوب دارفور وجنوب كردفان. وقد كان اندلاع النزاع المسلح بين القبيلتين العربيتين المتجاورتين، وهما ينتميان لأصول مشتركة، قد مثل نقطة انحدار جديدة في أوضاع البلاد التي أصبحت تشهد فواجع جديدة وغير متوقعة بانتظام مزعج.

 

 ولعل ما يستوقف المرء في هذا النزاع هي عبثيته المطلقة، حيث لا يوجد شخص يتفهم دوافعه. و يبدو أنه تطور من نزاعات عادية حول الموارد والحدود، قبل أن يتحول في مايو الماضي إلى معركة كبرى قتل فيها أكثر من مائة وثلاثين شخصاً، لم تكن للأسف الأولى من نوعها. ويبدو من الروايات التي تم تداولها أن لهذه القبائل ما يشبه الجيوش شبه النظامية، بحيث أنها تتصرف كما لو كانت دولاً قائمة بذاتها. فقد ذكرت الشرطة أن إحدى القبيلتين هاجمت قوات الشرطة التي جاءت لتحجز بين المتقاتلين بقوة من الفرسان قوامها أكثر من ثلاثة آلاف مسلح، وقتلت العشرات من الشرطة. وقد عزا كثير من المراقبين تطور الأحداث في هذا الاتجاه بانتشار الأسلحة ووفرتها بحيث أصبحت في متناول من شاء في تلك المناطق، خاصة في ضوء الحروب المتكررة وتسليح الميليشيات في الحروب الأهلية.

 

انتشار الأسلحة ومخلفات الحروب كانت خلف المشهد التالي الذي يعكس وجهاً آخر من وجوه أزمة الدولة السودانية، ألا وهو العنف المتصاعد في الجنوب. هنا أيضاً تدور الحروب بين قبائل بينها وشائج قربى وخلفية ثقافية واحدة، مما يجعل الإشارة المعتادة إلى هذه النزاعات باعتبارها "نزاعات قبلية" غير كاف لتفسير ما وقع. وقد كشف النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيس حكومة الجنوب الفريق أول سلفا كير ميارديت أن حكومة الجنوب قد قادت حملة لجمع السلاح من الجنوب، وهي حملة كلفت الجيش أكثر من ثمانمائة قتيل، ولكن نفس الجهات تسلحت من جديد من مصادر غير معروفة خلال بضعة أشهر فقط. وكنت قد التقيت بالصدفة أحد الباحثين من يقومون بإجراء دراسات في مناطق الحدود مع اثيوبيا، فأخبرني أنه شاهد مراراً مسلحين يأتون من الجنوب لبيع ما بحوزتهم من الذخيرة في اثيوبيا قبل العودة إلى الجنوب وتسليم أسلحتهم الفارغة وقبض ثمن مقابل ذلك. وبالطبع سرعان ما تجد هذه الذخيرة طريقها إلى الجنوب مرة أخرى.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة كما في سابقتها ليس هو فقط انتشار الأسلحة، بل عوامل الاستقطاب التي جعلت القبائل تصارع بعضها بعضاً. ولا يكفي هنا جمع السلاح ما لم تتم معالجة أسباب التوتر والاحتراب، لأن الحركة الشعبية نفسها وبقية الحركات قد جمعت السلاح من كل مصدر حين رأت الحاجة إليه. ولكن الأهم من كل هذا هو تثبيت وجود الدولة من الأساس كمؤسسة تمثل الشعب من جهة، وتفصل في المنازعات بين فئاته من جهة أخرى. وهناك تكامل بين هذه المهام الأساسية للدولة. ذلك أن المواطنين يلجأون للدول لحل النزاعات لأنهم يثقون بها ويعتقدون بانتمائها إليهم وانتمائهم لها. ويحدث هذا حين تتجرد الدولة إلى أكبر قدر ممكن من الانحياز الظالم سواء إلى المتحكمين في أمرها أو إلى فئة غالبة.

 

وفي السودان كما في غيره من دول المنطقة يكثر الحديث عن فرض هيبة الدولة، وهو أمر يرى هؤلاء أنه يتحقق حين تظهر الدولة قدرتها على القمع، وتفرض قراراتها رغم أنف المعترضين. ولكن هذه "الهيبة"، إن صحت التسمية، هي أشبه بهيبة فتوات الحي الذين يفرضون سلطانهم بالقوة على الضعفاء. أما الهيبة الحقيقية فهي هيبة العدالة والتجرد. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله لا يتسلح إلا بعصا دقيقة الحجم، ولكن ما كان أكبر قائد جيش أو زعيم قبيلة يجرؤ  على منازعته الأمر، ليس لأنه فتوة، بل لأنه كان يقسو على نفسه أكثر مما يمكن لأشد نقاده نقمة أن يفعل. وبدرجة أخرى نجد الحكام في الدول الديمقراطية الحديثة مجردين من كل سلطة شخصية إلا سلطة القانون الذي يسري عليهم بقدر ما يسري على أي مواطن آخر. ولكن هؤلاء المسؤولين لا يرد لهم قرار، ويخضع لقراراتهم قادة الجيوش والشرطة بدون أدنى تردد. لأن المواطن والمسؤول حين يخضع لقرارات الحكومة التي انتخبها والتي يملك حق مساءلتها وإقالتها فإنه إنما يخضع لحكم نفسه، وهذا مقتضى مقولة أن الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه.

