عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 إذ ينسرب القارب في هدوء مخترقاً أمواج النيل الذي غدا في هذه البقعة بحراً بعيد الغور، نائي الضفتين، فإن أول ما يفجأ المشاهد هو منظرجرائد النخل وهي تعانق الموج المتلاطم بارزة فوق سطح الماء، وقد جفت تماماً. لقد ماتت أشجار النخيل... غرقاً! على طول المسافة التي كانت تشكل في الماضي ضفتي النهر وأصبحت الآن وسطه، تترامي غابات النخيل، مد البصر، صفاً بعد صف، وكلها غارقة إلى نصفها في الماء. ملايين الأشجار ما تزال معظمها خضراء، قد أثمرت للمرة الثانية، فشجرة النخيل شجرة مقاتلة صلبة المراس، لا تستسلم بسهولة. ولكن الأشجار الأقصر التي لا يرى على سطح الماء إلا أوراقها، قد جفت تماماً. حين غمرت المياه هذه البساتين عند إغلاق بوابات سد مروي في شمال السودان في يوليو من العام الماضي كانت كل الأشجار تنوء برطب جني أينع وحان قطافه. وقد أقبل المزارعون في لهفة يسابقون الطوفان لحصاد ثمارهم. ولكن حظهم من بقية المحاصيل من خضروات وحبوب وفواكه كان صفراً، فقد غمرتها المياه بدون إنذار، وفي عجلة لم تترك فرصة لاستنقاذ عود ذرة أو حزمة خضار. وتكرر نفس المشهد الأسبوع الماضي حينما قرر القائمون على السد رفع معدله بعدة أمتار دون إنذار ودون مبرر معقول، فأفسدت مرة أخرى محاصيل زرعت في الأماكن التي تراجعت عنها مياه السد خلال الأشهر الماضية. كل مواطن يذكر التاريخ، واليوم والساعة الدقيقة التي وصل فيها الطوفان إلى حقله ثم إلى بيته. كثيرون يذكرون الصدمة التي كادت تفقد البعض صوابهم وهم يشاهدون خلاصة كدح عمر وتراكم تراث أجيال تبتلعها الأمواج خلال لحظات. الكل كان يعرف أن هذا سيحدث، وطفق يتحسب له لأعوام. ولكن هذا لم يخفف إلا قليلاً من وقع الصدمة وهولها.  أحدهم حدثنا عن بساتين الفواكه التي غرقت أمام عينيه وأسرته، وعن بيته ذي الواحد عشرين غرفة الذي ذاب كفص ملح في المياه (ثم أومأ إلى كوخ الجريد الذي أصبح مسكنه الآن). حدثنا أيضاً عن كاميرا القناة الفضائية التي سجلت ما حدث لحظة بلحظة، ثم لم تبث لقطة واحدة مما سجلت. منكوب آخر قال لنا إن أكثر ما أثر فيه مشهد طفلته ذات الخمس سنوات التي رآها تدفع بيديها الماء المتسرب إلى المنزل وهي تناشد النهر أن يعود من حيث أتي ولا يهدم منزلهم، وذلك قبل أن يكتشف الكبار موقعها ذاك فيهرعون لإنقاذها قبل أن تتحول إلى ضحية من ضحايا النهر الأصم مثل من كانوا السبب في إرساله إلى حيث كانت الطفلة. لقد كانت معجزة أن شخصاً واجداً لم يمت بسبب هذا الطوفان، ولكن المعجزة الأخرى هي ما حدث بعد ذلك.   