الفرق بين الثورات الديمقراطية والحرب الأهلية



في عام 2005، نشر عالم الاجتماع الأمريكي مايكل مان كتاباً بعنوان: "الجانب المظلم للديمقراطية"، جادل فيه بأن ما يحدث في بعض البلدان التي شهدت تحولات ديمقراطية من تطهير عرقي وإبادة جماعية لم يكن من قبيل الصدفة، وإنما يكشف عن ترابط عضوي بين الديمقراطية والعنف. ذلك أن طبيعة الدولة الحديثة تفرض الترابط بين الحس القومي من جهة، وبين هياكل الدولة وحدودها من جهة أخرى. ولهذا كانت الصراعات التي تفجرت مع بداية الحقبة الديمقراطية تركز على النضال من أجل استقلال الشعوب وتفردها بالحكم الذاتي على تراب معين. ولكن لأن الشعوب تتداخل، فإن النزاعات قد تنشب داخل إقليم معين بين أكثر من جماعة قومية تنافسها فيه أو تطالب بالاستقلال عنه. وهذا يؤدي بدوره إلى التطاحن وما يسمى بالتطهير العرقي، مما يؤكد أن الديمقراطية والتطهير العرقي ما هما إلا وجهان لعملة واحدة. وفي مرحلة لاحقة قيد مان مقولته حين قصر هذا التطابق بين العنف والديمقراطية في مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية، معترفاً بأن الديمقراطيات المستقرة لا تمارس التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية (هذا مع تأكيده على أن الديمقراطيات "الاستيطانية" كما هو حال الدولة الأمريكية، مارست الإبادة الجماعية في حق السكان الأصليين).

وفي عام 2009، نشر الصحفي البريطاني همفري هوكسلي كتاباً آخر بعنوان: "الديمقراطية تقتل"، ساق فيه أدلة من تجارب دول عديدة وخبرته كمراسل للبي بي سي على أن الديمقراطية تؤدي إلى  الكثير من سفك الدماء، كما حدث في ساحل العاج ويوغسلافيا وكينيا والفلبين ولبنان والعراق وأفغانستان، إلخ. وبخلاف مان الذي ركز على التنظير، فإن هوكسلي استند إلى خبرته الميدانية ومشاهداته ليوثق لنزاعات كثير ويخلص منها إلى أن الديمقراطية قاتلة، قائلاً إن المرء قد يكون بالخيار بين إنقاذ حياة طفل وعقد انتخابات.

كما هو متوقع صدرت ردود كثيرة على دعاوى هوكسلي ومان، ركز أكثرها على أن للصراع مسببات كثيرة، وأن الارتباط بالديمقراطية يكون في الغالب عرضياً. ذلك أن طبيعة الأنظمة الديمقراطية –بل جوهرها- هو أنها توفر آليات سلمية لفض النزاعات. فكل صاحب أو راي أو موقفه مطلب له الحق في التعبير عن مواقفه، وتعبئة الآخرين حولها، ثم الاحتكام إلى الشارع (انتخابياً) او القضاء أو مؤسسات الدولة الأخرى. ولهذا لا يوجد مبرر في الديمقراطيات للعنف والنزاع. بل إن هناك نظرية لها ما يؤيدها من شواهد دامغة بأن الديمقراطيات لا تشن الحرب على بعضها البعض أبداً. وهذا يؤكد أن الديمقراطية ليست فقط وسيلة لتعزيز السلم الأهلي، بل الدولي كذلك.

ولو تأملنا في بعض لأمثلة التي يتم إيرادها كثيراً لدعم مقولة التلازم بين الديمقراطية والعنف، مثل العراق وأفغانستان، فإن الزعم بأن الديمقراطية هي سبب العنف فيهما مردود عليها بأكثر من وجه. فالصراعات المسلحة نشبت في تلك الدول كنتيجة للغزو الأجنبي، كما حدث في أفغانستان مع الغزو السوفيتي، أو نتيجة لقيام نظام دكتاتوري كما حدث في العراق، واستمرت بعد ذلك بصور أخرى. أما الزعم بأن الغزو الأمريكي للدولتين كان غزواً "ديمقراطياً" فهو من باب خداع النفس، إن لم يكن الضحك على العقول. فما حدث كان "انقلاباً عسكرياً" قامت به قوات أجنبية وتسلمت السلطة فيه بالحديد والنار، ثم أدارتها بالشراكة مع بعض من ارتضى التعاون معها. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية في بلد يشرف الجيش فيه على الأمن وكثير من القرارات السياسية، حتى لو كان الجيش وطنياً، فما بالك بجيش أجنبي؟

