عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

خلال الأيام القليلة الماضية طغت على عناوين الأخبار الصادرة من العالم الإسلامي أخبار توشك أن تكون خبراً واحداً لولا تنوع مصادرها الجغرافية. ففي الشهر الماضي كانت ولاية باوشي في شمال نيجيريا مسرحاً لاشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والشرطة ومجموعة تطلق على نفسها اسم "بوكو حرام" (التربية المحرمة). وقد انتشرت المعارك التي زعمت الشرطة أنها اندلعت بعد هجوم للمجموعة على مركز للشركة لنهب أسلحة إلى ولايات شمالية أخرى منها كانو وبرنو، قبل أن تنتهي بمقتل زعيم المجموعة محمد يوسف، إضافة إلى مئات آخرين من أنصار الحركة والقوات الحكومية والمدنيين. وقد تبادل الجيش والشرطة اتهامات حول المسؤولية عن مقتل يوسف بعد ساعات بعد اعتقاله، حيث نشرت له صورة وهو مقيد اليدين. وكانت جماعة "بوكو حرام" 2004، وهي جماعة تدعو إلى إنشاء إمارة إسلامية في نيجيريا وتحارب كل مظاهر الحداثة والتغريب، قد دخلت في صدامات على نطاق محدود مع قوات الأمن في عام.

في الصومال ترددت أنباء عن الصدامات المتكررة بين جماعة الشباب الإسلامي والحزب الإسلامي من جهة، وبين أنصار الحكومة الصومالية برئاسة شيخ شريف شيخ أحمد، ومن بينهم حركة السنة والجماعة الموالية لشيخ شريف. وهنا أيضاً يدور نزاع حول تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث أكدت الحكومة الصومالية نيتها تطبيق الشريعة، ولكن حركة الشباب الإسلامي وحلفائها يعبرون عن عدم اقتناع بهذا المسعى، ويزايدون على حلفائهم السابقين في هذه المسألة. والمعروف أيضاً أن باوشي وعدداً كبيراً من الولايات في شمال نيجيريا قد شرعت في تطبيق الشريعة منذ أكثر من عقد من الزمان.

في باكستان أيضاً يستمر الصراع بين الحكومة وطالبان باكستان بعد نزاع حول تطبيق الشريعة الإسلامية في منطقة وادي سوات وبعض مناطق القبائل. ويعتبر هذا الصراع امتداداً للصراع الدائر في أفغانستان بين حركة طالبان وقوى الاحتلال الأجنبي وأنصار الاحتلال المحليين. وفي اليمن، اشتعل الصراع مجدداً بين قوات الجيش اليمني وجماعة الحوثيين، وهي جماعة زيدية متشددة تدعو إلى تطبيق مبادئ العقيدة الزيدية في الحكم الإسلامي، وقد ظل أتباعها في تزايد مستمر في الأتباع والقوة، رغم أن هذه الحرب السادسة التي شنتها ضدها القوات الحكومية.

في السودان ما تزال محاكمة المجموعة التي قتلت دبلوماسياً أمريكياً وسائقه السوداني في ليلة رأس السنة الميلادية من العام الماضي جارية، حيث قررت المحكمة إلغاء حكم الإعدام بعد أن تنازلت عائلة السائق عن حقها في القصاص. وتعتبر المجموعة الجهادية السلفية التي استهدفت الدبلوماسي الأمريكي أثناء عودته إلى منزله من احتفالات رأس السنة (وكانت تعمل وحدها على ما يبدو) جزءاً من تيار سلفي جهادي عريض لا ينتظم في تنظيم واحد، ولكنه يتزايد في العضوية والنشاط. وقد قبضت سلطات الأمن على مجموعة من الشباب العام الماضي بعد أن انفجرت عبوة ناسفة كانوا يقومون بتحضيرها. وفي وقت سابق هذا العام قتل أكاديمي تتهمه السلطات الأمنية بدعم التيار الجهادي السلفي في حادث سير اكتنفه غموض واتهامات من ذويه بأنه تعرض للقتل.

