بعد آخر مؤتمراته حزباً حاكماً في السودان:

 

 

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

عقد حزب المؤتمر الوطني، "الحزب الحاكم" في السودان، مؤتمراً يحق للأحزاب الأخرى مجتمعة أن تحسده عليه. فقد تداعى لمؤتمر الحزب العام الثالث قرابة ستة آلاف عضو، جاءوا بدورهم منتخبين من عشرات المؤتمرات التي عقدت في كل ولايات السودان، شماله وجنوبه، وشرقه وغربه. ويحتل كثير من هؤلاء الأعضاء مواقع مفصلية في السلطة وإدارة الدولة في المركز والولايات. ويكفي أن رئيس الحزب هو أيضاً رئيس الجمهورية، كما أن قادته الآخرون هم نواب الرئيس ومساعدوه. ويفخر الحزب كذلك بأن من بين أعضائه طائفة كبيرة (قد تكون الغالبية) من بين كبار رجال المال والأعمال في البلاد، وقد أعلن خلال المؤتمر نفسه انضمام أسماء جديدة من الأسماء اللامعة في مجال المال لصفوف الحزب. وقد حضرت المؤتمر وفود تمثل الأحزاب والحكومات في معظم الدول العربية والافريقية والآسيوية، إضافة إلى دبلوماسيين من كل دول العالم وممثلين لكل الأحزاب السودانية ذات الشأن.

 

وفي خطابات رئيسه وقادته ومداولات مندوبيه، بدا الحزب معتزاً بما حققه (أليست غاية كل حزب هي أن يتبوأ أعلى مراقي السلطة؟) وواثقاً من مستقبله (حيث تحدى كل الأحزاب المنافسة لمنازلته في الانتخابات العامة في أقرب أجل ممكن). وقد زاد من ثقة الحزب بنفسه أنه وقف خلال مؤتمره هذا موحداً في خطابه وصفوفه، لم يواجه ما واجهته الأحزاب الأخرى من تصدعات وانشقاقات تكاد تعصف بها. وقد حظيت مداولات الحزب بتغطية واسعة، ليس فقط في أجهزة الإعلام الرسمية التي تهيمن عليها كوادر الحزب، بل كذلك في الصحف المستقلة وأجهزة الإعلام الأجنبية، وكانت تغطية إيجابية في الغالب الأعم.

 

لكل هذا قد لا يستغرب المرء أن تخامر قيادات المؤتمر الوطني وكثير من كوادره مشاعر الرضى والفخر والتفاؤل بمستقبل مشرق لهم ولحزبهم. ولكن هذا التفاؤل قد يكون سابقاً لأوانه لأنه يستند إلى نظرة تغيب عنها الصورة الكاملة. فهناك الكثير من السحب الداكنة التي خيمت وتخيم على جوانب هذا المشهد وحوافيه. فهناك أزمة دارفور وتداعياتها من محاكم وعقوبات دولية. وهناك الخلاف والتوترات مع الحركة الشعبية، الشريك في الحكم، وشبح انفصال الجنوب وتفكك البلاد إذا لم تسو هذه الخلافات. وهناك فوق ذلك التوترات التي شهدتها علاقة الحزب بالإعلام المستقل، وتشهدها حالياً علاقته مع النقابات ومع كثير من القوى السياسية المعارضة.

 

ولعل أحد مظاهر هذا التوتر تتمثل في مؤتمر جوبا وتداعياته، وهو مؤتمر مهما قيل عن نتائجه فإنه ينذر بخطر عزلة سياسية يواجهها المؤتمر الوطني في جو تجمع فيه القوى السياسية المنافسة رغم خلافاتها على أن المؤتمر "هو العدو". ولعل هذا التخوف من تحول مؤتمر جوبا إلى تكتل مضاد هو الذي دفع قيادات المؤتمر الوطني إلى معارضته والعمل على إفشاله بكل وسيلة ممكنة.

 

وتشير تداعيات مؤتمر جوبا إلى إشكالية سياسية يواجهها الحزب الحاكم، تتمثل في فشله في استمالة أو التعايش مع الأحزاب المنافسة، وعلى رأسها شريكه في السلطة، الحركة الشعبية، في الوقت الذي نجحت فيه الحركة في كسب تعاون وثقة الأحزاب الأخرى، رغم الفجوة الأيديولوجية بين الجانبين (في مقابل التقارب الفكري والتوجهات بين المؤتمر الوطني ومعظم أحزاب مؤتمر جوبا). ولا شك أن المؤتمر ليس وحده المسؤول عن التوترات مع شريكه في الحكم والجفوة مع أحزاب المعارضة. ولكن الفشل في الوصول إلى رؤية مشتركة معها يعد نكسة للحزب وفرصه السياسية. فالعبرة في هذه الأمور بالنتائج. فقد يقول قائل إن الحزب لا يتحمل وحده مسؤولية اشتعال الحروب في الجنوب أو دارفور. ولكن  في نهاية المحصلة فإن النجاح الذي تحقق في إنهاء الحرب في الجنوب ينعكس إيجاباً على الحزب، بينما الفشل في تحقيق السلام في دارفور ينعكس سلباً عليه. من هنا فإن من مصلحة الحزب الاجتهاد في تحقيق سلام دارفور وكذلك تحقيق التوافق بين القوى السياسية حول القضايا المهمة، مثل الانتخابات والاستفتاء.

