Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

من باب تعذيب الذات أكثر من متابعة نشرات أخبار القناة السودانية، وهي مهمة كثيرة العناء قليلة العائد. فقد تقضي نصف ساعة تتابع الأخبار دون أن تسمع خبراً حقيقياً في ثنايا الدعاية السياسية والمعلومات غير المفيدة مثل وصل فلان وسافر فلان وأشاد علان بكذا، وقس على ذلك. ولكن استثناءً نادراً حصل في مطلع الأسبوع الماضي حين قطع المذيع نشرة المساء المبكرة ليعلن خبر انسحاب ستة من الأحزاب العشرين المشاركة في مؤتمر جوبا، وذكر أن بعضها من الأحزاب المشاركة في حكومة جنوب السودان، واعداً بمزيد من التفاصيل في النشرات القادمة. وقد كان هذا سبقاً صحفياً نادراً بكل المقاييس، خاصة وأن التلفزيون السوداني "القومي" لم يكن له حضور في تغطية مؤتمر جوبا ولهذا لم يستطع نقل المؤتمر الصحفي الذي ورد في الخبر أنه كان منعقداً في  عاصمة الجنوب في تلك اللحظة. واستعاض التلفزيون بمقابلة هاتفية مطولة مع أحد قادة تلك الأحزاب في نشرة تالية فصل فيها أسباب المقاطعة.

 

وقد تلخصت شكوى هذه الأحزاب، التي اتضح فيما بعد أنها كلها أحزاب جنوبية منافسة للحركة الشعبية التي دعت لمؤتمر وجوبا واستضافته، ومعظمها ذات نزعة انفصالية، أن الحركة لم تكن انفصالية بما فيه الكفاية، وقدمت تنازلات أكثر من اللازم للأحزاب الشمالية المشاركة في المؤتمر، إضافة إلى تحكمها في أجندة المؤتمر ومخالفتها لما اتفق عليه سابقاً. ومن هنا كان مستغرباً احتفاء التلفزيون الرسمي بهذه الأحزاب ومواقفها، إلا إذا علمنا بالطبع أن حزب المؤتمر الوطني، وهو "الحزب الحاكم"، المهيمن على الإعلام الرسمي، قد عارض ذلك المؤتمر واعتبره عملاً عدوانياً موجهاً ضده. وقد سارعت الحركة الشعبية باتهام المؤتمر الوطني، شريكها المفترض في الحكم بأنه كان وراء هذه المحاولة لنسف المؤتمر الذي كان يؤمل أن يسفر عن وفاق بين القوى السياسية السودانية المهمة حول القضايا الخلافية التي ما تزال تعوق التحول الديمقراطي المنشود في السودان.

 

ولعل أول سؤال يطرح نفسه هو لماذا عارض الحزب مؤتمر جوبا الذي انعقد في السادس والعشرين من سبتمبر الماضي واستغرقت مداولاته خمسة أيام بغرض تحقيق "الإجماع الوطني" حول القضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها تعزيز السلام وتحقيق الانتقال الديمقراطي؟ هل للحزب "الحاكم" تحفظات على السلام، أو الانتقال الديمقراطي، خاصة وأنها غايات منصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل التي تحكم نصوصها الوضع السياسي الحالي وتمنحه الشرعية؟ أم أن الحزب يعارض الإجماع الوطني؟

 

في تبريره للاعتراض على المؤتمر والمشاركة فيه عدد المؤتمر الوطني عدة تحفظات: أولها أن مشاورات كافية لم تجر قبل عقد المؤتمر، وأن الحزب لم يشرك بما فيه الكفاية في الإعدد للمؤتمر، كما أن معظم الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر الوطني التي تشارك معه فيما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية لم تدع إلى مؤتمر جوبا. وقد عزز هذا الشعور عند قيادات حزب المؤتمر الوطني بأن في الأمر "مؤامرة" من أحزاب "المعارضة" (وهي تسمية غير دقيقة لأن الحركة الشعبية شريكة في الحكم وليست معارضة) لفرض أجندتها عليه، وأن الملتقى يتجه للتحول إلى "محاكمة" لعهد الإنقاذ وقياداته. وأضاف بعض قادة الحزب الاتهام بأن مؤتمر جوبا ممول من الخارج من جهات أجنبية لها أجندتها الخاصة والمعادية للحزب ومصالح البلاد ووحدتها.

