Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

(1)

المشهد أصبح مألوفاً لدرجة أن أكثرنا لا يكاد هذه الأيام يلتفت إليه: مجموعة من البشر، غالبها من النساء والأطفال وكبار السن، وهي تحمل القليل الذي تبقى لها من متاع الدنيا مرتحلة عن أوطانها في اتجاه المجهول. الوجوه ساهمة واجمة، يعلوها الخوف والألم، والصمت يقطعه بكاء الأطفال أو الشكوى إلى السماء من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

 (2)

في مشهد آخرنرى نفس المجموعة أو نظراء لها وهي تلتحف العراء وتحتمي بالأشجار أو بخيام أو أكواخ صفيح لا تكاد تقي من حر ولا قر.  البعض يصطف ليأخذ نصيبه من الماء أو قليل طعام، أو يبحث في الأرض عما يقيم الأود، بعيداً عن كل ما يمكن للإنسانية أن تقدمه.

  (3)

يمكن أن يكون المشهد من الصومال أو وادي سوات في الباكستان أو أفغانستان أو زيمبابوي أو غزة أو العراق أو صعدة في اليمن أو كينيا أو جنوب لبنان أو تشاد أو جنوب السودان أو دارفور، أو... أو...، فالقائمة طويلة، والمشهد يكاد يكون واحداً.

(4)

الذي يجمع بين هذه المشاهد هو أن هؤلاء الضحايا كانوا من أفقر فقراء العالم حتى قبل أن تقرع أبوابهم هذه القارعة. ربما كان للأسرة كوخ صغير قبل الكارثة وشاة واحدة، وبعض متاع وحرفة يرتزقون منها ما دون الكفاف. ولكن كل هذا يذهب هباء ومعه الأمن الذي كان يمكنهم من احتمال ضنك العيش ومسغبة الليل، فيجبر الناس على الرحيل إلى المجهول.

(5)

هؤلاء الضحايا في الغالب لا يد لهم في المأساة التي وقعت بهم، أما من يتولون كبر هذه الأمور فهم في الغالب بعيدون كل البعد عن آثارها: يعيشون في قصور محصنة تجبى إليها ثمرات كل شيء، أو يتنقلون بين منتجعات مرفهة آمنة في ديار أجنبية. وكثير منهم يغتنون من هذه الكوارث عبر النهب والتجارة في المحرمات.

(6)

كثيرون منا لا يرون هذه المشاهد إلا على شاشة التلفزة، مما يبلد الحواس تجاهها، ولكن مشاهدة هذه المآسي عن قرب شيء آخر. في وقت سابق هذا العام قمت بزيارة معسكرات النازحين في شمال وجنوب دارفور، وكانت صدمة مذهلة مشاهدة عشرات الآلاف من الأسر وقد تكدست جنباً إلى جنب في أكواخ صغيرة تفتقد فيها الأسر كل خصوصية، فضلاً عن شح المياه ومشكلة المرافق الصحية.

(7)

زرت في نفس الفترة مناطق المتأثرين بسد مروي في شمال السودان، حيث أكبر مشهد عملي لإفقار الفقراء عمداً من أجل إثراء آخرين. هناك أيضاً كان الآلاف ممن كانوا أصلاً يعيشون الكفاف فقدوا كل مصدر رزق، حتى لو كان العمل أجراء في مزارع الآخرين، وفقدوا كذلك المأوى. الغالبية تقيم في أكواخ من القصب وسعف النخيل ولا يملكون أي مصدر رزق. وقد بلغ الأمر أن بعضهم حين قدم لهم بعض المحسنين شيئاً من حبوب الذرة ليقتاتون به لم يجدوا ثمن طحنه ولم يكن أماهم سوى غلي الذرة بالماء وتقديمها لأطفالهم لأكلها "بليلة" كما يقال عندنا في السودان.

(8)

في دراسته الرائدة حول المجاعات التي ضربت منطقة البنغال في الهند في النصف الأول من القرن الماضي كشف الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سن أن وقوع المجاعات لا يرتبط مباشرة بعدم وجود الغذاء، بل بفقدان القدرة على شرائه. فقد تكون الأسواق عامرة بكل ما لذ وطاب، بينما المئات يموتون جوعاً غير بعيد من مخازن الغلال، وعن مراتع المترفين السادرين في غيهم ولامبالاتهم.

(9)

يحتاج الأمر إلى كثير من القسوة حتى يقدم البعض على تدمير حياة الفقراء والمتشبثين بأطراف الحياة فيلقون بهم من الحافة إلى قاع سحيق، خاصة حين يكون مجترحو هذه الكبائر ممن يتربح من إثمها. ولكن يحتاج الأمر كذلك إلى كثير من اللامبالاة من قبل آخرين كثر حتى تمر مثل هذا المنكرات وتصبح من الأمور المعتادة يومياً، يمر عليها الناس مرور غير الكرام.

(10)

لقد جاء في صحيح التنزيل أن من يتخلف عن إنكار الكبائر والعمل على إزالتها يصيبه من العذاب ما يصيب مرتكبيها كما أصاب عاداً وثمود أصحاب السبت، وقروناً بين ذلك كثيراً. فمثل هذه اللامبالاة بمظلمة البؤساء والسكوت عن نصرتهم هي عند الله كبيرة لا تقل إثماً عن الجرم نفسه.

(10)

ليسارع من شاء إنقاذ نفسه من النقمة الإلهية في هذه الدار أو التي تأتي، وذلك بأضعف الإيمان، وهو إنكار المنكر، والتوقف عن تحميل الضحايا المسؤولية فيما وقع بهم، فقد مررت بكثيرين لا يستخفون فقط بمعاناة ضحايا ظلم إخوانهم من البشر، بل يلقون باللوم على هؤلاء الضحايا ويرون أن ما هم فيه من عذاب هو نعمة خفوا إليها طوعاً وطمعاً. وقديماً كان شأن المترفين هو العجز عن تفهم معاناة البؤساء كما لم تفهم زوجة لويس السادس عشر لماذا يضج الفقراء طلباً للخبز وفي البلاد ما لذ وطاب من الحلويات!