 

ويعكس فشل المؤتمر الوطني في التوصل إلى وفاق مع القوى السياسية أزمة أعمق يواجهها الحزب، وهي أزمة ذات جوانب متعددة، أحد أهم جوانبها هو علة الأحزاب "الحاكمة" عموماً (وفي الأوضاع غير الديمقراطية خصوصاً)، وهي الغرور والتعالي على أحزاب المعارضة، والاعتداد الزائد بالنفس. فالحزب يرى أنه بهيمنته على مفاصل الدولة وأغلبيته في البرلمان لا يحتاج إلى رضا منافسيه، ويمكنه في نهاية الأمر أن ينفذ ما يريد، ولهذا فإنه لا يجتهد كما يجب في استمالة الخصوم والوصول معهم إلى تفاهمات وحلول وسط، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا يراها حيوية بالنسبة له. هناك إضافة إلى ذلك نقص واضح في الحنكة السياسية عند عدد من قيادات المؤتمر العليا، كما يتضح من الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تنقصه الحصافة والكياسة، والاستعداء المجاني للمنافسين واستخدام التعابير الاستعلائية وغير اللائقة في حق الخصوم، وسرعة الاتهام لكل مخالف بأنه مرتهن للأجانب أو مدفوع بدوافع شخصية.

 

ولكن هناك إشكالية أكبر لازمت العمل السياسي لأهل الحكم في عهد الإنقاذ، وهي ما يمكن أن نطلق عليه "نزع السلاح الأخلاقي" من أدوات العمل السياسي الإنقاذي منذ البداية إلى الآن. وقد كنت فصلت في كتاباتي السابقة عن جوانب هذه الظاهرة (وإن لم أستخدم نفس التعبير)، وأجمل القول هنا في الإشارة على أهم ملامحها، ألا وهو الاعتماد الزائد (إن لم يكن الحصري) على أدوات القوة (وتحديداً العنف والمال) لتحقيق الأهداف السياسية بديلاً عن الحوار والتفاهم. وكما لا يخفى فإن الانقلاب في حد ذاته يمثل قمة العنف، ولكن كانت هناك حتى مع بعد الانقلاب مجالات لاستخدام الوسائل السياسية التي تستحق الإسم، وهي الحوار والحلول الوسط لكسب قطاعات الرأي العام، وهو ما لم يتم. وكما ذكرنا بإسهاب في غير هذا الموقع فإن الاستعاضة عن السياسة بالأساليب الأمنية جسدت الخلل الأكبر في المنهج السياسي للإنقاذ، وهو خلل سياسي لا أمني، إذ أن السياسيين هم الذين فشلوا، عجزاً أو كسلاً، في تحقيق الغايات السياسية، فأحالوا الأمر إلى رجال الأمن. وحين ترسل قوات الشرطة لقمع المظاهرات فإن اللوم لا يقع عليها، لأن مهمة الشرطة هي الحفاظ على الأمن، ولكن اللوم يقع على الجهات السياسية التي سمحت بتدهور الأوضاع السياسية حتى وصلت إلى مرحلة انفلات الأمن. وبالمثل فإن الجيش لا يلام على خوض الحروب الأهلية، وإنما يلام من سمح للحرب بأن تنفجر من الأساس وعجز عن الوصول إلى حل سلمي لها.

 

قد يقال هنا إن الإنقاذ لم يكن لها حزب سياسي فاعل ومنظم حين جاءت إلى السلطة، وهي اليوم تتمتع بمثل هذا الحزب الذي تداعى إليه خلق كثير من مختلف بقاع السودان. ولا نريد أن نتوقف هنا عن عدم الدقة في هذا التوصيف للمشكلة، خاصة لما هو معروف أن أول إنجازات الإنقاذ كان تفكيك الحزب السياسي الذي جاء بها إلى السلطة. وعليه لم يكن عدم وجود الحزب المشكلة، بل كانت المشكلة منذ البداية هي المنهج الذي كان يرى الاستغناء عن الحزب والعمل السياسي والاستعاضة عن ذلك بمنطق السلطة والقوة. ولكن لندع هذا جانباً، ولنفترض أن أهل السطان اقتنعوا أخيراً بضرورة قيام حزب، واجتهدوا في إنشائه وبنائه، فهل يعني هذا أن تغييراً جوهرياً قد حدث في المنهج، وأن السياسة أصبح لها اليوم موقعها المفترض؟ الإجابة تحتاج إلى بعض التريث، لأن كل الدلائل لا تشير إلى ذلك حتى الآن.

