Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

خلال الأيام القليلة الماضية انشغل الإعلام البريطاني المحلي بقضيتين كادتا تطغيان على الأحداث الكبرى، مثل مؤتمر حزب العمال الحاكم والمفاعل الإيراني النووي "السري"، وغير ذلك من الأحداث الجسام. أما القضية الأولى فكانت نشر نتائج التحقيق في انتحار سيدة بريطانية وابنتها قبل عامين بسبب مضايقات "فتوات" الحي الذين حولوا حياة السيدة وابنتها ذات الاحتياجات الخاصة إلى جحيم. وأما الثانية فكانت وفاة تلميذة في الثانية عشرة من عمرها بعد ساعات من إعطائها جرعة لقاح ضد سرطان عنق الرحم.

 (2)

كشفت الحادثة الأولى عن جانب مظلم من الحياة في المجتمع البريطاني، تتمثل في قيام بعض الشبان المراهقين بمضايقة جيرانهم، خاصة ضد الضعفاء من المسنين والمعاقين، بدون أي مبرر سوى النزعة العدوانية. ولكن الأفظع كان حالة العزلة التامة التي يواجهها من يستهدفهم هذا العدوان. فقد اشتكت السيدة معذبيها إلى الشرطة أكثر من ثلاثين مرة، وظلت تعاني من المضايقات لسنوات دون أن يأتي أحد لنجدتها. وفي نهاية المطاف لم تجد مخرجاً سوى الانتحار، حيث أشعلت النار في سيارتها بعد أن اصطحبت ابنتها داخلها.

  (3)

في ظاهرها فإن حادثة اللقاح تبدو الأثر الجانبي السلبي المعزول لأحد أكثر جوانب التقدم العلمي إشراقاً. فاللقاح المذكور تم اختراعه قبل سنوات كواحد من أول أساليب الوقاية الفعالة من مرض سرطان الرحم الذي يسببه فيروس معروف. ولكن الجانب الآخر للحكاية هو أن هذا الفيروس يصيب فقط النساء بعد ممارسة الجنس مع شركاء متعددين. وهذا بدوره يطرح أسئلة حول الشعور بالحاجة إلى إعطاء مثل هذا اللقاح لفتيات بدءاً من سن الثانية عشرة.  

(4)

خلال العقود الماضية بدا أن المجتمعات الصناعية في الغرب قد تصالحت مع توابع الحداثة: تحلل روابط المجتمع التقليدية باختفاء القبيلة ثم الأسرة الممتدة ثم القرية والرابطة الدينية لصالح "الأسرة النووية" التي أخذت بدورها تتهاوى. وبدءاً من الستينات تحول الاستسلام لهذه التطورات التي بدت حتمية إلى اعتناق وعناق لها: التحرر الجنسي والفردية المطلقة والتحلل من كل قيود المجتمع، والهروب من الواقع عبر تعاطي المخدرات.

(5)

ولكن الفرحة بهذا "الانعتاق" ظلت تصطدم بعواقب مخيفة كفيلة بتبديد وهم التحرر. ففي السبعينات والثمانينات أصاب تفشي الأمراض الجنسية وخاصة مرض الأيدز الكثيرين بالفزع. ثم جاء تصاعد استخدام المخدرات المهلكة وما تابعها من انتشار الجريمة والعنف. وأخيراً أتت الأوربئة وخراب البيئة والكوكب. ولكن المجتمعات في نهاية الأمر تتكيف مع هذه الأخطار مما خلق إحساساً بالغرور والقدرة على تجاوز أو التعايش مع كل خطر وأزمة.

(6)

حتى بمقاييس هذه النظرة فإن بعض التطورات تشكل صدمات عنيفة تدفع الناس إلى إعادة التفكير في طبيعة المجتمعات المعاصرة. ومن تلك الأحداث اختطاف الطفلة البريطانية ذات الثلاث أعوام مادلين ماكان في البرتغال العام الماضي واختفاء أثرها، وأيضاً اكتشاف عدة حالات في النمسا وبريطانيا والولايات المتحدة تم فيها اختطاف وإخفاء فتيات (في حالتين من قبل آبائهن) واسترقاقهن جنسياً. ففي كل هذه الحالات لم تثر الأوضاع الغريبة انتباه الجيران، لأن تفكك المجتمعات بلغ حداً يمكن من ارتكاب الجريمة على مسمع ومرأى دون إثارة الانتباه، لأن الكل مشغول بنفسه.

(7)

هذه الأمراض قد تبدو حالياً مقتصرة على المجتمعات الغربية والمجتمعات الصناعية التي لحقت بها مثل اليابان ودول شرق آسيا. ولكن هذا مظهر خادع، لأن المجتمعات التقليدية،خاصة في العالم الإسلامي، تهرول على آثارها. فدول افريقيا جنوب الصحراء تكاد معظمها تنقرض بسبب مرض الأيدز الذي أصاب قرابة ثلث السكان في بلدان مثل يوغندا والكونغو الديمقراطية. أما البلدان العربية الغنية فقد تحولت إلى "قطعة من أوروبا" كما تمنى اسماعيل باشا لمصر، ولكن في أسوأ صورها: الفردية والمخدرات والعزلة التامة للأفراد والأسر.

(8)

ربما يقول البعض إن العودة إلى الدين في البلدان الإسلامية هي الدواء الناجع لهذه المحنة التي يبدو الجميع عاجزين أمام مدها الطاغي. ولكن الإشكال هو أن ما يعرف بالصحوة الإسلامية المعاصرة لم تقدم أي بديل للرأسمالية التي هي أس البلاء هنا، بل بالعكس نجد الصحوة عانقت الرأسمالية خاصة عبر ما يعرف بالإقتصاد الإسلامي. وهكذا نجد في السعودية ودول الخليج والسودان وإيران أن حصيلة التوجه "الإسلامي" هي رأسمالية متوحشة دمرت الأسر وفككت المجتمعات وقتلت روح التكافل.

(9)

هناك ضرورة ملحة أمام الفكر الإسلامي لتطوير بديل مقنع للرأسمالية ومنطقها العدمي بدلاً من مراقبة المشهد بشعور شخص داخل قطار مسرع نحو هاوية سحيقة وهو لا يملك سوى الدعاء والتشبث بالمقعد.