 

المدهش كما أسلفنا هو أن الدولة لم تكن راغبة ولا قادرة على الاضطلاع بدروها الأساس في تأمين المواطنين وردع العدوان ضدهم أياً كان مصدره بدون محاباة أو تقصير. ذلك أن أولى مهام الدولة وأخصها بها هي مهمة بسط الأمن والعدل. ولكن ما حدث هو أن أي من الفرقاء في هذه النزاعات لم يلجأ للدولة طلباً للإنصاف، بل في معظم الأحيان كانت الدولة هي العدو، وفي أضعف الإيمان كان هناك تجاهل لمجرد وجودها. وعندما تدخلت الدولة فإنها كما يشير المؤتمر المذكور تلعب دور الوسيط تماماً كما هو شأن الاتحاد الافريقي أو قطر في شأن دارفور. وهذا دور بعيد عن دور الدولة التي يجب أن تكون قادرة على ردع كل معتد أثيم حتى يأمن الناس ولا تتصرف الكيانات القبلية كدول لها جيوشها الخاصة بها.

 

وهذا يقودنا لواقعة أخرى كانت من أعراض أزمة الدولة، وهي واقعة قد يبدو لأول وهلة أنها لا تحمل هذا المعنى، ولكنها بعد التأمل تكشف أنها عرض عن نفس المرض. ونعني هنا واقعة "الحرب الأهلية" الأخرى التي احتدمت، هذه المرة في قلب العاصمة السودانية بين مؤسستين من مؤسسات الدولة، هما الهيئة القومية للكهرباء من جهة ووحدة تنفيذ السدود من جهة أخرى. وقد دار الخلاف الذي خرج إلى العلن أخيراً وأدى إلى فصل مدير الهيئة الأسبوع الماضي حول الولاية على كهرباء سد مروي وكيفية دمج مولدات السد في الشبكة القومية للكهرباء. وهذه إشكالية ما كان ينبغي أن تقوم، إذ ليس سد مروي أول سد ينشأ في السودان لتوليد الكهرباء، إلا أن هذا النزاع كشف أموراً مذهلة، أولها أنه مع كل الضجة التي ثارت وما زالت حول سد مروي باعتباره فتح الفتوح في تاريخ السودان والعالم، فإن قضايا أولية مثل المتطلبات التقنية والتبعات المالية لم تتم دراستها واتخاذ القرارات بشأنها، مما أدى لهذا التجاذب، وأيضاً لأعطال تقنية متكررة في توصيل مولدات السد بالشبكة القومية.

 

وتعود هذه الإشكالية إلى أن "امبراطورية السد" لم تصبح فقط دولة داخلة الدولة، بل أصبحت تمارس عدوانية شرسة ضد مؤسسات الدولة الأخرى. ويرجع هذا إلى أن ظروف إنشائها والفلسفة من ورائها تفرض هذا الوضع. ذلك أنه لم تكن هناك حاجة لمثل هذه الوحدة أساساً، لأن كل المهام المناطة بها توجد مؤسسات مكلفة بها. فبناء وإدارة وصيانة السدود مهمة وزارة الري والموارد المائية، أما توليد الكهرباء وإمدادتها فهي مهمة وزارة الطاقة وإداراتها مثل الهيئة العامة للكهرباء. ولكن وحدة تنفيذ السدود اغتصبت كل هذه المهام بدون سند قانوني، وأسوأ من هذا أنها عطلت طاقة وكفاءات هذه المؤسسات، وخلقت ازدواجية مكلفة. فهناك إدارات قائمة تصرف عليها الدولة مبالغ طائلة دون أن يسمح لها بالاضطلاع بمهامها، بينما قامت وحدة السدود بإنشاء أجهزة موازية تصرف عليها أضعاف ما تصرف الوزارات، دون أن تكون هناك حاجة إليها أساساً. ويعتبر إنشاء الوحدة عملياً "تخصيصاً" لهذه المهام، حيث أن الوحدة تتصرف كمؤسسة خاصة مملوكة لرئيسها، ولكنها مؤسسة خاصة تمارس تسلطية الدولة في تصرفات تذكر بعدي صدام حسين رحمه الله.