صحيح أن كثيراً من الصراعات تتفجر عندما تخف قبضة الدولة القاهرة على بلد معين، كما حدث مع انهيار الدولة اليوغسلافية، أو في الصومال مع سقوط سياد بري، والكونغو مع رحيل موبوتو. ولكن في الغالب –بل من المؤكد- أن جذور هذه الصراعات تعود إلى العهود الدكتاتورية وسياساتها. فالدكتاتورية لا تعيش إلا بتقسيم فئات الشعب وضرب بعضها ببعض حتى تطرح نفسها حكماً بين الأطراف. وليس أدل على ذلك مما وقع في الصومال، وهو يكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يعيش انسجاماً عرقياً ودينياً ومذهبياً ولغوياً، ولكن سياسات الدكتاتور السابق هي التي قسمت المواطنين، ثم جاء لوردات الحرب فأكملوا ما بدأ. ويمكن مقارنة تفجر الصراعات عند تصدع الدكتاتوريات بانهيار العملة في بلد معين مع تحرير الاقتصاد. فلا يمكن اعتبار انهيار سعر العملة نتيجة للتحرير، بل كشفاً للسعر الحقيقي لتلك العملة بعد انتهاء محاولات دعمها عند سعر لا يعكس قيمتها الحقيقية.

في بعض الأحيان، تلعب الدكتاتوريات دوراً "إيجابياً" في توحيد طوائف المجتمع، كما حدث في معظم دول الربيع العربي. فقد مارست الأنظمة في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والبحرين سياسات عمدت في الماضي إلى استمالة بعض فئات المجتمع (في الغالب الليبراليين والعلمانيين، مع إضافة بعض الإسلاميين في اليمن والبحرين) وإعلان الحرب على آخرين. ولكن بعد أن ظن هؤلاء أن انتصارهم على الخصوم أصبح كاملاً، انقلبوا على من ناصروهم وسقوهم من نفس الكأس. وقد أدى هذا بفئات المجتمع إلى أن تتصالح وتتوحد ضد الدكتاتور، مما مهد للثورات العربية.

ولكن ما أن سقطت الدكتاتوريات حتى عادت الانقسامات من جديد، وتفجرت الصراعات فيما يشبه تأكيداً لمقولات مايكل مان حول جانب الديمقراطية المظلم. ولكن ليست العبرة بالانقسامات، ولكن بطريقة التعامل معها.ففي معظم الدول التي شهدت سقوط الدكتاتوريات، بدءاً من دول جنوب اوروبا ثم دول أمريكا اللاتينية وكثير من دول افريقيا وآسيا، وأخيراً دول شرق أوروبا، تفجرت خلافات وصلت حد الصدام، كما في البرتغال واسبانيا والفلبين وبعض دول أمريكا اللاتنية. ولكن تم احتواء تلك الصراعات والتزام الجميع بالعملية الديمقراطية، مما حقق لتلك الدول الاستقرار والتقدم.

ويمكن أن نستخلص من هذا أن وحدة الشعب هي نقطة الانطلاق لأي ثورة ديمقراطية حقيقية. فلو فشل الشعب في توحيد صفوفه، فإنه حتى لو سقط النظام أو تداعى كما كان الحال في الصومال أو يوغسلافيا، فإن المحصلة ستكون حرباً أهلية. وفي البحرين مثلاً نجد المعارضة فشلت تجاوز الحاجز الطائفي، واحتفظت معظم الأحزاب بقاعدة طائفية. وقد برز الاستقطاب تحديداً بين القوى الإسلامية من سنية وشيعية، وهو استقطاب سبق التمايز الطائفي الذي نشهده اليوم في لبنان وسوريا والعراق، وكان مقدمة له. ومن عجب أن العناصر الليبرالية والعلمانية في الجانبين لم تلعب دور عامل التقريب، بل انحازت في الغالب إلى النظام.