وقد انضم إلى هذه البانوراما خلال اليومين الماضيين الصراع الذي تفجر في رفح جنوب غزة بين سلطة حماس من جهة وحركة جند أنصارالله التي يتزعمها الشيخ عبد اللطيف موسى (الملقب أبو النور المقدسي)  ذات التوجه السلفي، وأدى إلى مقتل 28 شخصا بينهم موسى ومساعده أبو عبدالله السوري وإصابة حوالي 130 آخرين. وكان موسى قد أعلن في رفح إقامة إمارة إسلامية في غزة لقيادة الجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية. وتمثل الحركة التي قادها موسى "المقدسي" جزءاً من تيار يتنامى في غزة، وتمثله جماعات كثيرة لا تتبع قيادة ولا هيكلية تنظيمية موحدة، ولكنها تعبر عن فكر يقترب من الفكر السلفي، وتتهم حماس بالتهاون في تطبيق الشريعة الإسلامية التي تراها أولوية حتى على الجهاد، الذي تتهم حماس بالتهاون فيه أيضاً.

من الواضح إذن أننا هنا أمام ظاهرة لا يمكن التهوين من شأنها. فهناك بالقطع توجه متزايد من قبل الشباب نحو اعتناق الفكر السلفي الجهادي على حساب الانتماء للحركات الإسلامية الحديثة. ويتميز الفكر الذي تجنح نحوه هذه المجموعات بتوجه نحو رفض الحداثة في كل صورها: في اللباس واللغة وظواهر أخرى. ففي نيجيريا، نجد أن شباب "بوكو حرام" يرفض التعليم الحديث. وفي الصومال قامت مجموعة الشباب الإسلامي مؤخراً بانتزاع الأسنان المعدنية من أفواه الصوماليين بدعوى أنها تخالف الشريعة، بينما اتهمهم خصومهم بأن غرضهم كان النهب. وفي باكستان وأفغانستان حرم الطالبان تعليم الفتيات ودمروا مدارسهن. وفي فلسطين والسودان اتهم المتشددون الحكومات بالتهاون في تطبيق الشريعة الإسلامية وعقد صفقات مذلة مع القوى الدولية.

وهناك ظاهرة أخرى مهمة، وهي أن هذه الحركات تنشأ على هامش ويمين الحركات الإسلامية الحديثة، وغالباً في بلاد تكون فيها السلطة لقوى إسلامية. فحركة طالبان نشأت في أفغانستان بعد تولي قيادات المجاهدين للسلطة. وفي كل من السودان ونيجيريا وغزة قامت هذه الحركات في ظل وضع تولت فيه الحركات الإسلامية السلطة أو أعلنت تطبيق الشريعة. وفي اليمن نشأت حركة الحوثي في بلد تقليدي ما يزال للشريعة الإسلامية فيه وضع متميز، وفي ظل حكومة متحالفة مع الإسلاميين. وقد كانت الحكومة هي التي أنشأت في وقت ما مجموعة الشباب المؤمن التي انبثقت منها حركة الحوثيين.

هذه التيارات تمثل إذن حركة نقدية تجاه الحركات الإسلامية الحديثة وشبه الحديثة بكل تجلياتها، وتتهم هذه الحركات بالإخفاق في تطبيق مبادئ الشريعة. وفوق ذلك تمثل تنكراً لأهم مركب من مركبات الحركات الإسلامية التي نشأت على يد أمثال الشيخ حسن البنا والسيد أبو الأعلى المودودي ومن سار على سنتها. ذلك أن تلك الحركات تستصحب الحداثة إما نقداً أو تقبلاً مشروطاً، وتعتبر جزءاً من عملية تحديث المجتمعات الإسلامية مع المحافظة على هويتها الإسلامية. أما هذه الحركات الجديدة فإنها ترفض الحداثة جملة وتفصيلاً، وتصر على العيش خارجها على مذهب أهل الكهف. ولكنها مع ذلك تتعامل مع تقنيات الحداثة، خاصة في مجالات التسلح والاتصالات والتخطيط العسكري.

وقد كان ثار جدل في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا حول منشأ القاعدة ومنبع فكرها. وقد رأى كثير من المحللين الغربيين وغيرهم أن نشأة القاعدة جاءت من تزاوج الفكر السلفي الوهابي (أسامة بن لادن) والفكر الإسلامي الحديث كما تبلور عند الإخوان المسلمين عامة وسيد قطب خاصة (أيمن الظواهري). ولكن كثيراً من السياسيين والعلماء السعوديين رفضوا هذا التحليل، واتهموا الأثر الإخواني بأنه كان المسؤول وحده عن تحول بن لادن وأتباعه إلى خط المواجهة المسلحة مع السعودية وحلفائها. من جهتهم فإن بعض منظري الإخوان نفوا عن أنفسهم هذه التهمة وأشاروا إلى الفكر السلفي نفسه، وتجلياته الثورية، سواءً في أصله أيام ابن عبدالوهاب وبن سعود، أو في أيام عبدالعزيز وحركات الإخوان، أو في حركة جهيمان العتيبي عام 1979، وكلها أمور سبقت نشأة الإخوان المسلمين أو قامت بمعزل عنهم.