كانت أيسر طريقة في الماضي للوصول إلى منطقة المناصير هي استقلال القطار الذي يسافر من الخرطوم إلى مدينة الكاب، أهم مدن المنطقة وأدنى مناطق دار المناصير. ولكن القطار توقف منذ سنوات طويلة عن قطع تلك الرحلة الطويلة الشاقة التي كانت مع ذلك شريان الحياة بالنسبة للمنطقة وما وراءها. فقد انهارت مؤسسة السكة الحديد ولم تعد قادرة على أداء أبسط المهام التي كانت تقوم بها في الماضي. وعليه كان أيسر الطرق بعد ذلك هو السفر لمدة خمس ساعات بالسيارة شمالاً، ثم عبور النهر عند بلدة الشريك. بعد ذلك يعبر المرء الصحراء ليلتقي بالنهر مرة أخرى بعد المنحنى الذي يعود فيه جنوباً لعشرات الأميال قبل أن يقرر التوجه شمالاً مرة أخرى. يحتاج عبور المسافة بين المجريين إلى قرابة الثلاث ساعات من سير المجد في أرض صخرية قاحلة لمثلها ابتدع العرب أسماء مثل "قفار" و "مهامه" و "فيافي" و "بيد".  وقطعها يمثل، فوق مشقته، مجازفة كبيرة لولا العلامات المتباعدة التي وضعها أهالي المنطقة لتدل على أفضل طريق للعبور، وهي علامات تجتاج بدورها لخبير لمعرفة مكانها. حين بلغنا بغيتنا اضطررنا لصعود عقبة جبلية وعرة حتى نصل إلى النهر، لأن المياه كانت قد غمرت الطرق الأقرب. وقد أخبرنا السائق إنه قد قضى قبل حوالي أسبوع الليل بطوله وهو يحاول إيجاد هذا المدخل دون نجاج، ولهذا فهو لا يقود السيارة ليلاً أبداً في هذه المنطقة. وكانت في انتظارنا مفاجأة أخرى حين وصلنا مقر إقامتنا، لأن الماء كان ارتفع عدة أمتار في الأيام القليلة السابقة بحيث أحاط بالمنزل من ثلاث جهات. وهكذا بضربة واحدة تحولت قرية كبنة إلى شبيهة لمدنية البندقية تصبح القوارب هي الطريق الأيسر (وفي أحيان كثيرة الأوحد)  للانتقال في داخلها بين المنازل أو إلى أماكن مثل المسجد والمدرسة. المسجد لن يصمد كثيراً على كل حال، فقد بلغته المياه. المدارس كذلك ذهب بعضها، وقد وجدنا ناظر مدرسة البنين الثانوية يسابق الزمن لإنهاء امتحانات الشهادة الثانوية المفترض أن تختتم اليوم الثلاثاء. أما مدرسة البنات فقد اختفت، وانعقد الامتحان لهن في مبنى مؤقت أعد على عجل من الزنك والصفيح. ولم يكن المركز الصحي أحسن حظاً حيث شاهدناه وقد زحفت المياه حتى كادت تبلغ النوافذ، رغم أنه كان قبل أيام يبعد قرابة عشرة أمتار عن ضفة النهر.  الزيادة الأخيرة في منسوب النهر جعلت الغضب المكتوم في نفوس أهالي المنطقة يتفجر وينذر بمالا يحمد عقباه. فهناك اقتناع عند الكل تقريباً بأن إدارة السد تعمدت إتلاف محاصيلهم وما زالت تسعى لتهجيرهم رغم الوعد القاطع من الرئيس في يناير الماضي بالاستجابة لمطالبهم وتقديم المعونات العاجلة للمنكوبين. فقد صرح الرئيس في خطابه بأنه شاهد من طائرته آثار النكبة التي ألمت بالمنطقة، وأعلن عن تخصيص مبلغ من المال لتقديم المعونة العاجلة للمتضررين. ولكن يبدو أن مفهوم الإدارات الحكومية المعنية للعجلة هو غير مفهوم بقية البشر، حيث لا يزال الأمر على حاله بالنسبة للمنكوبين بعد أكثر من ثمانية أشهر من النكبة، وبعد أكثر من شهرين من الوعد الرسمي على أعلى المستويات بإصلاح الأمر. ولهذا بدأت الشكوك تساور الكثيرين عن احتمال