Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ربما يكون الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد بدأ رئاسته في الفترة الخطأ، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط. فسياسته التي تقوم على منهج الحوار والتعايش تأتي إلى منطقة بدأت تتكيف مع سياسة سلفه جورج دبليو بوش، كل فيها على طريقته. فإيران خاتمي التي كانت تتوق لعقد الصفقات مع أمريكا ذهبت إلى غير رجعة بعد أن خذلت في أيام كلينتون كما خذلت إيران رفسنجاني في أيام بوش الأب، وحلت محلها إيران محمود أحمدينجاد بتصلبها وتحديها. وفي فلسطين تراجعت سلطة أوسلو لصالح حماس، كما ذهب أيضاً  أولمرت على علاته ليأتي بدلاً عنه أكثر ساسة إسرائيل تطرفاً وعجرفة. وفي لبنان عزز حزب الله موقعه واستعادت سوريا بعض نفوذها في لبنان بعد أن كانت اقتلعت منه في عام 2005 وبدا أن نجمها إلى أفول.

 

سياسات أوباما نتجت عن اقتناع بفشل سياسات سلفه وما أتت به من نتائج عكسية. فاحتلال العراق لم يحول المنطقة إلى محمية أمريكية كما تنبأ رامسفليد وتشيني وأنصارهما من المحافظين الجدد، بل بالعكس، أصبحت تتقاسمه القاعدة والميليشيات الطائفية أو القبلية. أما أفغانستان فقد تحولت إلى مستنقع بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها يغرقون فيه ببطء. وفي كل من غزة ولبنان جاءت محاولة القضاء على حماس وحزب الله بأثر عكسي. وهكذا تحولت المنطقة بمجملها إلى منطقة توتر وتحفز للمواجهة، مع أمريكا ومع بعضها البعض.

 

ولكن لعل أكبر نكسة واجهتها السياسة الأمريكية في المنطقة كانت وصول نتنياهو للسلطة في انتخابات مطلع العام الحالي. ذلك أن الولايات المتحدة كانت منذ أيام بوش الأب وحرب العراق قد بنت سياستها في المنطقة على دعم وتعزيز ما وصفته ب "محور الاعتدال"، ممثلاً في الدول النفطية في الخليج ودول أخرى مثل مصر والمغرب. وقد أضيفت إلى هذه الدول وقتها سوريا التي شاركت في تحالف حفر الباطن وحرب تحرير الكويت. وتقوم الاستراتيجية التي اتبعت في ذلك الحين على على دعم التسوية بين العرب وإسرائيل بحسب صيغة مؤتمر مدريد (1992)، إضافة إلى "عزل" الدول المعادية مثل إيران وليبيا والسودان.

 

وقد تلقت هذه السياسة دفعة من نجاح مفاوضات أوسلو عام 1993، وما تبعها من هرولة عربية للتطبيع مع إسرائيل. ولكن السياسة لقيت نكسة كبرى مع اغتيال رابين عام 1996 وما أعقب ذلك من صعود حماس ثم وصول نتنياهو إلى السلطة وتنكره لاتفاقيات أوسلو. ولكن صعود نتنياهو كان له بعد آخر يتعلق بتحول كان ينتظر أمريكا نفسها. فقد تحالف نتنياهو مع مجموعة أصبحت فيما بعد نواة ما عرف بالمحافظين الجدد. وكانت هذه المجموعة، وعلى رأسها ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث (كلاهما تولى فيما بعد مناصب رفيعة في وزارة الدفاع تحت بوش ورامسفيلد) قد أعدت في عام 1996 تقريراً عبر معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة (يميني التوجه) بعنوان "قطيعة تامة: استراتيجية جديدة لتأمين البلاد". وقد أوصى التقرير بالتنصل من اتفاقيات أوسلو، و "تجاوز" القضية الفلسطينية عبر تغيير البيئة الاستراتيجية، وذلك بدفع الولايات المتحدة لاحتلال العراق وإسقاط صدام حسين، ثم تعزيز احتلال جنوب لبنان ومحاصرة سوريا وتوسيع المستوطنات. تبنى نتنياهو هذه التوصيات بحماس وطرح بعضها في أغسطس 1996 في خطابه للكونغرس الذي تحمس لها بحماسه.

