Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

للمرة الثانية خلال عقد من الزمان، وبكثيرمن الألم وبدون أي شماتة أو اعتداد بصدق التوقعات، نواجه تكرار المشهد المؤلم والمهين الذي يواجه فيه المرشح "العربي" لليونسكو بخسارة لم تفاجئ إلا المرشح ومن وراءه من باعة الأوهام ومستهلكيها. ذلك أننا حينما رجحنا ألا يحصل حسني على منصب الأمين العام لأهم مؤسسة ثقافية دولية لم نكن نرجم بالغيب، وإنما كنا نقرأ من كتاب مفتوح متاح لمن شاء.

 (2)

الصحف المصرية سارعت بعد إعلان النتيجة للحديث عن "مؤامرة" ضد المرشح المصري، وعن "تسييس" المنصب ونشاط اللوبيات الإسرائيلية ضد مرشح مصر. ونحن لا نقول أن هذا الحديث ينم عن سذاجة سياسية، ولكنه أقرب إلى خداع الذات. فالحكومة المصرية كانت غارقة في التسييس والصفقات حتى أذنيها، بدءاً باستخلاص تعهد من إسرائيل بعدم معارضة ترشيح حسني (ومن يدري أي ثمن دفع لتعهد كهذا من نتنياهو!) وتعهد مماثل من واشنطون. وقد احتفى الإعلام المصري بهذا الدعم، كما عبرت الحكومة إعلامياً عن امتعاضها من عدم وفاء أمريكا بتعهداتها في هذا الصدد.

  (3)

الإشكال كما فصلنا سابقاً لا يكمن في تعفف مصر الرسمية عن عقد الصفقات حين تراها ضرورية، بل في فشل النخبة والمصرية والعربية عموماً في فهم الواقع المعاصر. فهذه النخبة، حتى أدعياء الحداثة فيها (وربما خصوصاً أدعياء الحداثة) لا ينتمون إلى عالمنا المعاصر ولا يفهمون آليات عمله وتعقيداته، خاصة في مجالات الثقافة والإعلام. 

(4)

لأن الأنظمة العربية تمارس السيطرة الكاملة على الإعلام وتمارس عسكرة الثقافة فإنها تعتقد أن الحكومات الغربية لها هيمنة مماثلة على عوالم الثقافة والإعلام. وقد اندهش بعض الإعلاميين البريطانيين حين أخذ مسؤول عربي كبير واجهت بلاده في التسعينات انتقادات إعلامية لسجلها المظلم في حقوق الإنسان يسأل كل صحفي يلاقيه: "ما ذا تريد بريطانيا منا؟" فالرجل كان يعتقد أنه لو قدم تنازلات بعينها فستقوم الحكومة بإسكات الإعلام عن تناول مخازي نظامه!

(5)

هناك ثلاث عقبات واجها كل مرشح عربي لأمانة اليونسكو، الأولى والأيسر هي الخلافات العربية. ففي عام 1999، كان هناك مرشح مصري ضد مرشح الإجماع العربي (السعودي غازي القصيبي) وهذه المرة كان هناك مرشح جزائري ضد المرشح العربي الرسمي. أما الثانية فهي طبيعة النظام، والثالثة مؤهلات المرشح. وبالنسبة لحسني فإنه عاني من الثلاث، حيث أن مصر حازت المرتبة رقم 146 من 173 دولة فى تصنيف "مراسلون بلا حدود" حول حرية الصحافة، كما أن الوزير نفسه مارس دكتاتورية غير مسبوقة ضد أهل الثقافة في بلده.

(6)

خلال توليه حقيبة وزارة الثقافة لأكثر من 22 عاماً استعدى حسني معظم قطاعات المجتمع المصري، كما فعل حين انتقد المصريات لارتدائهن الزي الإسلامي عام 2006، وذلك بعد عام من تعرضه لانتقادات عنيفة من المثقفين بسبب الإهمال الذي تسبب في حرائق في مسارح وتدني الأداء الثقافي. وقد انتقد الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي ماوصفه بهيمنة الدولة على الثقافة في عهد حسني، واتهمه بالمسؤولية عن "تهافت الثقافة المصرية وتراجعها كما وكيفا".

(7)

حين تتقدم دولة تقع في سلم حريات الصحافة في مستوى أدني من كمبوديا وتشاد والسودان وروسيا وتونس، وأفضل بدرجة من الكونغو بمرشح لأمانة اليونسكو متهم داخل مصر نفسها بأنه مهندس تأميم الثقافة والمسؤول عن انحطاطها ليتولى عن العالم كله رعاية الثقافة فلا بد من طرح أسئلة مهمة عن طريقة تفكير النخبة الحاكمة التي عجزت عن الفضيحة التي ورطت نفسها والعرب فيها بالدخول بركوب هذا المركب الصعب.

(8)

في هذا المقام فإن مشكلتنا كعرب ليس أن يخسر مثل هذا المرشح، بل أن يفوز ثم ينطلق ليمارس عالمياً ما كان يمارسه محلياً. حينها كانت فضيحتنا ستكون بجلاجل كما يقال في مصر المحروسة.

(9)

لقد حانت الفرصة بالفعل لأن تؤول قيادة اليونسكو لمثقف عربي، والأمة العربية ومنها مصر لم تعقم عن أن تنجب المؤهلين والمؤهلات لمثل هذا المنصب ممن جمعوا بين العلم والثقافة والقدرات الإدارية والدبلوماسية. ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ريما خلف الهنيدي (الأردن) ومحمد بن عيسى (المغرب) وإسماعيل سراج الدين (مصر).

(10)

 من نافلة القول أن العرب إذا أرادوا أن ينالوا احترام العالم فلابد بداية من أن يحترموا أنفسهم ويتوقفوا عن إهانة شعوبهم. وإذا أرادوا المساهمة في تثقيف العالم فليتوقفوا عن محاربة الثقافة والعلم في بلدانهم. ولكن من كان لا محالة مصراً على إهانة النفس، ويريد مع ذلك اللعب مع الكبار، فلا أقل من أن يمارس الحكمة في اختيار مرشح من رموز الثقافة من خارج منظومة الدولة، ومن المشهود لهم بالمواقف المشرفة، لا من رجال "شرطة الثقافة". وهذا أضعف الإيمان.