تحقق ما وعدوا به. لحسن الحظ فإن حكمة قيادة المتضررين قد نجحت حتى الآن في تحويل غضب المتأثرين في قنوات بناءة، مما ساعد في تحويل جهودهم بعيداً عن أي نشاط مدمر. ففي هذه المنطقة يخفى الجمال المأساوي لعناق النيل والصحراء، وللمياه التي تصنع الحياة وتدمرها، واحدة من أكبر المآسي الإنسانية غير المعروفة في العالم. فخلال ساعات فقدت حوالي عشرين ألف أسرة كل مصادر دخلها من نخل وزراعة، وأصبح أكثر من ثمانين بالمائة من السكان عاطلين عن العمل. وقد بلغت المأساة حداً أنه حين كانت اللجان المحلية توزع إعانات من الحبوب على الأسر المتأثرة، كان الكثيرون لا يجدون ما يكفي لطحن نصيبهم من الحبوب في المطحنة، ناهيك عن الحصول على الإدام. أحد المزارعين ممن يعتبرون أفضل حظاً أخبرنا أنه يعول أسرة من أحد عشر فرداً، منهم طلاب في الجامعة، ولكنه لا يملك أي مصدر دخل. وقد حاول أن يصطاد شيئاً من الأسماك (وهي حرفة لجأ إليها كثيرون) وأخذها لبيعها في مدينة كريمة فلم يجد من يشتري منه ما اصطاد، فعاد أدراجه دون أن يسترد حتى تكلفهة الانتقال من وإلى كريمة.  قلنا من قبل أن هناك معجزة أخرى شهدتها المنطقة غير الحفاظ على الحياة، وهي معجزة التضامن وتحويل طاقات الشباب إلى قنوات بناءة بدلاً من العنف والتدمير. وقد كان أروع مشهد في هذا الصدد هو ما شهدته جزيرة ومنطقة برتي، أول منطقة غمرتها المياه في يوليو الماضي. وتشمل منطقة برتي تسعة مجالس إدارية من المجالس الإدراية الثلاثة والثلاثين في منطقة المناصير التي استنفرت بكاملها لإنقاذ المنكوبين. وكان كل مجلس من المجالس يرسل بالقوارب مجموعة من المتطوعين تعمل لمدة أربعة وعشرين ساعة بغير انقطاع في جهود الإنقاذ ثم تعود في اليوم التالي لتحل محلها مجموعة أخرى. وقد ظل هذا الجهد مستمراً لشهر كامل حتى تم إنقاذ قرابة ثلاثة آلاف أسرة كانت الدفعة الاولى من المتضررين. وقد شمل الجهد إنقاذ ممتلكات الأسر من أثاث وأواني وما يمكن نقلة من أجزاء المبني، ثم إقامة مساكن مؤقتة للمتضررين في مناطق آمنة. وقد تم كل هذا بجهد شعبي محلي خالص دون أدني مساعدة حكومية، بل وبكثير من التعويق حيث أن السلطات منعت على سبيل المثال وصول الخيام لإيواء المتضررين. حين زرنا برتي في ختام جولتنا الأخيرة، كان فيضان الأسبوع السابق قد هدم للمرة الرابعة المنازل التي بناها المواطنون خلال الثماني أشهر الماضية. فقد كانوا ابتنوا لأنفسهم مساكن في منطقة ظنوها آمنة فغمرتها المياه، ثم أعاوا بناءها فغمرت، ثم أعادو بناءها فغمرت، ثم هاهم يتسعدون للتهجير للمرة الرابعة. أحد قيادات المنطقة تساءل أمامنا غاضباً: "إننا على استعداد للبدء من نقطة الصفر. كل ما نريد أن نعلمه أين هو الصفر حتى نبدأ منه. فكلما تخيلنا أننا بلغنا الصفر، نجد أنفسنا دونه بمراحل!" إدارة السد تتعامل مع المعلومات حول منسوب المياه في منطقة بحيرة