(1)

ما زلت أذكر جيداً مداخلة محيرة (وكاشفة في نفس الوقت) لوزير الخارجية الفرنسي الأسبق كلود شيسون عشية إعلان استقالة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد في يناير عام 1992 عقيب إعلان اكتساح جبهة الإنقاذ الإسلامي للانتخابات البرلمانية. ففي مقابلة مع الخدمة الدولية لهيئة الإذاعة البريطانية تلك الليلة، علق شيسون بأن من الضروري أن تعقد الانتخابات الرئاسية أولاً ثم تعقبها البرلمانية، في إعادة لترتيب الأولويات.

(2)

كان شيسون يتحدث بعد ساعات فقط من إعلان استقالة بن جديد، ولم يكن أحد بعد في الجزائر نفسها يعلم من سيخلفه، فضلاً عن أن يعلم أي سياسات ستتخذ. ولكن عندما قامت سلطة جديدة في الجزائر، جاءت الخطوات التي أعلن عنها (بعد ثلاث أيام من مقابلة شيسون) وفقاً لما حدد شيسون تماماً، حيث ألغيت الانتخابات البرلمانية وأعلن عن تخطيط لانتخابات رئاسية. فإما أن الرجل كان من المطلعين على الغيب، وإما أن الأمر دبر بليل في غير عاصمة الجزائر ونفذ حسب التعليمات.

(3)

تذكرت هذا الامر وأنا أتابع نهار الأربعاء الأسود الماضي في مصر بعض الشخصيات المصرية المعروفة بقربها من أجهزة مخابرات النظام السابق وهي تفتي بما سيحدث بقية ذلك اليوم من استيلاء الجيش على السلطة وأعداد وهوية من سيتم اعتقالهم، إلخ. ولم يكن الجيش قد تحدث في بياناته حينها عن اعتقالات أو عمليات انتقامية من تلك التي تمناها المتحدثون. بل بالعكس تحدث عن المصالحة والوئام والأسس السليمة للديمقراطية. ولكن ما كاد الليل ينتصف حتى تحققت "نبوءات" القوم. وشيء لله يا عملاء المخابرات!


(4)

ما طفحت به أجواء مصر في ذلك النهار المشؤوم كان أمراً في غاية القبح، لا يشبه في شيء أجواء يناير وثورته التي تميزت بالانسجام والوئام بين طوائف الشعب المصري. أما أمس الأول، فقد كان هناك الكثير من الشر وروح الانتقام والتصريحات التي تقطر حقداً وسماً ضد فئات من الشعب المصري.



(5)

لا فائدة هنا –إلا للعبرة- من أن نستعيد ثانية تحذيرنا على نفس هذه الصفحات في مطلع ديسمبر الماضي من "السيناريو الجزائري" في مصر، ولا استدراكنا في مطلع مارس بأن الأمور تتجه إلى ما هو أسوأ، أي الصوملة وتفكك الدولة وانهيارها. ولا نريد أن نكرر أن الرئيس مرسي وقيادات الإخوان يتحملون الوزر الأكبر في تدهور الأوضاع وانقلاب الشارع ضدهم. وقد كنا كررنا أكثر من مرة هنا أن قيادات الإخوان مثل هواة حمل الأثقال، يحملون أنفسهم ما لا يطيقون، ويلزمون أنفسهم بما لا يلزم. ولكن كل هذا لا يبرر بحال ما تنحدر إليه البلاد من عودة إلى حكم المخابرات الذي ثار الشعب ضده، ولا من نفس ممارساتها القديمة من إغلاق للقنوات، واستيلاء على الصحف، وحملات الاعتقالات وغيرها من قبح الماضي. والأسوأ من كل ذلك احتفال دعاة الديمقراطية المزعومين بهذه الممارسات!