بالمقابل لا يمكن اعتبار الحالة السورية نموذجاً للانقسام الطائفي، لأن الثورة السورية نجحت منذا البداية في إرسال رسالة واضحة بأنها ثورة ديمقراطية سلمية من أجل كل السوريين. ومن هذا المنطلق كسبت الثورة دعم العالم وجل العرب، رغم ما شاب مسيرتها من شوائب، ورغم دخول عناصر خارجية كثيرة إلى جانب هذا الطرف أو ذاك. أما ما يقع اليوم من صراع طائفي في سورية فهو صراع أطرافه خارجية في سبيلها إلى اندحار محتوم، وأجنداته خارجية فاشلة خائبة لا محالة.

ولكن ما نشهده في مصر وليبيا اليوم يحمل شارات إنذار خطيرة لن تكون سوريا بمنجاة من مثلها لو لم تحتط لذلك، حيث نشأت انقسامات جديدة حول المغانم، وتجددت صراعات قديمة حول المواقع والوجهات. وفي هذا السياق فإن ما تقوم به حركة تمرد وأنصارها من تحالف المعارضة الجديدة والنظام القديم سيدخل البلاد في نفق مظلم، لأن هذه المجموعات تدعو لإسقاط نظام ديمقراطي بالقوة، وهذه تعريفاً دعوة لإقامة نظام دكتاتوري. فالنظام لن يسقط لمجرد أن الآلاف تظاهروا في الشوارع، وإنما سيسقط إذا تدخل الجيش لإزاحته واعتقال رئيسه المنتخب كما حدث لألندي في تشيلي. وهذا بدوره لن يحدث ما لم يتفجر العنف ويتسع. وواهم عندها من يعتقد أن الجيش سيدعو إلى انتخابات ديمقراطية تضع من نظموا هذه المظاهرات في السلطة. والنتيجة ستكون مزيجاً من الصوملة والسيناريو الجزائري، وهي سيناريوهات حذرنا منها مراراً، ولكن للأسف لم يأخذ الكثيرون هذه التحذيرات على محمل الجد.

ولا بد أن نذكر هنا بأن التحالف بين بعض فصائل المعارضة وفلول النظام السابق ليس بجديد، لأن كثيراً من هؤلاء "المعارضين" جاءوا من داخل النظام أو كانوا من ضمن تحالفه "العلماني" المناهض للإسلاميين. والرسالة التي يرسلها هؤلاء حين يتحدثون عن "حكم الإخوان" أو يقومون بحرق مقار الجماعة رسالة خطيرة. فهؤلاء الساسة عندما كانوا في الحكم كان الإسلاميون في السجون ومنظماتهم محظورة. ولكن الإخوان اليوم تحرق مقارهم ويهاجمون وهم في السلطة، فما ذا يا ترى سيفعل هؤلاء لو تمكنوا من السلطة مرة أخرى؟ وهذه الرسالة ستدفع بالإسلاميين إلى الاستماتة دفاعاً عن الوضع القائم، وهذا تحديداً السيناريو الذي يؤدي في مثل هذه الأحوال إلى عنف لا سقف له، مما يهدد بانهيار الدولة.

هناك كما كررنا مسؤولية على الإسلاميين عموماً وقيادة الإخوان ومرسي خصوصاً في تدهور الأوضاع وإضاعة فرص الحلول التوافقية. ولكن ربما تكون إحدى الآثار غير المحسوبة للتطورات القادمة فرض تغيير طال انتظاره في قيادة وهيكلية جماعة الإخوان كما حدث لجبهة الإنقاذ في الجزائر بعد اعتقال عباسي ومدني وعلي بلحاج عام 1991، فتمكنت قيادة جديدة بقيادة عبدالقادر حشاني من قيادة التنظيم إلى انتصاره الكاسح في انتخابات ذلك العام، ثم كان ما كان.

مصر اليوم دخلت في نفق مظلم، وهي تعانق المجهول لأن كل صيغة مطروحة لا تجد القبول من طوائف مهمة من الشعب. ويؤسفنا أن نقول أننا ظللنا لأكثر من عقد من الزمان نسعى لإقناع القيادات الإسلامية في مصر وغيرها بالتحسب لمطالب الديمقراطية والتواؤم معه حتى لا يحدث ما حدث اليوم، ولكن كانت هناك آذان صم. ومالم تأخذ الرئاسة في مصر زمام المبادرة وتدعو إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية عاجلة، فإن صوملة مصر ستتحول إلى واقع.
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]