(1)

 في إحدى زياراته لتركيا أشاد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأصغر بتركيا باعتبارها دولة إسلامية اختارت الديمقراطية، فصححه رئيس تركيا آنذاك نجدت سيزار قائلاً إن تركيا دولة علمانية وليست إسلامية.

 (2)

 في زيارته هذا الأسبوع اختار الرئيس الجديد باراك أوباما كلماته بعناية، حين قارن بين تركيا كدولة ذات أغلبية مسلمة مقابل أمريكا ذات الأغلبية المسيحية، مشيداً باختيار الدولتين ألا يركزا على هويتهما الدينية. ولكن هنا فارق مهم بين دولة تعتز بتراثها المسيحي في تسامح مع بقية الطوائف، وبين دولة مشكلتها الأساسية هي مع تراثها الإسلامي.

  (3)

 منذ بداية رئاسته سرب أوباما معلومات بأنه يعتزم المبادرة بزيارة دولة إسلامية لإعطاء إشارة بأن أمريكا لا تحارب الإسلام. ولكن اختيار تركيا باعتبارها المدخل للعالم الإسلامي يصطدم مع كون تركيا قد تنكرت لهويتها الإسلامية ولا تريد أن توصف بها (رغم توجهات حكومتها الحالية التي تمارس توجهها الإسلامي من وراء حجاب مفروض في بلد يحرم الحجاب). حتى لو كان الأمر كما قيل هو محاولة تجسير الهوة بين الشرق والغرب فإن تركيا لا تعترف بأنها تمثل الشرق، بل تصر على أنها جزء من أوروبا وتسعى بإصرار لدخول النادي الأوروبي بأي ثمن، حتى لو كان الانسلاخ من الجلد.

(4)

 هناك تشابه بين حالتي تركيا وأوباما حيث أن الأخير اجتهد بدوره في التبرؤ من الإسلام الذي كان من المفترض أن يكون إرثه من أبيه وقد عايش أهله في صغره. ولكن الفرق هو أن أوباما لم يتنكر للإسلام فقط لكي يجد القبول في الساحة السياسية الأمريكية، ولكن أيضاً لأنه تربى على المسيحية، وقد وجد في النهاية القبول الذي طلب. أما تركيا التي تنكرت لإسلام أهلها طلباً للقبول الأوروبي فإنها لم تجده.

(5)

 أكثر من رسالة خاطئة تبعثها إذن مبادة أوباما التي كأنما تقول للمسلمين أن الطريق الوحيد لوجود القبول في الغرب هو الانسلاخ من الهوية الإسلامية. وهو قبول يبقى مع ذلك ناقصاً ومشروطاً كما خبرت تركيا من طول الوقوف بباب النادي الأوروبي كما كان أسلاف أوباما يقفون خارج المؤسسات المفتوحة للبيض فقط.

(6)

 في خطوة تعزز من إشكالية مبادرة أوباما للتقارب مع العالم الإسلامي عبر تركيا التي لا تعتبر نفسها جزءاً منه، عين حلف شمال الأطلسي رئيس الوزراء الدنماركي اندرس فوغ راسموسن أمينا عاما للحلف مما جعل تركيا نفسها تحتج على تعيين الشخص الذي ارتبط اسمه بالرسوم الدنماركية المسيئة لنبي الإسلام قبل أن ترضخ للأمر مقابل تصريحات تشبه الاعتذار من راسموسن.

(7)

 يبدو أن مفهوم الحوار والتقارب عند الغربيين يختلف حين يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين. فلو أن اسم راسموسن ارتبط بأي شكل بالإساءة إلى أي فئة أخرى، مثل الشاذين جنسياً أو النساء أو اليهود لكان هذا يكفي لاستبعاده عن أي وظيفة عامة حتى لو كان الوحيد المؤهل لها في العالم. ولكن يبدو أن الاستخفاف بالمسلمين ومشاعرهم هو الأمر السائد، وإلا فكيف يصر شركاء تركيا في الحلف على تسمية مرشح كهذا لقيادة منظمة يعتبر العالم الإسلامي المسرح الأول لعملها حالياً بينما يتهم أوباما تركيا بالإبادة الجماعية دون أن يرف له جفن وفي قلب عاصمتها ويحيلها على خصومها الأرمن للحصول على شهادة براءة منهم، ثم ينتقل الطرفان إلى ما يسمى ب "حوار الحضارات" في مكان غير بعيد؟

(8)

 لا يمكن بالطبع إنكار أن تركيا تحت قيادة رجب طيب أردوغان قد تبوأت لنفسها مكانة عالمية مرموقة، وتصالحت مع نفسها أكثر، وتبنت الكثير من قضايا المسلمين. صحيح كذلك أن إدارة أوباما جنحت نحو سياسة تصالحية مع العالم الإسلامي. ولكن الثابت أيضاً أن إدارة بوش لم تقل يوماً أنها في حالة حرب مع الإسلام، كما أن تركيا الرسمية ما تزال تتمسك بأوهامها بأنها دولة غربية قطعت كل علاقاتها مع ماضيها الإسلامي. ومن هنا فإن مجرد ترديد عبارات النوايا الطيبة عبر البوابة الخطأ لن يغير شيئاً في الأمر.

(9)

 المشكلة في الحوار المزعوم مع العالم الإسلامي ليست فيمن يتحاورون مع المسلمين بل في المسلمين أنفسهم. فإذا كان هناك طرف غير متصالح مع نفسه، وإذا كانت عداوته ومسالمته سواء، فإن أي حوار حقيقي معه يصبح غير ممكن وغير ضروري وغير مفيد. وعليه فقبل أن يحتدم الجدل حول خطوة أوباما وغيرها من المبادرات لا بد أن يوجد عالم إسلامي يستحق أن يتحاور الآخرون معه. وهذا أمر لن يحققه إلا المسلمون أنفسهم.

(10)

 في حين ينعقد لقاء حوار الحضارات في استانبول، تشهد باكستان والعراق وأفغانستان أحداث عنف مجنونة، وتنطلق مظاهرات وأحداث احتجاج في مصر والسعودية والبحرين تعيرها السلطات هناك آذاناً صماء. وفي تركيا نفسها يواجه الأكراد الإقصاء وعنف الدولة، وحال فلسطين معروف. وفي كل دولة عربية تقريباً حكومة في حالة حرب مع شعبها. هذا العالم الإسلامي المضطرب يحتاج أولاً للحوار مع نفسه قبل أن يتحاور مع الآخرين. وقبل أن يكون هناك حوار حضارات لا بد أن توجد حضارات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.