(6)

ليس من المبرر كذلك أن يفتعل أنصار مرسي صدامات لا ضرورة لها مع خصومهم، بل بالعكس، أرى أن ما يجب عليهم هو الاحتفال بما وقع. فقد أزاح العسكر عن كاهل الإخوان حملاً ثقيلاً، ليس أدنى أثقاله التعامل مع اقتصاد منهار، والحاجة إلى اتخاذ قرارات قاسية مثل رفع الدعم عن الوقود والخبز ومواجهة مطالب طلاب الوظائف، والتعامل مع مجتمع تمزق وأصبح غير قابل للحكم. ولن تمضي أسابيع حتى يصبح الحكام الجدد في وضع أسوأ مما كان عليه مرسي خلال الأشهر الماضية، حيث ستشتد النقمة عليهم ويتهمون بكل نقيصة ومصيبة. وما على الإسلاميين سوى ان يصبروا قليلاً وانتظار تحول اتجاه الريح ثم نشر أشرعتهم.

(7)

ولكن الواجب قبل ذلك على الإسلاميين مراجعة أنفسهم والاعتبار بما وقع. فلا يجدي نفعاً إلقاء اللوم على الجيش أو المعارضة، لأن مرسي وسياساته الغبية كانت افضل مكسب للمعارضة، بل كان مرسي "زعيم المعارضة" لحكمه وأفضل رصيد لشانئيه. ولا بد أن تتحمل قيادات الإخوان –وعلى رأسها المرشد ونوابه خاصة خيرت الشاطر- المسؤولية كاملة عن تحول علامة الإخوان إلى "ماركة سامة" كما أسلفنا في مداخلة سابقة. ويكفي أن الرئيس الإخواني كان عاجزاً عن حماية المركز العام للجماعة من الحرق والنهب وهو على رأس هرم السلطة. ولكن العبرة قبل ذلك بوجود حشود تريد حرق المقر من الأساس وهي تمتلئ بغضاً للإخوان. وما لم تحدث مراجعات ونشهد استقالات على أعلى المستويات فلا بد من انتفاضة إخوانية شبابية تطيح بهذه القيادات وتأتي بمن هو أجدر.


(8)

ليس من مصلحة الإخوان ولا من مصلحة مصر العناد والدخول في صدام عبثي مع السلطات، لأن ها ما يريده الخصوم لاستنزاف الإخوان وتوجيه الضربات لهم. ولكن كل الجهود يجب أن تنصب اليوم على إصلاح الداخل، وهذا يبدأ في نظري بإنهاء الازدواجية في التنظيم بين الحزب والجماعة وحل الجماعة أو قصر نشاطها على الدعوة، وإجراء دراسات متعمقة لأسباب الفشل ووضع استراتيجية لمعالجات جذرية تبدأ بإعادة هيكلة القيادة، ثم دراسة تحسين التواصل مع بقية القوى السياسية والاجتماعية.


(9)

لا فائدة كذلك من التباكي على لبن "الشرعية"  المسكوب، لأن الشرعية ليست وحياً منزل. وكما قال المسيح عليه السلام عن السبت، فإن الشرعية جعلت من أجل الشعب والوطن، وليس العكس. وقد قضي الأمر الآن ويجب النظر إلى المستقبل، والاستعداد للمنازلة القادمة. ولعلها مفارقة أن مرسي استعدى القضاء وهو في الحكم، وهو وأنصاره اليوم أحوج ما يكونون للقضاء لينصفهم ممن بيدهم القوة. والإخوان استعدوا الإعلام كذلك، واستعدوا القوى السياسية الأخرى، وحتى كثيراً من أنصارهم ومؤيديهم بدليل استقالات مستشاري الرئيس بالجملة وتحول كثير من حلفاء الإخوان إلى خصوم. ولهذا السبب فإنهم لا يكادون يجدون ولياً ولا نصيراً.

(10)

ليعقد مؤيدو مرسي والإخوان مظاهرة احتفالية أخيرة في ميادين نهضة مصر ورابعة العدوية وغيرها، ثم لينصرفوا للتأمل وإعادة رص الصفوف واستقاء العبر من التجربة المريرة استعداداً للمعارك القادمة. فالمؤكد أن المنهج الذي أدى إلى انهيار أو تجربة ديمقراطية في مصر، وفشل أول رئيس إسلامي منتخب في العالم العربي يتطلب دراسة متعمقة لأسباب وملابسات الفشل. والمؤكد كذلك أن الاستمرار في النهج الفاشل وبنفس القيادات الفاشلة لن يقود إلا إلى كارثة أخرى تستعيد شبح عام 1954، والعياذ بالله كما يقول الزميل حسنين كروم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////