السد على أنه أسرار عسكرية، وترفض أن تفضي للمواطنين بالمعلومات التي يحتاجونها حول المناطق الآمنة التي يمكن أن يأووا إليها. في أي بلد متحضر للقانون فيه سلطان، كان من الممكن أن يلجأ السكان للقضاء للحصول على هذه المعلومات، وأيضاً للحصول على تعويضات من إدارة السد جراء ما أصابهم من أضرار مادية ونفسية. في أي بلد متحضر فإن من فقدوا مصدر رزقهم يستحقون ويتلقون من الدولة إعانة شهرية تحفظ أودهم حتى يجدوا عملاً يرتزقون منه. وهذا حق ثابت حتى لو لم تكن الدولة هي التي تسببت عمداً في تدمير مصادر رزق المتضررين. وبحسب ما شاهدناه فإن الكارثة الإنسانية هناك ماثلة لا تحتمل التلكؤ في التصدي لها. فقد دمرت معظم المراكز الصحية في وقت يهدد فيه خطر تلوث المياه بكوارث ضخمة، بينما فقدت المدارس ولم يبق على بداية العام الدراسي سوى شهرين. وغالبية المواطنين لا يجدون قوت يومهم، بل إن الحيوانات هنا ليست أحسن حظاً من البشر. فقد نفقت قرابة ستين في المائة من الأغنام والمواشي والدواب بسبب فقدان العلف، وهذا بدوره يعني فقدان الحليب بالنسبة للأطفال. وهذا يعقد الأزمة وينذر بانتشار سوء التغذية في منطقة كانت تعاني الفقر أصلاً. ولا شك أن موت الحيوانات جوعاً يمثل قسوة غير مشروعة في حق الحيوان، حتى لو تركنا جانباً الضرر الناتج على الإنسان، فقد دخلت امرأة النار لأنها تسببت في تجويع هرة. وقد كان مواطنو المنطقة يتحدثون بغضب أشد حين يتطرقون إلى معاناة الحيوان منهم حين يتحدثون عن معاناتهم كبشر. هناك إذن حاجة إلى تحرك حكومي عاجل لتقديم معونات مالية مستعجلة لكل أسر المنطقة، إضافة إلى إمدادات من الحليب والمواد الغذائية الضرورية والعلف. ولا بد من برنامج فوري لإعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس التي تهدمت خلال الأسابيع القليلة القادمة، وهو أمر لا يحتمل التسويف ولا المماطلات الإدارية. هناك فوق ذلك قرابة الألف من الطلبة الجامعيين من أبناء المنطقة لم تعد أسرهم قادرة على دفع مصاريف الدراسة أو تقديم الدعم المالي المعتاد لمثلهم، مما يتطلب من الدولة تحركاً عاجلاً على أعلى المستويات لمعالجة مشكلتهم. لقد استبشر مواطنو المنطقة خيراً حين ما أعلن الرئيس في لقائه الشهير في منطقة الطوينة في يناير الماضي الاستجابة لمطالبهم العادلة وتقديم الدعم العاجل للمنكوبين. ولكن خلال زيارتنا هذه كان أعضاء لجنة المتأثرين يواجهون انتقادات غاضبة أحياناً وساخرة أحياناً أخرى من المتأثرين في شكل اتهامات بأنهم باعوا القضية وتعجلوا في تأييد الرئيس والإشادة بقراراته دون أن يؤثر هذا في حال المنكوبين. وهناك خياران لا ثالث لهما (إلا تفجر العنف والصراع) على الحكومة أن تفاضل بينهما. إما أن تقوم وبدون تسويف بتقديم العون العاجل الذي يحتاجه المتأثرون، وإما أن تسمح للمنظمات والجهات الدولية بتقديم العون العاجل المطلوب.