Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

في الشريط الذي بث للجندي الإسرائيلي الأسير في غزة جلعاد شاليط قبل أيام وردت فقرة مستغربة ذكر فيها والديه بزيارتهما له في الجولان وأخذهما صورة له على دبابة ميركافا ثم الذهاب إلى طعام الغداء في قرية درزية. ولا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء ليدرك أن هذه "الطرفة" لم تكن سوى شفرة موجهة للموساد إما للمساعدة في تحديد مكانه أو ظروف اعتقاله، وبالقطع للمساعة في اتخاذ قرار لمحاولة إنقاذه من عدمه.

 (2)

لعل هذا يفسر نوعاً ما نراه من إقدام حكومة نتنياهو على تصعيد لا مبرر له حول المسجد الأقصى. فالحكومة الإسرائيلية ليس لها مصلحة في مثل هذا التصعيد في مثل هذا الوقت، إلا إذا كان تريد استخدامه كغطاء لعمل آخر، مثل عملية للقوات الخاصة في قطاع غزة؟

  (3)

الإسرائيليون يعرفون جيداً أن المسجد الأقصى هو نقطة الاشتعال ليس فقط بالنسبة للفلسطينيين مسلمهم ومسيحيهم، بل أيضاً للمسلمين في كل بقاع الدنيا. فمحاولة إحراقه في عام 1968 وحدت المسلمين لأول مرة وأدت إلى إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، كما أن اقتحام شارون له في عام 2000 فجر انتفاضة الأقصى.  

(4)

عندما اختار شارون وشيعته تفجير الأوضاع في عام 2000 كانت غايتهم تدمير ترتيبات أوسلو والتنصل من تبعاتها نهائياً، وهو ما تحقق لهم. فما الذي يريده نتنياهو من تفجير الأوضاع عبر الضغط على أزرار الأقصى هذه المرة؟

(5)

لا نحتاج هنا إلى تكرار حقيقة ناصعة وإن كان الكثيرون يغفلون عنها، وهي أن الأقصى هو الذي يحمي المسلمين، وليس العكس. الإسرائيليون مصممون على إفراغ القدس من أهلها، وقد قطعوا في ذلك شوطاً كبيراً، وفي إغلاق المدينة في وجه قصادها من المصلين من خارج القدس. ولكن كل هذا لم يحرك الشارع الإسلامي حتى وقع العدوان على المسجد الأقصى.

(6)

يحق للمسلمين عامة ولأهل فلسطين خاصة أن يهبوا للدفاع عن المسجد الأقصى كمكان للعبادة ومقام لذكر الله. ولكن الجهاد شرع أول ما شرع ضد إخراج الناس من ديارهم بغير حق ثم للدفاع عن حرية العقيدة ومنع الفتنة (أي الاضطهاد الديني). وفي الحديث أن حرمة دم المؤمن البريء أكبر عند الله من حرمة الكعبة.

(7)

في حالة المسجد الأقصى فإن الجريمتين تتطابقان: إخراج الناس من أرضهم بغير حق، ومنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وهي جرائم تستحق أن يقف العالم بأجمعه ضدها، وليس فقط المسلمون.

(8)

لو أن الإسرائيليين تركوا المسجد آمناً، بل حتى لو اجتهدوا في رعايته وخدمته، ولكنهم أفرغوا القدس وماحولها من أهلها بحيث لم يبق هناك من يصلي في الأقصى، فأي قيمة تصبح للمسجد بغير العباد والمصلين؟

(9)

إنه لفهم قاصر ذلك الذي يفرق بين العدوان على الأقصى والعدوان على عماره وزواره. وعندما نرى الأمة تنتفض حين يقع العدوان على حجارة الأقصى وأخشابه بينما تلوذ بصمت القبور وهو يفرغ من العاكفين والركع السجود، حيث تقام الحواجز لحرمان المصلين من الوصول إلى أماكن العبادة بينما يستقبل مجرمو الحرب كزوار شرف في العواصم العربية، فإن في الأمر –وفي العقول- خللاً بيناً.

(10)

هناك إشكالية عامة في الفكر العربي المعاصر بكل أطيافه، هي أشكالية ما يمكن أن يسمى "العمي الإنسانوي"، حيث تتغاضى القيادات (حكومية ومعارضة) عن الثمن الإنساني لسياسات تسوغها الأيديولوجيا. وهكذا نرى الإنسان الفلسطيني مضطهداً عربياً أكثر منه في إسرائيل بدعوى محاربة التوطين. وكل هذا يضعف الموقف العربي أمام الأعداء نظراً للسهولة التي يتنازل بها القادة عن حقوق شعوبهم بثمن بخس أو بلا ثمن كما رأينا في مجلس حقوق الإنسان منذ أيام.

(10)

للرموز بغير شك مكانتها وحرمتها، خاصة حين تكون رموزاً مقدسة. ولكن أزمة الضمير العربي هي أن مفهوم المقدس عنده تراجع واقتصر على رموز محدودة وجزئية. على سبيل المثال نجد أن البعض لم يحتج على الوجود الأجنبي في "جزيرة محمد" حتى وصل ذلك الوجود إلى قلب الجزيرة التي تزخر من الكويت شمالاً إلى عدن جنوباً بالقواعد الأجنبية. فالأمة هي مثل شخص مخدر يقطع منه الجلد واللحم ثم لا يصرخ حتى تصل السكين إلى العظم أو حتى القلب. وقد آن لهذه الأمة أن تستيقظ.