Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

وصلتني وأنا في الخرطوم في أوائل أغسطس الماضي دعوة من الصديق العزيز بروفيسور محمود ممداني للمشاركة في حلقة دراسية تعقد في آخر أغسطس في أديس أبابا. كان موضوع الحلقة مزدوجاً: مناقشة التحديات التي تواجه السودان بين يدي الانتخابات واستفتاء تقرير المصير، ثم مناقشة الدور الذي يمكن أن يلعبه المفكرون والأكاديميون الأفارقة في مواجهة هذه التحديات التي تعتبر أكبر ما يواجه القارة الافريقية بتهديد مستقبل أكبر أقطارها.

 (2)

بالطبع ما كان ينبغي لمثلنا أن نتخلف عن مثل هذا لللقاء الذي دعت له الجمعية الافريقية لتشجيع البحوث في مجال علم الاجتماع ("كوديسريا")، أحدى أكبر وأعرق الجمعيات العملية في القارة، وإلا صدق علينا المثل فيمن خذل الجيران الذين فزعوا لنجدته. ولكن كانت هناك مشاكل لوجستية تتعلق بموعد سفري إلى لندن ثم العودة مجدداً لأديس أبابا وما يتبع ذلك من تعقيدات، فتقدمت باقتراح بأن أؤجل سفري أسبوعاً على أن تعقد الندوة في الخرطوم.

  (3)

رحب محمود ورفاقه بالاقتراح، ورأوا من المنطق أن يكون السودان هو موقع هذه الندوة التفاكرية حول مشاكله، خاصة وأن عدداً من الأكاديميين السودانيين كانوا قد دعوا إليها. ولكنه عاد بعد أيام ليقول لي أن عدداً من المشاركين السودانيين اعترضوا على عقد الندوة في الخرطوم بحجة أن حرية الفكر والنقاش لن تكون متاحة. 

(4)

استغربت هذا الاعتراض، خاصة وأنني كنت أرى خرطوم ما بعد نيفاشا تضج بالنقاش والجدال حول كل شيء تحت الشمس، ولم أر ما يعوق ندوة من هذا النوع يجب أن تكون محل ترحيب الحكومة قبل غيرها. ولكن حتى نتأكد استفسرنا بعض المسؤولين فأبلغونا ترحيبهم. إلا أن معارضة المعترضين استمرت فتقرر تأجيل الأمر وإرسال بعثة تقصي حقائق من "كوديسريا" للتفاكر مع الأكاديميين والمثقفين السودانيين بمختلف أطيافهم.

(5)

بعد جهد جهيد وعناء في تحصيل التأشيرات للوفد، وكدح آخر في مغالبة مشاكل خطوط الطيران، تمت الزيارة وانعقدت المشاروات على جولتين، الأولى تمهيدية أجراها ممداني بحضوري، قبل أن يلتحق بنا بعد أسبوع رئيس "كوديسريا" وسكرتيرها التنفيذي. وكانت قضية حرية النقاش المتاح في الخرطوم حاضرة في معظم المداولات.

(6)

بعد زيارة ممداني الأولى طلب اتحاد الكتاب السودانيين استضافة الرجل في ندوة لمناقشة كتابه الأخير حول دارفور الذي أثار ضجة لم تهدأ بعد. وقد رحب الرجل بالفكرة، وتم تحديد الموعد والمكان وإشهار اللقاء. وكما هو متوقع فإن الحدث جذب اهتمام النخبة المفكرة في الخرطوم لما لممداني من مكانة عالمية كمفكر افريقي بارز وأكاديمي ممن يشار إليهم بالبنان.

(7)

تخيلوا دهشتي إذن حين تلقيت اتصالاً من الخرطوم –وكنت قد غادرت حينها عائداً إلى لندن- يبلغني بأن جهات أمنية منعت عقد الندوة التي كان من المقرر أن تعقد في قاعة الشارقة في جامعة الخرطوم وردت روادها على أعقابهم. وهكذا أثبتت السلطات على طريقة البيان بالعمل صحة اعتراض المعترضين على عقد اللقاءات المقترحة بالخرطوم، وألقمتني وممداني أحجاراً كثيرة.

(8)

كنت قبل ذلك قد شهدت واقعة سريالية مماثلة قامت فيها جهات أمنية بمنع عقد ندوة لإشهار كتاب أعد في رثاء أديبنا الراحل الطيب صالح، وفي نفس تلك القاعة. وعجبت كيف أصبحت جامعة الخرطوم منارة العلم تحت قبضة فئة من أنصاف الأميين يحددون فيها ما يصلح للنقاش وما لا يصلح، وتذكرت كيف كان الإسلاميون قبل غيرهم هم من رفعوا شعار "جامعة حرة أو لا جامعة". وقد علق أحد مؤيدي الحكم حين بلغه نبأ تلك الواقعة قائلاً: إن من فعلوا هذا هم طابور خامس بلا شك، يريدون تشويه سمعة الحكومة.

(9)

ما حدث من منع ندوة ممداني لم يكن إذن حادثاً معزولاً، بل هو جزء من سياسة قائمة تعطي الولاية للحمقى والجهلة على أهل العلم والفكر. وإذا كان البعض يرى أن بعض مراكز القوى في الأجهزة الأمنية تتعمد إثارة المشاكل للنظام بعد الإطاحة بكبيرهم الذي لم يعلمهم شيئاً وكان هو عاطلاً عن العلم، فإنني أرى أن المشكلة أعمق من ذلك. وإن كنا أعلنا في الماضي يأسنا من صلاح هذا النظام فلأننا اقتنعنا بعد طول مكابدة أن النظام ما هو من في مجمله سوى طابور خامس كبير، أو بحسب تعبير مسؤول إقليمي اجتهد في مساعدة القوم فكانوا يخذلونه عند كل منعرج: إن القوم هم أعدى أعداء أنفسهم.

(10)

 كنت قد علقت عندما سمعت قبل نحو عامين بخبر احتجاز الأجهزة الأمنية الأمريكية للبروفيسور على مزروعي في مطار ميامي واستجوابه لثمان ساعت بالقول بأن جهاز مخابرات لا يعرف من هو مزورعي ينبغي أن يحل فوراً. وبنفس القدر فإن أي جهة تجهل مقام ممداني ومساهماته الفكرية لا تستحق أن توجد على سطح البسيطة، ناهيك أن تكون في مقام الوصي على الفكر والعلم والعلماء.

(11)

أيما أمة بلغ بها الهوان والانحطاط أن أصبح الجهال فيها قوامين على العلماء فبشرها بهلاك قريب. وأيما بلد أصبح هذا حاله فإن الهجرة منه تصبح واجباً دينياً على العلماء.

(12)

المفارقة لا تقف عند هذا الحد. الندوة التي حظرتها السلطات الأمنية لإشهار كتاب رثاء الطيب صالح عقدت بعد أيام قليلة في العاصمة السودانية بدون إذن تلك الأجهزة، وقد كنت من بين شهودها وسط جمع غفير ضم أحد وزراء الحكومة. وإذا كانت هناك أجهزة مخابرات كثيرة تتميز بالحماقة والغباء، إلا أن غالبها لا تنقصها الفعالية. أما أصحابنا هؤلاء فهم يفتقدون الفعالية كذلك، إذ ما فائدة حظر ندوة لا يؤدي إلى حظرها؟