 

ولم تتوقف وحدة تنفيذ السدود هنا، بل دخلت في مجالات عمل جهات حكومية أخرى. فهي تنشئ الطرق والكباري وتديرها، وتبني المطارات والمستشفيات، ولها قوات أمنية خاصة بها، كما أنها تتولى مهمة حكومات الولايات في إعادة توطين النازحين وتقديم الخدمات لهم وتحديد حجم تعويضاتهم وكيفية صرفها. ولا عجب أن تعددت أوجه صرف هذه الوحدة قبل أن يكون لها أي دخل، حيث أسرفت في استجلاب القروض. وقد مرت فترة لا يكاد يمر فيها أسبوع إلا والتلفزيون يذيع خبراً عن قرض جديد جاءت به الوحدة من بلد عربي أو صيني. وقد نكتشف حين تعرف المحصلة النهائية أن الوحدة أثقلت ظهور فقراء السودان بعشرات البلايين من القروض وفوائدها بدون أن تكون هناك جهة محاسبة أو مراقبة لتتحرى عما إذا كانت هذه المعاملات ذات عائد مفيد للبلاد.

 

هنا أيضاً لن يجدي شيئاً إبعاد هذا الشخص أم ذاك من موقعه ما لم يتم القضاء على الازدواجية القائمة. فإذا كانت الدولة ترى أن رئيس وحدة تنفيذ السدود هو عبقري زمانه الذي لا تصلح الإدارة إلا بحكمته وقدراته الخارقة، فلتعينه رئيساً للوزراء أو نائباً للرئيس مكلفاً ملفات الطاقة والري والطرق والمطارات والصحة والمالية، والحكم الفدرالي، حتى يأتمر الوزراء والولاة المعنيين بأمره، فذلك أولى وأكرم لهيبة الدولة من اصطناع منشية جديدة في شارع المشتل في حي الرياض، تنازع الوزارات والولايات صلاحياتها في عز الظهر بدون سند شرعي أو قانوني.

 

وبذكر الحكمة فإنني قد تابعت كذلك إنشاء ما سمي بأنه "مجلس حكماء" ولاية جنوب كردفان، وهي تسمية غريبة ومؤسسة من محدثات الأمور، حيث أن المعلوم أن "حكماء" أي منطقة (إن وجدوا) فإن مكانهم برلمان الولاية المفترض فيه أن يكون مستودع الحكمة ومناط التمثيل لأهل الولاية. وكثرة  استحداث المؤسسات وازدواجية أدوارها هو دليل حيرة وعلامة عدم ثقة في المؤسسات الأصلية، ومدعاة للبلبلة. فنحن نجد في البلاد حكومة وبرلمانات ولائية ومركزية، ولكننا نجد بموازاة هذه مفوضيات لا حصر لها لم تكن هناك حاجة لها (سوى مفوضية الانتخابات) لو كانت هناك ثقة في مؤسسات الدولة. وهناك في المجال الأمني ثلاث جيوش منفصلة، وشرطة وقوات احتياطي مركزي وقوات أمنية وقوات دفاع شعبي وقوات "حرس حدود" وميليشيات لا حصر لها، وقوات يوناميد (في دارفور) وأونميس. وفي مجالات أخرى مثل الوساطة في دارفور، نجد هنا الوساطة الافريقية (وهي أيضاً متعددة بعد إنشاء "لجنة حكماء افريقيا") والأممية والقطرية، إضافة إلى الدور الليبي والمصري والاريتري والتشادي، ولا ننسى "أهل السودان"، ومؤتمر جوبا والمبادرة الروسية، وبالطبع الدور الأمريكي.

 

كل هذه البلبلة تأتي من التقصير في حسم قضايا إقامة الدولة ومؤسساتها عبر تثبيت دورها الحصري في مجال تمثيل الشعب واحتكار قدرات الردع المسلح وإنهاء كل ظواهر الازدواجية وتعدد المؤسسات التي تتنازع نفس الدور، والابتعاد عن إخضاع الدولة لتأثيرات ذات طابع فئوي أو شخصي من خارجها، واعتماد الشفافية الكاملة ووضوح آليات التحكم وحسم أي نزاعات بين مؤسسات الدولة (أو الأفراد والجماعات) على أساس سريان حكم القانون على الكبير والصغير. عندها فقط يطمئن المواطن بأنه لا يحتاج إلى ميليشيا لتحقيق أمنه، وإنما إلى قوات الشرطة وأجهزة حفظ النظام والقانون لكي تذب عنه المظالم وتحفظ حقوقه. وحينها لن نحتاج إلى عشرات الوسطاء ولا عشرات الآلاف من قوات حفظ السلام الأجنبية لتحمينا من الدولة المفترض فيها حمايتنا من العدوان المحلي والأجنبي.