 

ومالبثت هذه الأفكار أن تحولت إلى سياسة أمريكية رسمية حين وصل المحافظون الجدد إلى السلطة ضمن إدارة بوش وتحت عباءة نائبه ديك تشيني. وعندما حانت الفرصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قاموا بتنفيذ هذه السياسات. ولكن النتيجة كانت كارثية بالنسبة لهم ولأمريكا. ومن هنا كان مجيء أوباما بإرادة شعبية ليقف ضد هذه السياسات.

 

ولكن من سوء حظ أوباما أن نفس الشخص الذي كان يتبنى تلك السياسات عاد إلى السلطة في إسرائيل بنية إعادة إنتاجها. وبالنسبة لنتنياهو فإن الوضع الآن كما كان عام 1996 لا يسمح إلا بمغامرات جديدة تصرف أنظار العالم عن معاناة الشعب الفلسطيني وتشغله عن المطالبة بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وقد وجد في إيران هذه المرة ضالته. وكان نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون قبله قد صرحوا مراراً بأن التصدي لإيران قد أصبح عامل توحيد بين العرب وإسرائيل. وأخذ أنصار إسرائيل يرددون في فرح أن هذه أول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يسمعون فيها من أبناء عمومتهم العرب أن الخطر الأكبر الذي يتهددهم ليس هو إسرائيل وإنما هو إيران.

 

إلا أن الإشكال الأكبر الذي يواجه هذه السياسة هو التناقض الجوهري بين أوباما والكتلة السياسية المؤيدة له ونتنياهو وتوجهاته. فالأخير يعتبر حتى بمقاييس إسرائيل رجل متطرف متهور، كما أن توجهات المحافظين الجدد وأفكارهم هي أبغض الأشياء إلى أوباما ومعسكره. وقد جاء أوباما إلى السلطة وهو يدعو إلى حوار مع إيران لا إلى حرب معها، كما أنه بدأ بالضغط على نتنياهو لإيقاف المستوطنات تمهيداً للتفاوض مع الفلسطينيين. من هنا فإن لقاء الثلاثاء الماضي في القمة الثلاثية بين عباس ونتنياهو وأوباما كان لقاء الأضداد ليس فقط لأنه لقاء بين من يمثل الفلسطينيين وبين من ينكر حقهم، ولكن لأنه لقاء أجندة المحافظين الجدد ونقيضها، بين من يجسد تلك الأجندة وبين من فوضه الشعب الأمريكي لتفكيكها ونقض عراها.

 

ولكن من جهة أخرى فإن هناك حدود لقدرة أوباما للضغط على نتنياهو أو أي زعيم إسرائيلي آخر، ليس فقط لقوة اللوبي الإسرائيلي وكون الكونغرس الأمريكي صهيوني أكثر من نتنياهو، بل لأن أصحاب الحق من العرب هم كذلك عون لنتنياهو عليه. فقد صدق نتنياهو وشيمون بيريز حين أعلنا على الملأ أن الزعماء العرب أخبروهما بأنهم أصبحوا يرون إيران خطراً عليهم أكثر من إسرائيل، ويفضلون أن تتفرغ الولايات المتحدة لمقارعة إيران من أن تمارس الضغط على إسرائيل. فنسبة حلفاء أمريكا ممن حرضوا على حصار العراق وغزوه، وعلى ضرب حزب الله وحماس، هي أكبر بكثير من نسبة من ساندوا التسوية مع سلطة أوسلو على علاتها. وعليه فإنه ليس بوسع أوبا أن يكون عربياً أكثر من العرب ويخاطر برئاسته لخوض معركة أصحابها لا يريدون الدخول فيها.

 

وإذا رجعنا إلى مسلسل الأحداث التي فرضت التسوية لوجدنا أن خصوم أمريكا في المنطقة وممثلي تيار المقاومة هم من فرضوا شروطها، لا حلفاءها الذين لم تكن لديهم أوراق ضغط للمطالبة بها، ولا حتى القدرة لتحقيقها والاستفادة منها. فقد كان تمرد صدام حسين وحاجة أمريكا لبناء تحالف ضده يشرع لوجودها في الخليج هو الذي فرض مؤتمر مدريد، لا توسلات رجال حفر الباطن. وقد كان الخوف من حماس هو الذي فرض على رابين "تجرع السم" ومصافحة عرفات، لا حب بيريز لعباس ورهطه. وبالمثل فإن مطارق حزب الله هي التي أخرجت جيش الدفاع الإسرائيلي من لبنان بعد أن كانت أجندة نتنياهو تدعو إلى توسيع الاحتلال هناك ثم ضرب سوريا بعد العراق. وقد كانت ضربات حماس في غزة هي التي فرضت على صقر صقور إسرائيل، أرييل شارون أن يخلي غزة، وليست توسلات عرفات المحاصر في داره.