 

من جانبهم فإن منظمي الملتقى أكدوا أن المشاورات مع المؤتمر الوطني حول عقد لقاء جوبا لم تنقطع، وأن اللقاء أجل أكثر من مرة بطلب من المؤتمر الوطني حتى يتاح له الحضور والمشاركة، وقد كان المنظمون حتى آخر لحظة يتوقعون حضور ممثلي الحزب. ويؤكد هؤلاء أن قصد اللقاء لم يكن التآمر على المؤتمر الوطني، بل بالعكس، تحقيق الإجماع والوفاق الوطني حول القضايا المصيرية، خاصة وأن وحدة السودان مهددة، ولن يتسنى إنقاذها إلا بإجماع وطني يتجاوز الخلافات التي تهدد الانتقال الديمقراطي الذي يشكل وحده الأساس الذي يمكن عليه بناء الوحدة.

 

ولعل المفارقة هي أن كلا طرفي هذا السجال على حق في النقاط المحورية التي يثيرونها. فليس هناك جدال في أن السودان يواجه الآن تحديات مصيرية ستحدد الاستجابة لها مستقبل البلاد، وأنه لا يمكن التصدي لهذه التحديات إلا بحوار وطني جاد يقود إلى بلورة إجماع وطني حول حلول وفاقية للقضايا الخلافية التي تعوق الانتقال الديمقراطي وتهدد الوحدة. ولا خلاف في أن مؤتمراً من نوع ذلك الذي انعقد في جوبا، تتداعى إليه كافة القوى السياسية، هو الإطار الأمثل لمثل هذا الحوار. ولكن بنفس القدر فإن الحوار وتحقيق الإجماع يحتاج إلى توافق على أطر الحوار، وعلى مشاورات جدية حول القضايا موضوع الخلاف. ومن الواضح أن هذا لم يحدث، مما حول مؤتمر جوبا إلى مناط شقاق جديد أكثر منه آلية وفاق وإجماع.

 

ويعود هذا الإشكال إلى طبيعة القضايا الخلافية التي كان من المفترض أن يتناولها اللقاء من جهة، وإلى المنهج الذي اتبع في ترتيب اللقاء والتعامل مع هذه المسائل الخلافية. وتتركز الخلافات على النقاط التالية: نتائج الإحصاء السكاني الذي ترفضه الحركة الشعبية ويتمسك بها المؤتمر الوطني، قانون الاستفتاء الذي يختلف الشريكان على بنوده، مطالب الحركة الشعبية والمعارضة في تعديل طائفة من القوانين التي يرونها مقيدة للحريات، مسألة سيطرة المؤتمر الوطني على أجهزة الإعلام "القومية" وخاصة المرئية والمسموعة. وفي كل هذه النقاط تصطف غالبية الأحزاب في جانب، ويقف المؤتمر الوطني في الجانب الآخر. ثم هناك أزمة دارفور التي ترى غالبية الأحزاب أن المؤتمر الوطني هو المسؤول عنها، وتتبرأ من تبعاتها، ولكنها أيضاً ترى ضرورة الوصول إلى حل لها كشرط لازم لتحقيق الاستقرار المنشود. ولكن هناك أيضاً خلافات حول الحلول والمسؤوليات فيها.

 

وعلى هذه الخلفية كان من المفهوم ان يتوجس قادة المؤتمر الوطني من لقاء يجمع الحزب منفرداً مع هؤلاء "الخصوم"، حيث سيكون الإجماع ضده في معظم القضايا. وقد تعقدت المشكلة حين رفض منظمو المؤتمر توجيه الدعوة للأحزاب المتحالفة مع المؤتمر الوطني بدعوى أن تلك الأحزاب (ومعظمها قد انشق من الأحزاب الأكبر المشاركة في ملتقى جوبا) لا وزن لها وهي في معظمها صنيعة المؤتمر الوطني وتنطق بلسانه. وبالطبع كان لا بد إذن أن يصل الأمر إلى طريق مسدود، ما لم يتم التداول في القضايا الخلافية سلفاً والوصول إلى حلول مرتضاة لها. وهكذا تحول الأمر إلى ما يشبه الحلقة المفرغة: فملتقى جوبا مطلوب لحل القضايا الخلافية، ولكنه لن ينعقد ما لم يتم حل تلك المسائل.