 

هناك أولاً ما هو معلوم من السياسة بالضرورة، وهو أن الأحزاب التي تنشئها السلطة أو تتصل بها، تفقد معظم مميزاتها الحزبية الحقيقية، وهي المرونة في تحديد السياسات والقدرة على التواصل الخلاق مع الجماهير. وينطبق هذا حتى على الأحزاب الحاكمة في الدول الديمقراطية، خاصة وأن وضع رئيس الحكومة الذي يرأس الحزب يعطيه وأعضاء حكومته وضعاً خاصاً في الحزب، ويفرض على بقية الأعضاء الكثير من "ضبط النفس" تجاه انتقاد قيادات الحزب وسياساته. ويمكن أن يرى المرء تداعيات هذا الأمر في حالة الحزب الجمهوري في أمريكا الذي أصابته صاعقة جورج بوش الابن، وحزب العمال البريطاني الموعود بهزيمة ساحقة في الانتخابات القادمة بسبب أخطاء قياداته السياسية، دون أن يجرؤ أعضاء الحزب على تحرك جدي باتجاه التغيير. وبالطبع فإن الأحزاب في الدول غير الديمقراطية، حتى حين توصف بأنها "حاكمة" فإنها تفتقد كل صفات الحزب الحقيقية، وتتحول إلى جهاز بيروقراطي يدار من القمة. وفي الحالين فإن أعضاء الحزب يعتمدون بصورة كبيرة على موارد الدولة ومؤسساتها لتحقيق أغراضهم السياسية، مما يضعف قدراتهم الحزبية الحقيقية. فإذا كان الحزب يمنح المناصب والجاه ويسهل لأنصاره من رجال الأعمال تحقيق مآربهم، فإن أعضاء الحزب لا يحتاجون إلى نفس الجهد لكسب الأنصار الذي تحتاج إليه أحزاب تقف في المعارضة وتطالب أعضاءها بتقديم التضحيات واحتمال المعاناة.

 

هناك تقارير متواترة على سبيل المثال بأن القطاع الطلابي في حزب المؤتمر الوطني ينفق مبالغ طائلة في حملاته الانتخابية ويسعى لتقديم الإغراءات للطلاب المستقطبين بالتلميح بأن الانضمام إلى المؤتمر سيساهم في تحسين أوضاعهم ومستقبلهم الوظيفي. ولا شك أن هناك مسافة واسعة بين مثل هذا الخطاب الترغيبي والخطاب المثالي التصادمي الذي ظل يميز كل التنظيمات الطلابية، وخاصة الإسلامية منها (في عهود سابقة). وهذا التطور يشي بأن عدوى موت السياسة قد وصلت إلى آخر معاقلها في المؤتمر الوطني، وهو الحركة الطلابية التي ظل العمل السياسي الحقيقي أحد أهم مميزاتها. وإذا كانت الحركة الطلابية هي كذلك الموقع الذي تتعلم فيها الكوادر السياسية "السباحة" في بحور السياسة المضطربة، وتطور فيها خطابها السياسي وآليات عملها من خطابة وحوار ومساومات، وتحافظ في كل ذلك على مثالياتها، فإن تراجع السياسة بين كوادر الحزب الطلابية هي إشارة إنذار أخرى بأن أوضاع الحزب ليست على ما يرام.

 

لقد كانت هناك –وما تزال- تساؤلات مهمة حول الطبيعة الحزبية للمؤتمر الوطني، وأهمها سؤال أين يبدأ الحزب وأين تنتهي الدولة؟ وهل يمكن للحزب بطبيعته الحالية أن يحقق بعض الاستقلال عن أجهزة الدولة، وأهم من ذلك أن يتخلص من وضعية "نزع السلاح الأخلاقي"، ويستعيد بعضاً من تسلحه في هذا المجال بأن يكون قادراً على أن يعرض على الناس مبادئ وبرامج لا منح ووظائف؟ وهل ما يزال الحزب قادراً على تطوير عمل سياسي حقيقي يقوم على الحوار وطلب التوافق، وخطاب سياسي بعيد عن الاستعلاء والمهاترات والاستعداء المجاني للآخرين؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان سيكون للحزب مستقبل في العهد الديمقراطي القادم.