هناك جدل آخر ثار في أعقاب نشأة الحركات الإسلامية الجهادية في مصر في السبعينات، حيث كان الخط الرسمي المصري لأيديولوجيي النظام ومؤسسته الأمنية الادعاء بأن كل الحركات الجهادية قد "خرجت من عباءة الإخوان". ومحصلة هذا الرأي هو أن الإخوان هم المشكلة وأصل البلاء. ولكن مزيداً من التأمل يظهر أن هذه الحركات خرجت بمعزل من الإخوان من جهة، وكرد فعل على غيابهم أولاً، ثم ضد سياساتهم ومواقفهم ثانياً. فتاريخ الجماعات الإسلامية يكشف أن هذه الحركات نشأت بمبادرات مستقلة وفي غياب قيادات الإخوان في السجون أو المنافي. وقد كان يحركها غضب على النظام المصري بسبب اضطهاده للإخوان، مما عزز التوجه نحو العنف عند هذه الفئات بدافع الانتقام الإسلاميين المضطهدين، أو الاحتراز ضد ما وقع لهم. ولكن عندما خرج الإخوان من السجن، تباينت مواقف الجماعات الجديدة منهم، حيث قبل بعضهم أن "يدخل في عباءة الإخوان" التي لم تكن له صلة بها من قبل، بينما عبر آخرون عن خيبة أمل عميقة في موقف الإخوان المهادن للنظام.

ولا بد من تذكر أن هذه الحركات نشأت في عصر الطفرة النفطية، وعلى خلفية هجرة مئات الآلاف من المصريين وغيرهم من أقاصي ريف البلدان العربية إلى المملكة العربية السعودية، وتشبعهم بالفكر السلفي الذي أصبح جاهزاً للتصدير وقتها. فقد انتشرت كتب ابن القيم وابن تيمية في كافة أرجاء الوطن العربي، وتسنى لمنظرين من أمثال عبدالسلام فرج صاحب كتاب "الفريضة الغائبة" لاستخراج نظريتهم في الجهاد المستمر بالرجوع مباشرة إلى ابن تيمية بدون الحاجة إلى وساطة قطب والمودودي.

ومن الواضح أن هذا الفكر الجديد-القديم قد أصبحت له جاذبية خاصة لدى الشباب، حتى المتعلم منهم، وذلك لبساطة أطروحاته في مقابل الأطروحات المعقدة للحركات الإسلامية الحديثة. ولكن إخفاقات الحركات الإسلامية الحديثة ووصولها إلى ما يبدو انه طريق مسدود كان أيضاً عاملاً مهماً في صعود هذه التيارات الجديدة. في السودان على سبيل المثال، فإن المشاكل التي اعترت النموذج الإسلامي، وما شاب التجربة من صراعات وانشقاقات واتهامات بالفساد والقهر وغير ذلك، دفع بكثير من الشباب إلى التوجه نحو الفكر السلفي، وهذا بدوره قرب الشباب من الحركات الجهادية. ففي إحدى جولات الانتخابات في إحدى الجامعات السودانية قبل فترة لم تطل، حازت القائمة التي تمثل التيار السلفي على نسبة من الأصوات تعادل مرة ونصف ما حاز عليه كل من طلاب المؤتمر الموالين للحكومة وخصومهم من أتباع الشيخ الترابي. وهناك العشرات من الشباب ممن اتجهوا للانضمام للحركات الجهادية في الصومال أو العراق، أو هم مشغولون بخيارات محلية من نفس النوع.

هناك إذن حاجة لكثير من التأمل في الظروف التي أدت إلى نشأة هذه الحركات والتيارات المتكاثرة عدداً وأتباعاً، وفي ظروف مختلفة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، وفي ظل فشل متزايد من قبل الحركات الإسلامية الحديثة في استيعاب وإلهام هذه الطاقات الشبابية الطامحة إلى التمسك بمبادئ الإسلام وقيمه، ولكنها تضل طريقها إلى الكهوف الحقيقية والمجازية في غياب فكر وعمل إسلامي يمتلك الوضوح والفعالية والإقناع.