 

وبالمثل فإن المقاومة في العراق وأفغانستان هي التي فجرت مشروع المحافظين الجدد في العراق، وأخرجتهم يجرجرون أذيال الخيبة من معقلهم في وزارة الدفاع، واحداً بعد واحد: وولفويتز، ثم بيرل، فدوغلاس فايث وأخيراً رامسفيلد نفسه، قبل أن تفرض على أمريكا أجندة الخروج من العراق. فبدلاً من أن يتحقق الانتصار الباهر الذي وعدت به ورقة "قطيعة تامة"، وتركع المنطقة بكاملها تحت أقدام الأباطرة الجدد، تزلزلت الأرض تحت أقدامهم وعادوا يجرجرون أذيال الخيبة، وأصبحوا موضع سخرية واستهزاء الشعب الأمريكي. أما حلفاؤهم من العرب الذين حرضوهم على غزو العراق وأعانوهم عليه وقالوا لهم لئن قوتلتم لننصرنكم، فقد انسحبوا منهم، فكانوا كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك. بل إن بعض هؤلاء الحلفاء دعموا المقاومة في العراق، لا لأن حسهم الوطني قد استيقظ فجأة، بل لأن المحافظين الجدد زعموا أنه جاءوا للمنطقة لنشر الديمقراطية، وهي عند القوم شر مستطير أبغض إليهم من إيران وحماس وحزب الله.

 

ولكن أوباما إذ يأتي إلى السلطة اليوم يجد يده فارغة من أي أوراق تدعم أجندته التصالحية، تحديداً بسبب الموقف العربي المتخاذل والمتهالك. وعليه فإنه سينساق مضطراً إلى أجندة نتنياهو التي تريد اختلاق مواجهة مع إيران كغطاء لمساعيها لتصفية القضية الفلسطينية عبر تهويد القدس بالكامل واقتطاع ما تريد من الأراضي الفلسطينية وتجويع غزة حتى الركوع. وقد صدق وزير خارجية إسرائيل العنصري أفيغدور ليبرمان حين صرح بأن إسرائيل لا تحتاج لحل للقضية الفلسطينية، ويمكن أن تترك الأمور على ماهي عليه، تماماً كما قال أحد أسلافه إن إسرائيل لا تحتاج لتوقيع اتفاقية سلام مع سوريا لأن السلام قائم فعلاً. فإسرائيل قد اقتطعت الأراضي السورية والفلسطينية وباشرت استعمارها بهمة ونشاط في سلام ووئام. فما الذي يجبرها على إعادتها وأهلها وأنصارهم قعود، بل منهم من هو عون لإسرائيل على إخوته؟

 

من هنا نفهم الحماس الذي امتشق به أوباما حسامه وتهيأ للمواجهة مع إيران بدعوى تجاوزاتها في الملف النووي المزعوم. فهذا الموقف يمثل لأوباما، كما لنتياهو، مخرجاً من مأزق المواجهة التي قد تضر برئاسته وتشغله عن أجندته الأهم في الداخل ودولياً، ولا تعد بأن تأتي بمردود ملموس على المدى القريب، خاصة في ظل ما ذكرنا من تقاعس العرب وانحيازهم وتحريضهم على إيران. فأوباما حين يصعد مع إيران يضرب أكثر من عصفور بحجر إيراني واحد. فهو يرضي اللوبي الصهيوني، ويخفف من ضغوط اليمين المتشدد عليه، ويكسب "المعتدلين" العرب، ويكسب الوقت عسى أن يذهب نتنياهو أو يكمل مشروعه الاستيطاني في وقت نجد القيادة الفلسطينية مشغولة بمقارعة حماس والتحريض عليها أكثر من انشغالها بالحفاظ على مابقي من أرض فلسطين.

 

الحملة على إيران ستستمر وتتصاعد، وهو أمر تساعد فيه سياسات أحمدينجاد الخرقاء وتصريحاته غير الموفقة. ولكن الأمر لن يصل إلى مرحلة الحرب، إلا إذا ابتدرتها إيران. وخلال الفترة القادمة سيجد نتنياهو مناه لأن الكل سيتحدث عن إيران بينما ستصبح فلسطين نسياً منسياً.