 

وقد صدقت توقعات المؤتمر الوطني حيث صدر إعلان مؤتمر جوبا نهاية الأسبوع وهو يتخذ، رغم حديثه عن الإجماع والتوافق، الموقف المعارض لموقف المؤتمر الوطني في كل القضايا الخلافية تقريباً. ويبدو أنه في غياب المؤتمر الوطني عقد المؤتمرون في جوبا صفقات طبقاً لاجندة كل طرف. فقد اتخذو موقفاً يدعو إلى مقاطعة الانتخابات ما لم تتم الاستجابة لمطالب تعديل القوانين وتوسيع الحريات وضمان قومية الإعلام والخدمة والمدنية، وهذا موقف يتبناه المؤتمر الشعبي، كما تم بالمقابل دعم الحركة الشعبية في كل مواقفها الخلافية مع المؤتمر الوطني (الاستفتاء، الإحصاء السكاني، أبيي، ترسيم حدود الجنوب، إلخ). وفي تناول قضية دارفور تبنى مؤتمر جوبا كذلك الموقف المعارض لموقف الحكومة-المؤتمر الوطني في كل القضايا الخلافية، مثل التعويضات والإقليم الواحد والمحاكمات والتعاون مع المجتمع الدولي وقضية الملكية القبلية للأرض وتمثيل دارفور على نطاق المركز.

 

من جهة أخرى فإن المؤتمر مع ذلك تقدم بمقترحات من شأنها لو تم العمل أن تساعد في حل بعض الإشكالات العالقة، مثل لجنة الحقيقة والمصالحة التي دعا الرئاسة إلى تكوينها، وهي خطوة لو تمت ستمكن من تجاوز قضية المحكمة الجنائية. كذلك فإن مقترح تشكيل مجموعة عمل لدعم خيار الوحدة له ما يرجحه، إضافة إلى مقترحات وقف إطلاق النار في دارفور وبدء الحوار الداخلي بين مواطني دارفور.

 

في كثير من الأدبيات التي رافقت مؤتمر جوبا دأب مؤيدوه على عقد المقارنة بينه وبين مؤتمر جوبا الشهير الذي انعقد في نفس المدينة عام 1947، وهو المؤتمر الذي أسفر عن اقتناع ممثلي الجنوب بوحدة السودان. إلا أن هذه مقارنة غير موفقة إلى حد كبير، لأن الرأي العام الجنوبي اقتنع بأن ذلك القرار خطأً كبيراً، وأن السياسيين الشماليين خدعوهم بوعود خلب، واستغلوا قلة خبرة ممثلي الجنوب في ذلك المؤتمر لدفعهم لاتخاذ قرار متعجل بتعليق تحفظاتهم على الوحدة بدون ضمانات كافية. ويرى المتحدثون باسم الجنوب أن مؤتمر جوبا المذكور كان بداية الكارثة التي ما زال الجنوب يعيش بعض فصولها، خاصة في ظل مسارعة الإدارة البريطانية، تحت ضغط ساسة الشمال، على إسقاط أو إضعاف الضمانات التي كان الجنوب يطالب بها كشرط للوحدة. فلا عجب إذن أن يكون أول شرخ في بناء مؤتمر جوبا هو قيام مجموعة الأحزاب الجنوبية الصغيرة ذات التوجه الانفصالي بمقاطعة المؤتمر بحجة أنه يوشك أن يكرر خطأ مؤتمر جوبا الأول ويقود الجنوبيين مغمضي العينين إلى وحدة قسرية.

 

ولكن التشبيه الأقرب هو بمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية الذي عقد في العاصمة الاريترية عام 1995 وأرسى أسس التحالف بين الحركة الشعبية والأحزاب الشمالية الكبرى، وتوصل إلى اتفاقات حول أمور مثل قضية تقرير المصير للجنوب وعلمانية الدولة وأسس التحول الديمقراطي.

 

الفرق هو أن مؤتمر أسمرا كان يدعو إلى قلب السلطة وتنصيب تحالف المعارضة مكانها (وهي تهمة كررها أهل المؤتمر الوطني ضد مؤتمر جوبا) ولكن مؤتمر جوبا يدعو بعكس ذلك إلى حل توافقي للخلافات حول السلطة. ولكن التوافق يتطلب الالتقاء في نقطة وسط بين الطرفين، وليس إملاء شروط طرف دون آخر. وفي هذا المقام فإن مؤتمر جوبا يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح تستحق التقدير والبناء عليها، ولكنه لم يوفق تماماً لأنه لم يمض إلى نهاية الشوط في طلب الوفاق. صحيح أن المؤتمر الوطني هو المطالب بتقديم التنازلات الأكبر بحكم أن يمسك بمفاصل السلطة ويملك القرار المطلوب لتحقيق متطلبات التحول، سواءً أكان ذلك في اتجاه توسيع الحريات والمشاركة وتسريع الحلول لقضية دارفور. ولكن هذا لا يمنع أن على الأطراف الأخرى أيضاً واجبات لإظهار المرونة من أجل تحقيق التوافق. وهذا قد يتطلب حواراً مضنياً وصريحاً وراء الكواليس، وليس فقط على منابر المؤتمرات، فليس بالمؤتمرات وحدها يتحقق الإجماع والتوافق.